وكالة القدس للأنباء - متابعة
أثارت العملية الأمنية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، عاصفة من التقديرات داخل إسرائيل، بعدما أسفرت عن مقتل جندي وإصابة 11 آخرين بجروح خطيرة، إلى جانب فقدان أثر 4 آخرين يرجح أنهم وقعوا في قبضة المقاومة.
سارع جيش الاحتلال إلى فرض حظر النشر وتشديد الرقابة العسكرية على تفاصيل ما بات يُعرف بـ"عملية الزيتون"، مكتفيا في بيانه الرسمي بالاعتراف بإصابة 7 جنود خلال هجوم مركب استهدف قوة عسكرية في الحي.
ووفق الإعلان، فقد تعرضت ناقلة الجنود المدرعة من طراز "النمر" لقصف بقذائف هاون أعقبه تفجير عبوة ناسفة، ما أسفر عن إصابة أحد الجنود بجروح متوسطة، بينما أصيب الستة الآخرون بجروح وصفت بالطفيفة.
صدمة كبيرة
وحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، وقع الهجوم خلال عملية نفذتها قوات من الفرقة 99 واللواء 7 في محيط حي الزيتون، إحدى أبرز بؤر المواجهة داخل مدينة غزة.
ورغم فرض الرقابة العسكرية حظر النشر حول تفاصيل ما جرى، فإن المؤشرات الأولية والتحليلات التي برزت في الإعلام الإسرائيلي كشفت عن حجم الصدمة التي أصابت المؤسسة الأمنية والعسكرية، ودفعت الخبراء إلى الحديث عن نقطة تحول قد تغير مسار الحرب برمتها.
وبحسب ما تسرب من المعلومات، نفذت مجموعة صغيرة من المقاتلين، يصفها الإعلام الإسرائيلي بأنها من "النخبة"، كمينا محكما ضد قوات من الفرقة 162 واللواء 401، في حي الزيتون، مستخدمة عبوات ناسفة وأسلحة دقيقة ومناظير ليلية متطورة.
ولم يقتصر الهجوم على ضرب القوة المتقدمة، بل استهدف أيضا فرق الإنقاذ التي هرعت إلى المكان، ما ضاعف من الخسائر وأربك القيادة الميدانية. لكن المفاجأة الأكبر تمثلت في فقدان أثر 4 جنود في خضم الاشتباكات، وسط تقديرات إسرائيلية جدية بأنهم أُسروا أحياء.
واضطر جيش الاحتلال، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية، لتفعيل ما يعرف بـ"بروتوكول هانيبال"، في محاولة لمنع وقوع الجنود أسرى، وهو ما يعكس حجم الارتباك والتخبط في التعامل مع الحدث. بالمقابل، نشرت كتائب عز الدين القسام صورة تحمل عبارة "نذكّر من ينسى.. الموت أو الأسر"، في رسالة مباشرة للقيادة الإسرائيلية حول ما ينتظرها في حال المضي بخطة احتلال غزة.
وأجمع المحللون العسكريون الإسرائيليون على أن ما جرى ليس مجرد حادث ميداني، بل تطور نوعي يهدد بإحداث تحول إستراتيجي في مسار الحرب.
مأزق مضاعف
ويعيد هذا التطور، وفق القراءات الإسرائيلية، إلى الأذهان هواجس صفقات التبادل، ويضرب في العمق الرهان الحكومي على تحقيق نصر مطلق في قطاع غزة. ما قد يجعل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، تواجه مأزقا سياسيا وعسكريا مضاعفا، فمن جهة تتزايد الضغوط الداخلية للمطالبة بصفقة تبادل جديدة، ومن جهة أخرى تتراجع مصداقية خطاب "الحسم" الذي تبنته الحكومة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبينما يحذر بعض الخبراء من أن العملية قد تشجع المقاومة على تكرار سيناريوهات مماثلة، يرى آخرون أنها تدخل إسرائيل في معادلة جديدة، إذ لم يعد الجيش هو الطرف الوحيد الممسك بخيوط اللعبة.
تتفق التحليلات الإسرائيلية على سيناريوهات متعددة منها:
السيناريو الأول: يتحدث عن إمكانية الدخول في مفاوضات معقدة قد تفضي إلى صفقة تبادل واسعة تشمل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، وهو ما قد ينظر إليه داخل إسرائيل كهزيمة سياسية مدوية لحكومة نتنياهو.
السيناريو الثاني: أن تحاول المؤسسة العسكرية تصعيد العمليات الميدانية للضغط على المقاومة وإفشال مساعيها في استخدام الأسرى كورقة تفاوض.
السيناريو الثالث: يتمثل في قبول إسرائيل تدريجيا بمعادلة "أسرى مقابل تهدئة"، الأمر الذي قد يغير شكل الحرب من مواجهة مفتوحة إلى صراع تفاوضي طويل الأمد.
وكتب المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" يانيف كوبوفيتش، معلقا على عملية الزيتون وتداعياتها، قائلا "الحدث الذي يبدو في ظاهره ميدانيا محدودا، جاء في توقيت حساس يرتبط باستعدادات الجيش لمرحلة أوسع من القتال في قلب مدينة غزة، وهو ما يفسر قرار القيادة العسكرية بفرض رقابة صارمة على تفاصيل ما جرى".
ولفت إلى أن فرض حظر النشر لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل يعكس القلق الإسرائيلي من أن استغلال المقاومة لهذه التطورات قد يضعف من صورة "التفوق الميداني".
كمين مدروس
ووفق المراسل العسكري كوبوفيتش، تهدف الرقابة إلى منع تسرب تفاصيل حول حجم الخسائر أو طبيعة الوسائل التي استخدمتها المقاومة، خاصة أن الأوساط العسكرية تتحدث منذ أسابيع عن تصاعد خطر العبوات الناسفة في مناطق مكتظة ومعقدة مثل حي الزيتون.
وأشار إلى أن الإعلان عن إصابة الجنود في العملية تزامن مع خطوة لافتة تمثلت في إلغاء "الهدن الإنسانية اليومية" في منطقة غزة، إذ جاء في بيان الجيش أن "مدينة غزة منطقة قتال خطيرة".
ويضيف كوبوفيتش أن هذا القرار يعكس إدراك المؤسسة الأمنية أن العمليات في قلب المدينة باتت أكثر تعقيدا من التقديرات السابقة، وأن هامش المناورة الإنسانية بات يتقلص لصالح تكثيف العمليات العسكرية.
القراءة ذاتها تناولها المراسل العسكري للإذاعة الإسرائيلية الرسمية، إيتاي بلومنتال، الذي أوضح أنه رغم تقليل الجيش من حجم الخسائر، فإن قرار الرقابة العسكرية يعكس خشية من أن تكشف تفاصيل إضافية طبيعة التحديات التي تواجه قوات الاحتلال في عمق غزة.
ويضيف أن الهجوم لم يكن عفويا، بل حمل بصمات كمين مدروس اعتمد على الجمع بين قصف الهاون والعبوات الناسفة، في مشهد يذكر بعمليات الفصائل المسلحة في بدايات الحرب البرية. وأشار إلى أن استهداف ناقلة "النمر"، إحدى المركبات المصممة لمواجهة العبوات الناسفة، يثير تساؤلات حول قدرة الجيش على حماية قواته في بيئة حضرية كثيفة ومعقدة.
كما أن العملية، بحسب المراسل العسكري، تأتي في وقت تستعد فيه إسرائيل لتوسيع عملياتها داخل مدينة غزة، وهو ما يضع صانعي القرار أمام معضلة الاستمرار في التوغل مع قبول مخاطر أكبر، أم التراجع خشية تصاعد الخسائر البشرية.