/مقالات/ عرض الخبر

بين غزة ولبنان: حين يُدار العدوان بعقل بارد

2026/02/03 الساعة 11:34 ص

أسماء بزيع

ليس ما يجري اليوم بين غزة ولبنان مجرّد تصعيد عسكري عابر، ولا انفجارًا مؤقتًا في مسار صراع طويل. نحن أمام مرحلة سياسية مدروسة، تُدار بعقل بارد، وتهدف إلى إعادة رسم قواعد القوة في المنطقة، على حساب الشعوب، وتحت عناوين فضفاضة مثل "الأمن" و"الاستقرار".

في غزة، يُختبر ضمير العالم مرة بعد أخرى. تتحوّل المجازر إلى "أضرار جانبية"، ويُسوَّق القتل على أنه "دفاع عن النفس"، فيما تُختصر حياة المدنيين في بيانات مقتضبة وتقارير تقنية. كل جريمة تمرّ بلا محاسبة تفتح الباب أمام جريمة أكبر، وكل صمت دولي يمنح العدوان شرعية إضافية.

هذا المشهد لا يعكس فشلًا أخلاقيًا فقط، بل يكشف عن هندسة سياسية متعمدة للوحشية، حيث تُدار القوة من دون أي قيود حقيقية، في ظل انكفاء المؤسسات الدولية وعجزها عن فرض أبسط قواعد العدالة.

أما مسار التطبيع، الذي رُوِّج له باعتباره طريقًا للسلام، فقد أثبت أنه لم يكن سوى صفقة مصالح. معظم الدول التي انخرطت فيه لم تفعل ذلك انطلاقًا من قناعة استراتيجية مستقلة، بل تحت ضغط الخوف من العزلة والعقوبات، والسعي الدائم لرضا العواصم الغربية. هكذا، تحوّلت فلسطين من قضية مركزية إلى عبء دبلوماسي، ومن رمز للعدالة إلى ملف مزعج ينبغي تجاوزه.

في لبنان، تتخذ الأزمة شكلًا أكثر تعقيدًا. دولة منهكة اقتصاديًا، ونظام سياسي مأزوم، ومؤسسات ضعيفة أمام الضغوط الخارجية. في مثل هذا الواقع، تصبح السيادة شعارًا للاستهلاك الإعلامي أكثر منها سياسة فعلية. يُرفع خطاب "الحياد" و"النأي بالنفس"، بينما تُنتهك الأجواء والحدود بشكل شبه يومي من دون ردّ فعّال.

الحياد، في زمن العدوان، لا يكون موقفًا متوازنًا، بل انحيازًا غير معلن للطرف الأقوى، والصمت الرسمي، مهما غُلِّف بلغة الدبلوماسية، يبقى تعبيرًا عن عجز الدولة عن حماية نفسها ومواطنيها

القرار الدولي 1701 لم يفشل بسبب ضعفه القانوني، بل لأنه طُبِّق بشكل انتقائي. والقانون الدولي لم يسقط لأنه ناقص، بل لأن القوى الكبرى قررت تجاهله حين يتعارض مع مصالحها. في السياسة الواقعية، ما لا تحميه موازين القوة، يبقى حبرًا على ورق.

لكن الخطأ الاستراتيجي الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن هذه السياسات ستؤدي إلى إخضاع الشعوب. التجربة أثبتت أن غزة، رغم الحصار، لم تُكسر، وأن لبنان، رغم الانهيار، لم يتحوّل إلى تابع، وأن المقاومة، رغم الاستهداف المستمر، ما زالت عنصرًا فاعلًا في المعادلة الإقليمية.

ما يجري اليوم هو محاولة لتكريس مفهوم خطير: "حرية العدوان"، أي أن تُستخدم القوة متى شُئْت، حيث شُئْت، ومن دون أي ثمن سياسي أو قانوني. وإذا نجح هذا النموذج في فلسطين ولبنان، فسيُعمَّم لاحقًا في مناطق أخرى من العالم.

المعركة الحقيقية، في هذا السياق، ليست عسكرية فقط، بل فكرية وسياسية. إنها معركة الوعي: هل يُقنَع الناس بأن الاستسلام هو "واقعية"؟ هل تُسوَّق الهزيمة بوصفها "حكمة"؟ هل يتحوّل التخلي عن الحقوق إلى فضيلة سياسية؟

السياسي الواعي يدرك أن ميزان القوى مهم، لكنه يعرف أيضًا أن ميزان الإرادة لا يقل أهمية. التحالفات تتغيّر، والمصالح تتبدّل، لكن الشعوب التي تتخلى طوعًا عن أوراق قوتها نادرًا ما تستعيدها لاحقًا.

في النهاية، لا يمكن بناء استقرار حقيقي فوق أنقاض البيوت، ولا فوق صمت الضحايا، ولا عبر صفقات تُبرم خلف الأبواب المغلقة. القوة وحدها لا تصنع شرعية، والمال لا يشتري ذاكرة الشعوب، والخضوع لا ينتج سلامًا دائمًا.

الاستقرار الحقيقي يولد فقط من فوهات البنادق، ومن احترام الإنسان وحقوقه. وكل محاولة لتحويل العدوان إلى سياسة طبيعية، ستبقى مشروعًا مؤقتًا، مهما طال عمره، أمام حقيقة واحدة ثابتة: الشعوب قد تُنهك، لكنها لا تُمحى.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/223534

اقرأ أيضا