سننشغل بهذا السؤال طوال الأعوام المقبلة؛ ما الذي دفع المجتمع الإسرائيلي إلى منح الدعم الواسع للحرب على غزة، والتي لم تفشل في تحقيق أهدافها فقط، بل أيضاً وضعت "إسرائيل" في قفص الاتهام، وباتت متهمة بارتكاب إبادة جماعية؟
هناك مفتاح جزئي لفك هذا اللغز يكمن في مواقف اليسار اليهودي (الصهيوني)، فهذا هو المعسكر الذي كان يمكن أن نتوقع معارضةً منه لاستخدام قوة غير أخلاقية، أو غير مُجدية، على غرار ما كان يجري في الماضي. ولا يمكن توقُّع مثل هذه المعارضة من اليسار العربي، الذي قُمِع في الحرب، ولا من أنصار الوسط الذين كانت الحرب، بالنسبة إليهم، جزءاً من "الاستفاقة"، وبالمناسبة، هذا المعسكر لم يتميّز أساساً بمواقف معارِضة، حتى قبل ذلك
إن تحليل مواقف اليسار خلال الحرب يكشف الفجوة بينه وبين ماضيه. وللاستدلال على ذلك، يمكن الاستعانة باستطلاعٍ أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، بعد أيام قليلة على انتهاء الحرب؛ لم يعُد الأمر هنا مجرد ردة فعل على الضغوط التي كانت تهدف إلى التكاتف في أثناء الحرب.
ففي هذه المرحلة، تراكمت أدلة على استخدام نيران غير متناسبة، وعلى نسبة مرتفعة من "الأضرار الجانبية" التي سمحت الحكومة والجيش بإحداثها، عبر الضربات الجوية، وعلى إساءة معاملة الأسرى؛ حتى إن ادّعاءات قادة من اليمين، أو اليسار الصهيوني، مثل موشيه يعلون ويائير غولان، بشأن التطهير العرقي و"قتل الأطفال كهواية"، لم تُحدِث فارقاً في أوساط اليسار الصهيوني.
تُظهِر نتائج الاستطلاع معطيات مُقلقة؛ فثُلث الذين شملهم الاستطلاع من اليهود الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم يساريون، يعتقدون أن الامتناع من القتل غير الضروري، ومن إيذاء المدنيين، يمنع الجيش من أداء مهماته. وحتى بعد تدمير القطاع وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، يرى خُمس المستطلَعين أن إصابة السكان المدنيين للعدو يجب أن تؤثر بدرجة ضئيلة، أو لا تؤثر إطلاقاً، في قرارات المستوى السياسي بشأن مدة الحرب ونطاقها. ويوافق رُبع المستطلَعين، أو يوافقون إلى حدٍّ ما، على قتل "مخرّب" بعد تحييده، حتى لو لم يعُد يشكّل خطراً - أي تبرير قضية إيلؤور آزاريا.
ويوافق خُمس المستطلَعين على جواز استخدام مدني فلسطيني لفحص مبنى، أو مدخل نفق، يُخشى أن يكون مفخخاً، تجنباً لتعريض الجنود للخطر، وهو سلوك اعترف الجيش نفسه بعدم قانونيته. وهناك نسبة مماثلة توافق على أنه في حال إطلاق صواريخ على سكان "إسرائيليين" من غزة، يجب تنفيذ قصف كثيف على تجمّعات سكانية فلسطينية من أجل حفر ثمن الاستفزاز في وعيهم - أي ارتكاب جريمة حرب واضحة عن قصد.
لذلك، ليس مستغرباً، على الرغم من الأدلة على التغييرات التي طرأت على الجيش، أن أكثر من 40% ممّن يعرّفون أنفسهم بأنهم يساريون يرون أن منظومة القيم لدى القيادة العليا للجيش قريبة، أو قريبة إلى حدّ ما، من منظومة قيَمهم الشخصية، وأن نحو نصف المستطلَعين منحوا السلوك الأخلاقي للجيش في الحرب درجة عالية. وهذه ليست حالة ذهنية يمكن أن تقود إلى خلق ضغطٍ لإجراء مراجعة أخلاقية للنفس.
هذه المعطيات ليست مفاجئة إذا تذكّرنا أنها نشأت داخل معسكر يرى نفسه مدافعاً عن الجيش في مواجهة اليمين، وهو المعسكر الذي خرجت منه أيضاً وحدات الطيران والاستخبارات، التي تحملت مسؤولية جزء من القتل والدمار في الحرب. لقد استنبط هذا المعسكر المنطق القائل إن الحفاظ على حياة الجنود يبرّر إلحاق الأذى بمدنيي العدو، وهكذا نشأت فجوة عميقة بين الصورة الذاتية لليسار وبين ماهيته الفعلية، والتي بدأت تتكون منذ الانتفاضة الثانية. وبهذا المعنى، لم يفشل اليسار في توجيه النقد، بل تخلّى عن الحاجة إليه.
---------------
المصدر : هآرتس
بقلم : ياغيل ليفي
التاريخ: 6/1/2026