قائمة الموقع

أمريكا بين وهم السيطرة وتحولات الميدان: قراءة في مسارات التصعيد واحتمالات الانفجار الاكبر

2026-04-05T23:14:00+03:00
يوسف أبو سامر*

منذ مطلع العام 2026، دخل النظام الدولي مرحلة شديدة الاضطراب، مع تصاعد نهج القوة الذي تتبناه إدارة دونالد ترامب الأميركية، والتي بدت وكأنها تسعى لإعادة تشكيل العالم وفق رؤية أحادية تتجاوز التوازنات التقليدية.. هذا السلوك الذي وصفته سابقًا باحد مقالتي بأنه "رقص على حافة الهاوية"، لم يعد مجرد توصيف بل تحول إلى واقع ملموس تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.

أولًا: فشل الخديعة وتآكل الهيبة

الرهان الأمريكي–"الإسرائيلي" على الحسم السريع عبر ما يمكن تسميته بـ"الخديعة الاستراتيجية" — أي الجمع بين التفاوض والتصعيد — لم يحقق أهدافه. بل على العكس، كشف عن حدود القوة، خصوصًا مع فشل عمليات نوعية كانت تهدف إلى إحداث صدمة في بنية القيادة الإيرانية. هذا الفشل لم يكن عسكريًا فقط، بل أصاب جوهر الردع الأمريكي، الذي لطالما اعتمد على صورة "القوة التي لا تُقهر".

ثانيًا: تحولات المزاج الدولي

ما نشهده اليوم هو بداية تصدع حقيقي في بنية الهيمنة الغربية. فالتعامل الفوقي لإدارة واشنطن مع الحلفاء قبل الخصوم خلق حالة من التململ داخل حلف الناتو، بل وفتح الباب أمام مواقف أكثر استقلالية لدى دول أوروبية، مثل إسبانيا التي اتخذت مواقف متقدمة برفضها الانخراط في دعم العمليات العسكرية، سواء سياسيًا أو لوجستيًا.

هذا التغير لا يمكن فصله عن الأعباء الاقتصادية المتزايدة، حيث أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، ما خلق ضغطًا داخليًا على الحكومات الغربية، وجعل الانخراط في مغامرة عسكرية مفتوحة خيارًا أكثر كلفة من أي وقت مضى.

ثالثًا: اتساع رقعة الاشتباك

الميدان بدوره لم يعد محصورًا في جغرافيا واحدة. بل نشهد تشكل شبكة مترابطة من الجبهات:

في لبنان، برزت قدرات حزب الله بشكل مفاجئ، ما أعاد رسم ميزان الردع مع "إسرائيل".

في العراق، تصاعدت عمليات استهداف القواعد الأمريكية، ما يشير إلى استراتيجية استنزاف طويلة الأمد.

في البحر، تحولت نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب إلى أدوات ضغط جيوسياسية تهدد الاقتصاد العالمي.

كما برز دور حركة أنصار الله اليمنية في إعادة تعريف معادلات السيطرة البحرية.

هذه الجبهات لم تعد منفصلة، بل تعمل ضمن تنسيق واضح يقترب من نموذج "غرفة العمليات المشتركة"، ما يعكس تطورًا نوعيًا في أداء محور المقاومة.

رابعًا: الرسائل العسكرية والسياسية الفلسطينية

في هذا السياق، تكتسب تصريحات الأجنحة العسكرية لكل من كتائب القسام وسرايا القدس أهمية خاصة، ليس فقط من حيث المضمون، بل من حيث التوقيت. رفض تسليم السلاح قبل تنفيذ الالتزامات السياسية يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، ويؤكد أن القرار العسكري بات جزءًا من معادلة تفاوضية معقدة، لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها.

خامسًا: معركة الإرادات والتكنولوجيا

من أبرز ملامح هذه المواجهة أيضًا كسر التفوق التكنولوجي الغربي، حيث شكلت استهدافات طائرات متطورة مثل F-35 ضربة معنوية واستراتيجية، إذ لم يعد التفوق التقني ضمانة للحسم. كما أن العمليات البحرية أعادت إلى الأذهان حادثة إغراق البارجة الإسرائيلية "ساعر" عام 2006، ما يعكس استمرارية تراكم الخبرات لدى قوى المقاومة.

سادسًا: إلى أين تتجه الأمور؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام حرب إقليمية كبرى قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط جذريًا، أم أن هناك فرصة لاحتواء التصعيد؟

المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تقف عند مفترق طرق:

سيناريو التصعيد الكبير: في حال استمرت واشنطن في نهجها، قد نشهد انفجارًا واسعًا يمتد من الخليج إلى المتوسط، مع تداعيات اقتصادية عالمية كارثية.

سيناريو الاحتواء: إذا ما تدخلت قوى دولية أو تبلورت ضغوط داخلية في الغرب، فقد يتم فرض مسار تهدئة مرحلي يمنع الانفجار الشامل.

خاتمة

ما يجري اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو اختبار تاريخي لنظام دولي يتآكل، ولموازين قوة يعاد تشكيلها. بين تهور القيادة الأمريكية وصمود خصومها، يقف العالم أمام لحظة فارقة: إما الانزلاق إلى فوضى كبرى، أو إعادة إنتاج توازن جديد يفرضه الواقع لا الأوهام.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى العامل الحاسم هو: من يمتلك القدرة على الصبر الاستراتيجي، ومن يندفع نحو الهاوية دون حساب.

---------------

*باحث سياسي / فلسطين

الاحد 5 نيسان 2026

اخبار ذات صلة