بينما تنشغل الأروقة السياسية الأمريكية بتحليل أبعاد الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وطهران، وتوصيف الهدنة الحالية بـ”الهدنة بلا سلام”، يتساءل الأمريكيون بمرارة عن الجهة التي تدفع ثمن هذه المواجهة.
ففي معادلة "الهدنة بلا سلام" بين واشنطن وطهران، يبدو أن السياسي يصنع الإستراتيجيات، وشركات السلاح والنفط تجني الأرباح، بينما يبقى المواطن الأمريكي البسيط هو الحلقة الأضعف التي تدفع الضريبة كاملة من رفاهيته ومعيشته وأموال ضرائبه.
وكان مسؤول في الكونغرس الأمريكي كشف في بداية مارس/آذار الماضي أن التقديرات الأولية لتكلفة الحرب المستمرة ضد إيران، بحسب وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، تصل إلى مليار دولار يوميا، وفقا لما نقلته صحيفة ذي أتلانتيك (The Atlantic).
ومع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خرجت تنديدات شعبية وتعالت أصوات المحتجين أمام مكاتب المشرعين في نيويورك، فتحولت الصرخات إلى انعكاس حقيقي لضيق ذرع دافع الضرائب الأمريكي، الذي يرى أمواله تتدفق كوقود لآلة الحرب في الشرق الأوسط، في وقت تعاني فيه ميزانيته المنزلية من تضخم غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والوقود.
وخلال تقرير أوردته حلقة (2026/4/30) من برنامج "من واشنطن" ظهر متظاهرون يرفعون شعارا واضحا "نريد لأموال ضرائبنا أن تملأ الموائد، لا أن تُشعل الميادين".
هذه المقاربة الشعبية تأتي في وقت حساس، إذ لم يمر سوى وقت قصير على تقديم الأمريكيين لإقراراتهم الضريبية، ليجدوا أنفسهم بين مطرقة أسعار البقالة الباهظة وسندان الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود؛ حيث تداول المواطنون بغضب دفعهم لـ50 دولارا مقابل 10 غالونات فقط من البنزين.
وفي أول تقدير رسمي كشف عنه "جولز هيرست" (القائم بمهام المراقب المالي بوزارة الدفاع)، بلغت تكلفة العمليات العسكرية ضد إيران حتى الآن 25 مليار دولار، ذهب الجزء الأكبر منها إلى الذخائر والمعدات الحربية.
الإنفاق:
الرؤية الجمهورية: يمثلها أعضاء مثل توم باريت، يرون أن الأمن القومي فوق كل اعتبار، وأنه لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، حتى لو تطلب ذلك تحمل كلفة اقتصادية باهظة في أسعار الوقود.
الرؤية الديمقراطية: تحذر من أن الحرب تكلف الخزينة الأمريكية أرقاما مرعبة تصل إلى مليار دولار يوميا. ويتهم الديمقراطيون إدارة ترمب بتفضيل إنفاق المليارات على حرب مجهولة المآلات وتعريض حياة الجنود للخطر، بدلا من وضع المواطن الأمريكي واحتياجاته في المقام الأول.
من الرابح ومن الخاسر؟
في الوقت الذي ينزف فيه جيب المواطن الأمريكي، يُظهر التقرير أن هناك قلة بعينها تجني أرباحا طائلة من دخان هذه الحرب:
قطاع الصناعات الدفاعية: حقق مكاسب ضخمة؛ حيث سجل مؤشر "MSCI" العالمي للفضاء والدفاع (الذي يرصد أسهم 23 سوقا عالميا) عوائد صافية بلغت 32% على أساس سنوي.
شركات النفط والغاز: كشف تقرير لصحيفة "الغارديان" (The Guardian) أن كبرى شركات الطاقة في العالم جنت ما يزيد على 30 مليون دولار في الساعة الواحدة خلال الشهر الأول من اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية، مستفيدة من إغلاق مضيق هرمز والصدمات الاقتصادية التي اجتاحت العالم.
ووفقا لاستطلاعات مركز "يوغوف" (YouGov) لأبحاث السوق، فإن نحو 53% من الأمريكيين يرون أن اقتصادهم ينزف بسبب هذه الحرب.
ورغم أن بعض المواطنين ما زالوا يرون في هذه المعاناة "ألما مؤقتا" من أجل مكاسب إستراتيجية مستقبلية وأمن عالمي، فإن الأغلبية باتت تشعر بأنها تدفع ضريبة باهظة لقرارات سياسية لم تُستشر فيها.