شنّت الامبريالية الأميركية وملحقاتها، فجر الجمعة والسبت، عدوانا على المدن اليمنية، دفاعا عن حرب الإبادة الجماعية التي تنفذها الى جانب الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ومن أجل مواصلة الحصار الإجرامي على قطاع غزة ومنع دخول المستلزمات الحياتية اليه. شكّل هذا العدوان خطوة نحو عسكرة البحر الأحمر وتهديدا للملاحة العالمية وتوسيعا لدائرة العدوان الصهيو-أميركي على فلسطين.
تعتبر الجمهورية اليمنية، الدولة العربية الوحيدة الذي تقف الى جانب الشعب الفلسطيني بشكل عملي منذ بداية العدوان الصهيوني. بعد الهجوم على ميناء إيلات بالصواريخ والمسيّرات، قرّر اليمن تصعيد دعمه للشعب الفلسطيني، عبر منع السفن "الإسرائيلية" والتي تتوجه الى الكيان الصهيوني من استخدام الممّر المائي في باب المندب، الذي يقع تحت السيادة اليمنية الخالصة. لقد اتخذ اليمن هذه المبادرة من أجل فك الحصار القاتل عن قطاع غزة، مطالبا بدخول المساعدات الدولية اليه، حيث تتكدس المئات من الشاحنات أمام معبر رفح، بانتظار "تفتيشها" من قبل العدو، ووفقا للمنظات الدولية، لقد أتلف محتوى عدد من هذه الشاحنات بسبب خضوع المجتمع الدولي، دولا ومنظمات، للتعنت الإرهابي الصهيوني.
لم تبادر أي دولة عربية، كما فعلت اليمن، من أجل إنقاذ أهل غزة من الجوع والعطش والمرض والبرد. اكتفى بعضها بإرسال شاحنات مساعدات أو وقود، علما أنها لن تدخل الى القطاع قبل أسابيع أو أشهر. فتصرّفت كأنها جمعية إنسانية، لا دولة تدعي السيادة والاستقلال. لقد صرّح أحد الباحثين المصريين أن مصر تقف أمام مأزق خطير: هل تساعد الشعب العربي الفلسطيني وتخفّف من آلامه، وبذلك تُغضِب الولايات المتحدة الأميركية والكيان الإرهابي، أم ترضخ لهما وتمنع دخول الجرحى والمرضى الى أراضيها لتلقي العلاج وتستمر في إغلاق معبر رفح، بحجة أنها ترفض تهجير أهل غزة الى صحراء سيناء؟ هل تتصرف مصر كدولة عربية ذات سيادة أم دولة خاضعة للولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة؟
فقط اليمن، بقيادتها السياسية الثورية وشعبها الشجاع، عبّر بكل عنفوان، عن وقوفه الى جانب الشعب الفلسطيني، خلال حرب الإبادة الجماعية، واستطاع أن يتحدى الامبريالية الأميركية وملحقاتها الأوروبية والعربية (البحرين) وقام بخنق الكيان الصهيوني الذي يخنق قطاع غزة. لقد اتخذ هذه الخطوات الجريئة من أجل فلسطين والقدس وشعب فلسطين، كونه البلد العربي الوحيد (باستثناء سوريا التي تواجه حربا شنتها الدول الغربية) الذي يتمتع باستقلالية قراره، وذلك لأن القيادة اليمنية تستجيب لإرادة شعبها، الذي لم يكفّ عن الخروج بمسيرات أسبوعية مليونية، يعبّر عن انتمائه لقضايا الأمة، أولها قضية فلسطين. فيقول قائد "أنصار الله"، عبد الملك الحوثي: "على أمتنا مسؤولية إيمانية أخلاقية إنسانية من الإجرام الرهيب الذي يمارسه الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني".
لم تستجب أي دولة عربية لنداءات شعبها، وخاصة في المغرب حيث خرج الشعب مرات عدة مطالبا بوقف التطبيع مع كيان العدو، أو في الأردن، حيث يطالب شعبها بطرد السفير الأميركي وإزالة القواعد العسكرية الأميركية عن الأراضي الأردنية. لم تقم أي دولة عربية بتحمّل مسؤوليتها السياسية والإيمانية والأخلاقية والإنسانية لمساندة شعب فلسطين، بسبب رضوخها للولايات المتحدة الأميركية، أو لما يسمى "المجتمع الدولي" الذي تديره الولايات المتحدة.
يعلن المسؤولون في الدول العربية عن وقوفهم الى جانب أهل غزة وعن نيّتهم ارسال المساعدات، لكن لم يصل ما يحتاجه أهل القطاع، وقد صرّح المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن "محافظتي غزة والشمال بحاجة إلى 1,300 شاحنة غذاء يوميا للخروج من حالة الجوع (13/1). أثبتت مواقف هذه الدول، مرة أخرى، مدى تبعيتها للامبريالية الأميركية التي باتت تتحكم بتفاصيل حياة شعوبها، عبر تفتيت مجتمعاتها وبث الفتن بداخلها.
قدّمت دولة جنوب إفريقيا شكوى الى محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد الكيان الصهيوني باتهامه "ارتكاب جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية" في قطاع غزة، بعد السابع من أكتوبر، وطالبت بأن تصدر المحكمة "تدابير مؤقّتة وعاجلة لحماية المدنيين في القطاع بفعل هذا العدوان، ومن ضمنها وقف سياسة التهجير والحرمان من الغذاء والمياه وعرقلة المساعدات الإنسانية الكافية، تزامناً مع العمل على تعليق جميع العمليات العسكرية". كان بإمكان الدول العربية المطبّعة مع كيان العدو (التي تعترف به) تقديم هذه الدعوى، بعد المشاهد المروّعة التي كان ينقلها يوميا وفي كل ساعة الصحافيون الفلسطينيون.
لم تشارك في هذه الدعوى ضد الكيان الصهيوني إلا المملكة الأردنية، وبقيت سائر الدول المطبّعة (مصر والمغرب خاصة) تلتزم الصمت، في حين حيّت بعض الدول العربية، وكذلك السلطة الفلسطينية، دور دولة جنوب إفريقيا في فضح جرائم هذا العدوان واكتفت بالشكر والثناء على الجهود المبذولة، مثلما تفعل عادة الأحزاب والشخصيات والمؤسسات المدنية في العالم، في حين وقفت بعضها صامتة إزاء هذه المبادرة المهمة الفاضحة لجرائم الكيان الصهيوني، بسبب الموقف الأميركي منها الذي اعتبر أنها تعيق "السلام".
أحدثت الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد العدوان الصهيوني صدمة في الكيان على أكثر من مستوى، السياسي والإعلامي والشعبي، بسبب العنجهية التاريخية والمتجذرة في التكوين النفسي لدى الصهاينة، لأنهم يعتقدون أنهم الضحايا الأبديون مهما ارتكبوا من مجازر.
قد لا تصل هذه الدعوى الى إدانة صريحة لكيان العدو، لكن مجرد أن تم تقديمها الى هذه الهيئة الدولية يعتبر مبادرة ثورية لا يمكن أن يقوم بها إلا شعب حر ومقاوم، قاتل الاستعمار وجرائمه المتعددة وتخلّص من الهيمنة الأميركية.
ترتكز دعوى جنوب إفريقيا على مسألتين، الأولى هي القصف المستمر على البشر والحجر، وتدمير المنشآت الإنسانية والاجتماعية تمهيدا للإبادة الجماعية، والثانية هي منع دخول الماء والطعام والمستزمات الطبية والوقود لتشغيل المستشفيات وسائر المرافق الضرورية لحياة الناس، والتي تخص أيضا مسألة معبر رفح، الذي لا تتجرأ السلطات المصرية من فتحه، دون الموافقة الأميركية-الصهيونية. يعني ذلك أن حرب الإبادة الجماعية هي أولا حرب صهيو-أميركية، لم تتجرأ أي دولة عربية من إدانة المشاركة الأميركية فيها، ولم تتخذ أي خطوة عملية لاستنكار هذه المشاركة، بل نرى الرؤساء والملوك والأمراء العرب يستقبلون المسؤولين الأميركيين ويمدّون أيديهم للمساعدة على ترسيخ النفوذ الأميركي في المنطقة.
تستعد بعض الأنظمة العربية لمرحلة ما بعد "معركة طوفان الأقصى" وفقا لما تخطط له الولايات المتحدة، أي التمويل مجددا لإعادة إعمار قطاع غزة، لكن بشروطها السياسية والأمنية، اعتقادا منها أن الحلف الصهيو-أميركي سينتصر وسيتم هندسة القطاع وفلسطين والمنطقة على أشلاء المقاومة الفلسطينية وبغيابها، وغياب المقاومة في لبنان والعراق وسوريا.
قد يتألم بعض مسؤولي هذه الأنظمة للمشاهد المروّعة التي تخرج من القطاع، لكن لن يقوموا بدعم الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة بكل أراضيه المحتلة وبحريته. فأقصى ما يمكن أن يفعلوه، هو ما اقترحه مؤخرا الأمير تركي الفيصل (بشكل غير رسمي وفقا للباحث الفلسطيني وليد الخالدي)، أي العودة الى اتفاقيات أوسلو وحلّ الدولتين و"إعلان "حماس" التزامها بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وخياراتها السياسية".
يبدو أن الأنظمة العربية لم تفهم بعد أبعاد معركة طوفان الأقصى وتداعيات انتصار السابع من أكتوبر، وأنها ما زالت تراهن على الهيمنة الأميركية في المنطقة وفي العالم. فلذلك لا تستجيب لا لشعوبها ولا لضميرها ولا لإنسانيتها.