تكشف دراسة أكاديمية جديدة صادرة عن "مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام" حجم الزلزال الذي أحدثته حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في صورة "إسرائيل" عالميًا، وتضع مشروع “السمة الوطنية” "الإسرائيلية" أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه.
الدراسة، التي أعدّها الباحث الأكاديمي والمستشار الإعلامي د. نواف التميمي، تتجاوز توصيف الخسائر السياسية أو العسكرية لتضع الإصبع على جرح أعمق: انهيار الرواية، تآكل الشرعية، وتحوّل إسرائيل في نظر الرأي العام العالمي من “دولة تُسوّق نفسها كديمقراطية حديثة” إلى كيان يُنظر إليه على نطاق واسع كمصدر للفوضى وعدم الاستقرار.
وتتناول الدراسة، المنشورة في عدد حديث من المجلة المحكمة نصف السنوية الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تأثير حرب غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على مكانة إسرائيل الدولية، من خلال تفكيك مشروع الهاسبارا ورصد التصدعات العميقة التي أصابت صورة "إسرائيل" في الوعي العالمي، خاصة في المجتمعات الغربية وبين الأجيال الشابة.
انهيار الرواية وسقوط الهاسبارا
تطرح الدراسة سؤالها المركزي بوضوح: إلى أي حد ألحقت حرب الإبادة على غزة ضررًا بمكانة "إسرائيل" وصورتها العالمية؟ والإجابة، وفق تحليل معمّق اعتمد منهج دراسة الحالة، تشير إلى نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ الاتصال السياسي "الإسرائيلي".
فالأحداث التي تلت السابع من أكتوبر كشفت حدود قدرة "إسرائيل" على التحكم في الرواية، وأظهرت عجز الهاسبارا عن الصمود أمام سيل الصور والشهادات القادمة من غزة.
في العصر الرقمي، حيث تراجعت سلطة “حارس البوابة” الإعلامي وانتشرت منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد الرواية الرسمية قادرة على إخفاء مشاهد القصف والحصار واستهداف المدنيين والمنظمات الإنسانية.
هذا التحول، كما تشير الدراسة، ألغى الفجوة التقليدية بين ما تسوّقه إسرائيل عن نفسها وما تمارسه على الأرض، وجعل التناقض صارخًا أمام جمهور عالمي واسع.
وترصد الدراسة أن "إسرائيل"، التي عملت لعقود على بناء صورة “الضحية المحاطة بالأعداء”، فقدت هذا الامتياز الرمزي. فحرب غزة كسرت الهالة الأخلاقية التي أحاطت بها طويلًا، وأسقطت سيف “معاداة السامية” الذي استُخدم لعزل أي نقد لسياساتها.
وبدل أن تنجح الدعاية في تبرير العنف، تحوّلت أدواتها إلى عبء، مع اتساع رقعة الاحتجاجات، وتصاعد حملات المقاطعة، وظهور خطاب عالمي جديد يطالب بالمحاسبة الأخلاقية لا بالتعاطف الأعمى.
السمة الوطنية في مهبّ العزلة
ترى الدراسة أن الخسارة الأعمق لإسرائيل لا تكمن في الأرقام أو المؤشرات الاقتصادية، بل في الضربة التي تلقاها مشروع السمة الوطنية الذي استثمرت فيه موارد هائلة على مدى عقود.
هذا المشروع، الذي سعى إلى تقديم إسرائيل بوصفها “واحة ديمقراطية” و”دولة مبتكرة”، تلقى انتكاسة كبرى مع تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي في غزة والضفة الغربية.
وتسلط الدراسة الضوء على تحوّل العزلة التي تواجه "إسرائيل" من حالة ظرفية إلى سمة بنيوية تهدد مشروعها الوطني. فرفض قرارات الأمم المتحدة، واستمرار السياسات العدوانية، وتجاهل القانون الدولي، كلها عوامل ساهمت في إعادة تعريف "إسرائيل" في الخطاب العالمي. لم تعد تُقدَّم كحليف طبيعي للغرب، بل كدولة مارقة تفرض منطق القوة على حساب القيم التي تدّعي الانتماء إليها.
وتبرز الدراسة دور الرأي العام الغربي، الذي شهد تحولات عميقة منذ أكتوبر 2023. فشرائح واسعة من المجتمعات الغربية باتت ترى في إسرائيل تجسيدًا لنفاق القيم الليبرالية، وصورة مكثفة لهمجية النظام الدولي حين يتخلى عن مبادئه.
ولا يقتصر هذا التحول على الشارع أو وسائل التواصل فحسب، بل امتد إلى الجامعات ووسائل الإعلام ومراكز التفكير، حيث أصبح توصيف "إسرائيل" كنظام فصل عنصري أو دولة مارقة جزءًا من النقاش العام.
مستقبل بلا أقنعة دعائية
في القسم الأكثر حساسية، تطرح الدراسة سؤال المستقبل: هل تستطيع "إسرائيل" ترميم سمعتها عبر العودة إلى أدوات الدعاية التقليدية، أم أن الأزمة أعمق من أن تُحلّ بحملات علاقات عامة؟ الجواب يأتي حاسمًا: السمة الوطنية لا تُصلح بالخطاب وحده. فسمعة الدول، كما تؤكد الدراسة، ترتبط بالسياسات الفعلية، وبنظام الحكم، وبالتجربة اليومية للمتأثرين بهذه السياسات.
وتشير الدراسة إلى أن استدعاء خبراء في “بناء السمعة” واقتراح استراتيجيات اتصال جديدة، كما حدث في منتصف 2024، يعكس إدراكًا "إسرائيليًا" لحجم المأزق، لكنه لا يقدم حلًا جذريًا.
فالعالم، وفق ما ترصده الدراسة، بات أقل استعدادًا لتصديق الروايات المنمّقة، وأكثر ميلًا لمساءلة السلوكيات على الأرض.
وتخلص الدراسة إلى أن "إسرائيل" تواجه تحديًا وجوديًا يتمثل في فقدان الشرعية الدولية وتآكل التأييد العالمي، حتى بين حلفائها التاريخيين. هذا التحدي، بخلاف التهديدات العسكرية التقليدية، يضرب في عمق الأساس الرمزي والسياسي الذي قامت عليه الدولة. ومع استمرار الحرب على غزة، تتعمق الهوة بين إسرائيل والعالم، وتترسخ صورة جديدة يصعب محوها بالخطاب وحده.
وتفتح الدراسة، بما تحمله من تحليل نقدي عميق، نقاشًا واسعًا حول علاقة القوة بالسردية، وحول حدود الدعاية في زمن الشفافية القسرية، لتشكّل بذلك إضافة نوعية إلى حقل دراسات الاتصال السياسي، وتقدم قراءة صارمة لتحولات الرأي العام العالمي في واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم المعاصر.
--------------------
* المصدر: القدس العربي 1/1/2026