يوسف أبو سامر موسى*
كما ذكرنا في مقالٍ سابق، بعنوان "امريكا والرقص على حافة الهاوية"، فهل الهدف من إعلان المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد لا يكون سوى تموضعٍ أميركي لاستكمال الحشد وتعمية المجتمع الدولي عن حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة تسعى بشكل جاد للسيطرة على العالم، وفرض اجندتها وسياستها القاضية بإخضاع العالم لجبروتها. وهي لذلك، تبحث عن اسلوب "حضاري" لتظهر من خلاله بمظهر الساعي للسلام وتجنب الحرب، بل وتسعى من خلالها إقناع العالم بأنها استنفدت كل ما لديها لتجنب ويلاتها.
في هذا السياق، وفي ظل الازمات والفضائح التي تعصف بأرفع منصب امريكي وتفضح الديمقراطية المزورة التي تلبس لبوس الحريات على اختلافها... يجري تقديم دونالد ترمب على أنه رجل سلام، فعل أقصى ما يستطيع لتفادي المواجهة وويلاتها مع محاولة تحميل إيران مسؤولية فشل خيار المفاوضات.
لذا لا يمكن قرأءة المشهد بمعزل عن الضغوط الداخلية التي يواجهها ترمب، ولا سيما من قبل اللوبي المسيحي الصهيوني اليميني المتشدد، حيث تتداخل السياسة مع الابتزاز وتُستخدم الملفات الحساسة وسيلةً للضغط والتأثير في القرار. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا لو رضخ ترمب لتلك الضغوط واندلعت الحرب؟ حينها ما هو مصير الشعوب والامم في منطقة الشرق الاوسط؟ بخاصة وأن المواجهة لن تكون محصورة بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل ستتشابك فيها تحالفات عديدة وكبيرة علنية وأخرى تدور في الخفاء. فاليمن، وفصائل المقاومة في العراق ولبنان، أعلنت استعدادها للانخراط في المعركة دفاعاً عمّا تعتبره آخر الحصون. كما لا يمكن إغفال البعد الدولي للصراع فالاطماع الامريكية وشهوتها باسقاط الدول ستأخذ بعيدا جديدا بعد ايران قد تكون باكستان وتركيا وفي المقدمة منهما قطر حسب بعض التلميحات من ايدي كوهين، كذلك تبدو الصين وروسيا حاضرتين في خلفية المشهد، سواء عبر الحسابات الاستراتيجية أو موازين القوى العالمية.
ومع ذلك، يبقى احتمال آخر قائماً هل ما يُروَّج عن انهيار المفاوضات ليس سوى أداة ضغط وابتزاز اخيرة ومحسوبة لدفع إيران إلى الرضوخ وتقديم تنازلات؟ لكن القراءة تقول ان ايران لن تخضع ولن تساوم على استقلالها وعلى قرارها المستقل ولن تفرط باوراق قوتها سواء ببرامجها العلمية وترسانتها الصاروخية واقمارها الصناعية، فالتاريخ السياسي مليء بمثل هذه التكتيكات حيث تُستخدم حافة الهاوية لانتزاع مكاسب تفاوضية.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبرز السؤال الأكثر حساسية: ما هو موقف المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية المقهورة وغزة الجريحة والنازفة هل ستنخرط في أي مواجهة إقليمية محتملة؟
قد يرى البعض أن غزة منهكة وأن الضفة مستباحة وأن الواقع الميداني لا يسمح بمغامرات جديدة هذا توصيف لا نختلف عليه، يحمل جانباً من الحقيقة لكن في المقابل ثمة من يعتقد أن لحظات التحولات الكبرى تفتح نوافذ نادرة للتغيير وعدم استثمار لحظة الضغط قد يعني بقاء غزة تحت رحمة الاحتلال واستمرار الضفة الغربية عرضة لاقتحامات الجيش وعنف المستوطنين في ظل عجز عربي وإسلامي واضح عن تغيير موازين القوى
البعض قد يعتبر الدعوة إلى الانخراط في معركةٍ إقليمية ضرباً من الجنون أو انتحاراً سياسياً وعسكرياً، وربما وجودياً. إلا أن منطق الصراعات يقول إن الخرائط لا يعاد رسمها إلا في أوقات الزلازل الكبرى وأن التردد في مثل هذه اللحظات قد يكرّس واقعاً أشد قسوة لسنوات طويلة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه والحقيقي ليس فقط ما إذا كانت غزة قادرة على الدخول في معادلة صراع أوسع، بل ما إذا كان الشرق الأوسط بأسره يقف على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل شاملة والتشكيل يرتبط بالنتائج، فالحروب الكبرى لا تغيّر حدود الجغرافيا فحسب، بل تعيد تعريف موازين الردع بل وخرائط المنطقة والحدود ولنا في اتفاقية سايكس بيكو (1916) المعاهدة السرية التي وضعت خلال الحرب العالمية الأولى وطبقت بعده و قسّمت تركة الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا انذاك لكن الفرق اليوم انه لا يوجد محاور كالسابق وانما ستهيمن امريكا وتفرض معادلات سياسية جديدة اذا سقطت ايران وسيندحر المشروع الامريكي الى غير رجعة اذا صمدت ايران حتى لو لم تنتصر فصمودها بحد ذاته انتصار وادخال امريكا في حرب استنزاف لن تتحمل عواقبها امريكا والمنطقة.
وبين احتمالات الحرب ومناورات التفاوض، تبقى غزة رقماً صعباً في معادلة المنطقة، لا يمكن تجاهله في أي قراءة استراتيجية للمستقبل. فإما أن تتحول إلى جزء من لحظة تغيير تاريخية، أو تبقى أسيرة واقعٍ يفرضه الاحتلال وتوازنات دولية لا ترحم وفي الحالتين، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة لا تحتمل القراءات السطحية، بل تتطلب فهماً عميقاً لما يجري خلف الكواليس، لأن ما يُرسم اليوم قد يغير المشهد و ملامح الشرق الأوسط لعقودٍ قادمة.
*باحث سياسي/فلسطين
الخميس 5 شباط 2026
