/مقالات/ عرض الخبر

العودة إلى ميثاق منظمة التحرير أم دستور تحت الاحتلال؟ أيّهما أولى لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني؟..

2026/02/11 الساعة 06:16 م

يوسف أبو سامر موسى*

في لحظة تاريخية مثقلة بالدماء والتحولات الكبرى يطرح إعلان مسودة دستور لـ"الدولة الفلسطينية" تساؤلات لا يمكن القفز فوقها...؟ هل نحن أمام أولوية وطنية حقيقية، أم محاولة للهروب إلى الأمام، في وقت يواجه فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أخطر المراحل في تاريخه.. فبينما تتواصل الاعتداءات ويتعمق الاستيطان وتتعاظم المخاطر التي تهدد ما تبقى من الأرض يبدو الحديث عن "دستور" أقرب إلى نقاش نظري حول دولة لم يُسمح لها أصلًا بأن تولد، وبحسب اتفاق اوسلو المفروض ولادتها بعد خمس سنوات.. وها قد مضى اكثر من ثلاثين عاما ولم تولد.

إن إعداد "مسودة دستور" بإيعاز من الرئيس محمود عباس، يفتح الباب أمام جدل سياسي مشروع حول التوقيت والهدف. فالدساتير عادة تُكتب لدول ذات سيادة لا لشعب تحت الاحتلال، وما يزال يخوض معركة التحرير... 

ومن هنا يتساءل كثيرون ما جدوى بناء هيكل دستوري فيما تتآكل الجغرافيا الفلسطينية وتتقلص فرص إقامة الدولة يومًا بعد آخر؟ يرى منتقدون أن المسودة لا تعكس إجماعًا وطنيًا بقدر ما تعبّر عن رؤية سياسية ضيقة وقد تُفهم كمحاولة لترتيب شكل السلطة أكثر من كونها خطوة على طريق التحرر. فإضفاء الطابع الرسمي على مؤسسات دولة غير مكتملة السيادة قد يمنح انطباعًا بالإنجاز،  لكنه لا يغير من الواقع السياسي شيئًا خاصة في ظل رفض "إسرائيلي" مطلق لإقامة "الدولة الفلسطينية" واستمرار سياسات فرض الوقائع الجغرافية والديموغرافية، على الأرض وتهميش السلطة !..

ويزداد هذا الطرح إشكالية حين يأتي في سياق ميداني شديد القسوة، تصعيد متواصل في الضفة الغربية توسع استيطاني، اعتداءات على الممتلكات وتهجير، وضغوط سياسية وأمنية متراكمة. في مثل هذا المناخ المتأزم والمعقد على كل المستويات، تبدو الأولويات بالنسبة لأغلبية الفلسطينيين، مختلفة تمامًا عن أولولوية سلطة رام الله، إذ تتقدم الحاجة إلى استراتيجية وطنية موحدة، لمواجهة الاحتلال ومخططات التصفية الصهيو اميركية، على أي نقاش دستوري.

الانقسام في المواقف لم يتأخر فهناك من رأى في المسودة خطوة تنظيمية نحو ترسيخ مؤسسات "الدولة" لانها فصلت على مقاصهم، بينما اعتبرها آخرون وثيقة يشوبها القصور ولا ترتقي إلى مستوى تطلعات شعب ما يزال يناضل من أجل حريته، أما أخطر التحذيرات فتمثلت في الخشية من أن يؤدي غياب التوافق الوطني إلى تكريس مزيد من الانقسام  بدل أن يكون الدستور أداة توحيد.

بعد أكثر من ثلاثين عامًا على اتفاق أوسلو يعود السؤال المركزي والمُلِح بقوة  ماذا جنى الفلسطينيون من مسار التسوية؟ وهل آن الأوان لمراجعة شاملة لا تكتفي بإدارة الأزمة بل تعيد تعريف المشروع الوطني نفسه؟ فالتجربة الطويلة أظهرت أن الرهان على المجتمع الدولي وحده لم يحقق اختراقًا حاسمًا، وأن التعويل على حلول مؤجلة لم يمنع تآكل الأرض ولا تبدد الآمال.

من هنا تتصاعد الدعوات للعودة إلى الثوابت الجامعة وفي مقدمتها ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية بوصفه الإطار الذي شكّل تاريخيًا نقطة التقاء للفلسطينيين ورمزًا لوحدة الهدف والهوية السياسية، ولا يُطرح ذلك باعتباره حنينًا إلى الماضي بل محاولة لاستعادة بوصلة وطنية واضحة في زمن تتكاثر فيه المشاريع المتنافسة وتضيع فيه الأولويات.

إن القضية اليوم ليست مجرد دستور، بل سؤال يُطرح هل المطلوب تثبيت واقع سياسي محدود أم إعادة بناء رؤية وطنية قادرة على توحيد الفلسطينيين أينما كانوا؟ فالشعوب التي تمر بمراحل تحرر تحتاج أولًا إلى برنامج سياسي جامع وإلى مؤسسات تستمد شرعيتها من التوافق الشعبي لا من إجراءات قد يختلف حولها الشارع.. لذلك يبدو النقاش الحقيقي أبعد من نصوص دستورية إنه نقاش حول مستقبل المشروع الوطني برمّته. فإعادة ترتيب البيت الداخلي وتعزيز الوحدة وتفعيل الأطر التمثيلية الجامعة قد تكون المدخل الطبيعي لأي خطوة دستورية ذات معنى أما القفز إلى استحقاقات كبرى دون أرضية سياسية صلبة فقد يضيف عبئًا جديدًا إلى مشهد فلسطيني مثقل أصلًا بالتحديات.

في المحصلة، لا يمكن لأي دستور أن يحل محل الإجماع الوطني، ولا أن يعوّض غياب رؤية سياسية موحدة.

وبينما تتسارع التحولات يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هل الأولوية لكتابة دستور  أم لإحياء مشروع وطني جامع يعيد توجيه البوصلة نحو ما يجمع الفلسطينيين بدل ما يفرقهم؟.

*باحث سياسي /فلسطين

الثلاثاء 10شباط 2026

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/223786

اقرأ أيضا