قائمة الموقع

تحقيق سحب الاستثمارات وبيع السندات.. حملة عالمية قد تهز اقتصاد "إسرائيل"

2026-07-03T00:54:00+03:00

نشرت مجلة "+972" العبرية تقريراً يسلط الضوء على الضغوط الاقتصادية المتصاعدة على "إسرائيل"، والتي لم تعد تقتصر على العقوبات الأوروبية، بل امتدت إلى حملات بيع السندات الحكومية لدولة الاحتلال.

وأشار تقرير المجلة، الذي أعده الكاتب أهارون بورات، إلى أن هذه التحركات، وإن بدت محدودة في حجمها، تحمل في طياتها إمكانية زعزعة الأسس الاقتصادية التي تعتمد عليها "إسرائيل" في تمويل حربها المستمرة.

وقالت المجلة في هذا التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إن الاتحاد الأوروبي أعلن في أواخر أيار/ مايو عن سلسلة جديدة من العقوبات ضد منظمات المستوطنين الإسرائيليين وأفراد متورطين في هجمات عنيفة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

على إثر ذلك، سرعان ما حذت ست حكومات أوروبية، من بينها بريطانيا وفرنسا، حذو الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات إضافية تستهدف "شبكات التمويل والدعم لهجمات المستوطنين". كما أعلنت فرنسا حظر دخول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى أراضيها بسبب دعمه للاستيطان والضم.

وزعم سفير الاتحاد الأوروبي لدى دولة الاحتلال، مايكل مان، في مقابلة مع صحيفة "غلوبس" العبرية، أن هذه العقوبات ليست ضد "إسرائيل"، بل ضد أفراد ومنظمات محددة "نعتقد أنها انتهكت حقوق الإنسان بموجب القانون".

وبينما تتصدر هذه العقوبات عناوين الأخبار في دولة الاحتلال، يتصاعد شكل آخر من أشكال الضغط الاقتصادي بعيداً عن الأضواء: بيع السندات الحكومية. ورغم أن هذه التحركات لا تحظى إلا بذكر عابر في الصحافة المالية، إلا أن توسعها قد يلحق ضرراً بالغاً باقتصاد الاحتلال.

وأوضحت المجلة أن حملات بيع السندات لا تخضع للعمليات السياسية المعقدة التي تميز قرارات الحكومات، بل يمكن أن تنفذها جهات مستقلة مثل صناديق التقاعد، والمستثمرين الأفراد، والهيئات المحلية والإقليمية، وصناديق الاستثمار العامة والخاصة، وغالباً ما تحدث استجابة لضغوط شعبية.

والأهم أنها، بخلاف العقوبات الأوروبية، لا تميز بين "إسرائيل" كـ"دولة" وبين المستوطنات، وقد استجاب أكبر صندوق تقاعد عام في بريطانيا في أيار/ مايو لضغوط الناشطين وباع سندات حكومية إسرائيلية بقيمة تقارب 29.2 مليون دولار.

ونقل موقع "ميدل إيست آي" عن أحد قادة الاحتجاج قوله: "لقد أصابنا الذهول حين اكتشفنا أن أموال تقاعدنا تموّل الإبادة الجماعية والفصل العنصري والاحتلال والسجن والتعذيب".

وبعد أيام قليلة، نجحت حملة مشابهة في ولاية ميريلاند الأمريكية في دفع صندوق التقاعد الحكومي للتخلي عن سندات تابعة لدولة الاحتلال بقيمة 73.7 مليون دولار، ورغم أن إدارة الصندوق نفت أن القرار جاء استجابة للاحتجاجات، فإن مثل هذا يهدد فعلياً أسس اقتصاد الاحتلال.

وأضافت المجلة أن هناك ضغوطاً مماثلة تُمارس على صندوق تقاعد ولاية نيويورك المحلي الذي يحتفظ بسندات تابعة لدولة الاحتلال بقيمة 368 مليون دولار، وكذلك على صندوق التقاعد الوطني في ويلز (رغم أن استثماراته هناك في شركات إسرائيلية لا في سندات حكومية).

أما أكبر صندوق تقاعد خاص في بريطانيا، وهو "صندوق الجامعات"، فقد كان له السبق في هذا الاتجاه وتخلى عن أصول للاحتلال تزيد قيمتها على 100 مليون دولار منذ آب/ أغسطس 2024.

وتعرضت آليات الاستثمار الأوروبية في السندات (الإسرائيلية) أيضاً لهزات بفعل حملات الضغط؛ فبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تولت إيرلندا مسؤولية المصادقة على الوثائق التنظيمية التي تتيح عرض تلك السندات على المستثمرين في دول الاتحاد.

لكن في أيلول/ سبتمبر 2025، توقف البنك المركزي الإيرلندي عن أداء هذا الدور الحيوي بعد حملة ضغط مستمرة من برلمانيين وناشطين ومنظمات حقوقية.

ورغم أن هذه الخطوة لم توقف آلية الاستثمار، إذ انتقلت إلى لوكسمبورغ حيث تعمل بالطريقة نفسها، لكنها تعكس تنامياً في الوعي بأن الكثير من الناس يستثمرون في سندات الاحتلال دون علمهم. وإذا استمر هذا الاتجاه فقد يسبب مشكلات حقيقية لاقتصاد دولة الاحتلال.

"ثقة المستثمرين"

وأفادت المجلة بأن إصدار السندات يعد أداة أساسية لتمويل إنفاق الدول وسداد ديونها، وبالنسبة لدولة الاحتلال فإن هذه الموارد تموّل كل شيء من الإنفاق على الرعاية الاجتماعية وصولاً إلى المعدات العسكرية اللازمة لارتكاب الإبادة الجماعية في غزة.

ومع استمرار الحرب وتفاقم الأعباء المالية، أصبح اعتماد وزارة المالية على إصدار السندات أكثر حيوية، وعلى الرغم من عمليات سحب الاستثمارات الأخيرة التي بلغت مئات الملايين من الدولارات، إلا أنها تظل ضئيلة مقارنة بحجم إصدارات الديون لدى الاحتلال.

ففي عام 2024 جمعت تل أبيب نحو 278 مليار شيكل (93 مليار دولار) عبر بيع أنواع مختلفة من السندات، أي ما يعادل 45 بالمائة من إجمالي الإنفاق الحكومي لذلك العام، وأكثر من أربعة أضعاف ما جُمع في 2022.

أما أحدث عملية بيع في كانون الثاني/ يناير الماضي فقد جمعت نحو 6 مليارات دولار مع تجاوز الطلب المعروض بستة أضعاف، وأشارت المجلة إلى أن المصادر الأساسية لهذه الأموال هي كيانات محلية مثل صناديق التقاعد والادخار وشركات التأمين والبنوك، التي تدير استثمارات طويلة الأجل لعملائها.

كما يمتلك معظم الإسرائيليين حصصاً في السندات الحكومية من خلال صناديق الادخار الخاصة بهم، بينما يأتي مصدر رئيسي آخر من المجتمعات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة.

وأفادت المجلة أن موقع "مؤسسة تنمية إسرائيل"، الذراع التسويقية لسندات دولة الاحتلال، خصص صفحة حملات لهذه المجتمعات.

وفي تموز/ يوليو 2025 نشر المدير التنفيذي للشركة، داني نافيه، رسالة مفتوحة يشكر فيها المسيحيين الأمريكيين على "موجة الدعم بالأفعال الملموسة منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر"، موضحاً أن الأفراد والمؤسسات استثمروا أكثر من 5 مليارات دولار عبر سندات الاحتلال.

ويبدي أيضاً العديد من المستثمرين في دول الخليج اهتماماً كبيراً بالسندات الحكومية لدولة الاحتلال؛ حيث أفادت صحيفة "كلكاليست" المالية أن مديراً بارزاً في أحد أكبر الصناديق الخليجية قاطع عرضاً قدمه روتنبرغ للمستثمرين في يناير/ كانون الثاني قائلاً: "نعرف كل شيء، أجرينا الفحص اللازم. خصصوا لنا هذا المبلغ في الطرح"، ثم كتب رقماً بمئات الملايين من الدولارات.

حياد أم تواطؤ؟

وأوضحت المجلة أن إستراتيجية سحب الاستثمارات من السندات الحكومية تحمل إمكانية ممارسة ضغط كبير على اقتصاد دولة الاحتلال، لكنها تواجه عقبة أساسية هي أن الغالبية العظمى من الأموال تأتي من مستثمرين سلبيين.

فمنذ عام 2020 أُدرجت السندات الحكومية لدولة الاحتلال بالعملة المحلية في مؤشرات عالمية كبرى مثل مؤشر "إف تي إس إي" العالمي للسندات الحكومية، ما أدى إلى إدراجها تلقائياً في صناديق استثمارية متداولة تتبع هذه المؤشرات وتجمع سندات من دول مختلفة.

وبالتالي، فإن المستثمرين المالكين لمدخرات في صناديق التقاعد وصناديق الادخار وصناديق الاستثمار المشتركة وغيرها لا يختارون بشكل مباشر الاستثمار في الأصول التابعة للاحتلال، وفي معظم الحالات لا يدركون على الإطلاق أنهم يفعلون ذلك.

وطالما بقيت دولة الاحتلال مدرجة في هذه المؤشرات، فإن جزءاً من الطلب على السندات يكون مضموناً فعلياً من قبل النظام المالي نفسه، بينما يظل هذا الأمر شبه غير مرئي للجمهور.

وأكدت المجلة أن هذه الحقيقة تمثل قيداً وفرصة في معركة الديون لدى الاحتلال؛ فلا توجد مؤشرات حالياً على أن صندوق تقاعد في بريطانيا أو ولاية أمريكية أو جهة تنظيمية في إيرلندا قادرة بمفردها على تقويض قدرة تل أبيب على جمع الديون عبر السندات.

ورغم موجة سحب الاستثمارات الأخيرة، والأزمة في إيرلندا، وتزايد الضغط الشعبي على المستثمرين المؤسسيين، فإن دولة الاحتلال ما زالت تجمع مليارات الدولارات في الأسواق الدولية، وتستفيد من الطلب المرتفع، وتحظى بحماية سوق محلية تستثمر تلقائياً في السندات الحكومية.

وطالما تُعتبر السندات الحكومية منتجاً استثمارياً عادياً مدرجاً في المؤشرات الدولية، ويتم شراؤها عبر صناديق استثمارية واسعة التداول، ويظل المدخرون غير واعين بأن

أموالهم تُستثمر في ديون حكومة تل أبيب، فإن آلية التمويل ستواصل العمل بشكل شبه مستقل.

ولهذا تسعى مجموعات الاحتجاج حول العالم إلى تحويل هذه القضية من مسألة تقنية إلى قضية سياسية وأخلاقية.

وأشارت المجلة إلى أنه عندما يكتشف المدخرون في شمال إنجلترا أن صناديق تقاعدهم تستثمر في سندات الاحتلال، وعندما يتساءل نواب البرلمان في إيرلندا عن سبب توفير البنك المركزي إطاراً تنظيمياً لإصدارات سندات الاحتلال؛

وعندما يطالب المستثمرون في نيويورك أو ويلز بوقف توجيه أموالهم لتمويل دولة ترتكب جرائم حرب في غزة وتعمّق سيطرتها على الضفة الغربية، فإن مجرد طرح هذه الأسئلة يقوّض الفصل المريح الذي تحاول تل أبيب الحفاظ عليه بين السوق المالية والسياسة الحكومية.

وبهذا فإن سحب الاستثمارات من ديون الاحتلال يجرّد إحدى أهم آليات التمويل من غطائها المهني الظاهري، ويجبر الكيانات التي تفضل التحدث بلغة الربح والخسارة على مواجهة أسئلة تتعلق بالأخلاق وحقوق الإنسان: هل لا يزال شراء الديون الحكومية (الإسرائيلية) استثماراً محايداً، أم أنه يشكل تواطؤاً في تمويل دولة تفقد شرعيتها الدولية تدريجياً؟

وما زال الاتحاد الأوروبي يحاول التهرب من هذا السؤال عبر التمييز بين دولة الاحتلال والمستوطنات، لكنه تمييزٌ من المستحيل الاستمرار فيه على المدى الطويل؛ فالديون تعود إلى الدولة، والأموال المتدفقة إليها تموّل أفعالها.

وختمت المجلة بأنه بينما تتصدر العقوبات ضد المستوطنين والمنظمات في الضفة الغربية العناوين، فإن المعركة الدائرة داخل صناديق التقاعد ولجان الاستثمار والنشرات التنظيمية والمؤشرات وصناديق الاستثمار المتداولة تحمل إمكانية تأثير أكبر بكثير.

وقد تكون هذه المعركة أبطأ وأقل دراماتيكية، لكنها تتعلق بسؤال يتجاوز بكثير مسألة منع الوزراء أو السماح لهم بدخول باريس أو لندن. إنها تتعلق بمن هو مستعد لمواصلة إقراض المال لدولة الاحتلال، وبأي شروط، وعند أي نقطة يصبح حتى الاستثمار الأكثر سلبية موقفاً أخلاقياً وسياسياً.

اخبار ذات صلة