وكالة القدس للأنباء - متابعة
لم تمضِ سوى أيام قليلة على بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران حتى بدأت كلفته المالية تتكشف تدريجياً، كاشفةً حجم الاستنزاف الذي قد يترتب على واشنطن في حال استمرار الحرب. فقد أبلغ مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) كبار المشرّعين في الكونغرس خلال إحاطة سرية أن تكلفة العمليات العسكرية خلال الأيام الستة الأولى فقط تجاوزت 11.3 مليار دولار، وهو رقم لا يعكس سوى جزء من التكلفة الفعلية للحرب.
وبحسب ما نُقل عن مسؤولين مطلعين، فإن هذا الرقم يقتصر أساساً على تكاليف الذخائر المستخدمة في الضربات العسكرية، ولا يشمل النفقات الأوسع المرتبطة بالحرب، مثل نشر القوات في المنطقة، والرعاية الطبية للجنود، وتعويض أو استبدال الطائرات والمعدات العسكرية التي قد تُفقد خلال العمليات. ما يعني أن التكلفة الحقيقية أعلى بكثير مما جرى الإعلان عنه حتى الآن.
في الأيام الأولى من العمليات، أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب ملياري دولار يومياً على الذخائر، قبل أن تنخفض الوتيرة لاحقاً إلى نحو مليار دولار يومياً مع انتقال الجيش الأميركي إلى استخدام ذخائر أقل تكلفة. ومن بين الأسلحة الأكثر كلفة التي استخدمت في الضربات الأولى قنابل الانزلاق الموجهة بدقة من طراز AGM-154، والتي يتراوح سعر الواحدة منها بين 578 ألفاً و836 ألف دولار.
ومع استمرار العمليات، بدأ البنتاغون بالاعتماد على ذخائر أقل كلفة مثل القنابل الموجهة بنظام JDAM، حيث يمكن أن تبلغ تكلفة الرأس الحربي الصغير نحو ألف دولار فقط، بينما تبلغ تكلفة مجموعة التوجيه التي تحول القنابل التقليدية إلى قنابل دقيقة نحو 38 ألف دولار -ما يعكس أزمة حقيقية-. ورغم أن هذا التحول يقلل الكلفة اليومية نسبياً، إلا أن معدل استهلاك الذخائر المتطورة يظل مرتفعاً بشكل يثير القلق داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
هذا الاستنزاف السريع للمخزون العسكري قد يدفع الإدارة الأميركية في نهاية المطاف إلى طلب حزمة إنفاق دفاعي إضافية من الكونغرس لإعادة ملء الترسانة العسكرية، وهو أمر يواجه بالفعل حالة من التردد داخل أروقة الكونغرس. إذ إن عدداً متزايداً من المشرعين من الحزبين يطالبون بتوضيحات حول أهداف الحرب ومدتها قبل الموافقة على تمويل إضافي قد يتحول إلى التزام مفتوح.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان تجارب الولايات المتحدة في حروب طويلة ومكلفة، مثل العراق وأفغانستان، حيث تحولت العمليات العسكرية السريعة إلى نزيف مالي واستراتيجي استمر لسنوات. فالحروب الحديثة، خصوصاً تلك التي تعتمد على أسلحة دقيقة ومتطورة، تحمل تكاليف هائلة لا تتوقف عند حدود المعركة، بل تمتد إلى إعادة التسليح والدعم اللوجستي والتعويضات العسكرية.
لكن السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه في واشنطن اليوم لا يتعلق فقط بالكلفة المالية، بل بجدوى الحرب نفسها. فحتى الآن، لم تقدم الإدارة الأميركية برئاسة ترامب تصوراً واضحاً لما يمكن اعتباره "نصراً" في هذه المواجهة، ولا ما إذا كانت العمليات العسكرية قادرة فعلاً على تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية مستدامة.
وفي ظل هذا الغموض، يخشى بعض صناع القرار في الولايات المتحدة أن تتحول الحرب مع إيران إلى استنزاف طويل الأمد، يضيف عبئاً جديداً على الاقتصاد الأميركي ويزيد الانقسام السياسي الداخلي، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات دولية متزايدة من قوى كبرى مثل الصين وروسيا. استمرار هذا النزيف المالي دون تحقيق نتائج استراتيجية واضحة قد يطرح تساؤلات أعمق حول حدود القوة العسكرية الأميركية وقدرتها على فرض معادلات سياسية جديدة في إيران والمنطقة.
وفي نهاية المطاف، لا تنحصر الكلفة الحقيقية لهذه الحرب بالأرقام التي يعلنها البنتاغون فقط، بل بما ستتركه من تداعيات استراتيجية على مكانة الولايات المتحدة و"نفوذها" العالمي في السنوات المقبلة.
