وكالة القدس للأنباء - متابعة
ابتداء من اقتحام مخيم جنين أواخر كانون الثاني/ يناير هذا العام، وكانت العملية الأعنف ضدّ سكان المخيم الفلسطينيين منذ الانتفاضة الثانية، تعتمد حكومات الاحتلال "الإسرائيلي" نهجاً ثابتاً ومنتظماً في اجتياح المخيمات والبلدات والمدن في الضفة الغربية عموماً وفي محيط نابلس وجنين خصوصاً، ضمن ما تعتبره استراتيجية ردع وسيطرة على أنشطة المقاومة الفلسطينية، المدنية منها والمسلحة على حدّ سواء.
وبهذا فإن عملية اقتحام جنين ومخيمها أمس لم تخرج عن ذلك النهج، أو هكذا كان جيش الاحتلال يتوهم، قبل أن يدخل على المشهد المتكرر طارئان حمل كل منهما دلالات خاصة قد تتجاوز السياقات الآنية لعملية محدودة النطاق والأغراض، إلى رهانات مستقبلية أمنية وعسكرية لا تخلو أيضاً من مغزى سياسي بعيد الأثر.
الطارئ الأول هو أن أشكال مقاومة اقتحامات الاحتلال وممارساته الوحشية والعشوائية اتخذت بالأمس نسقاً جديداً هو استخدام عبوات ناسفة بأحجام لا تقل عن 40 كيلوغراماً، للمرة الأولى على صعيد اعتماد المقاومين على الذات في إنتاج وسائل مواجهة جيش الاحتلال.
وكانت سلطات الاحتلال قد تفاخرت بإدخال مركبة عسكرية تخدم كناقلة جنود مصفحة متطورة حملت اسم «الفهد» تزن 10 أطنان وجرى تطويرها بأفضل من تصفيحها الداخلي والخارجي في التصنيع الأصلي الأمريكي، بما يجعلها مضادة للزجاجات الحارقة والرصاص والقذائف، فحلّت محل ناقلة الجنود القديمة المعروفة باسم «الذئب». والعبوة الناسفة التي زرعها مقاومو جنين أعطبت 7 من هذه الناقلات الجديدة، في عملية أصابت جيش الاحتلال بذهول، سوف يعقبه الكثير من الحرج حيال عجز استخبارات الاحتلال وقياداته العسكرية عن رصد هذا الطارئ ذي الأبعاد العسكرية والتكنولوجية الفارقة.
الطارئ الثاني، المرتبط بالأول خاصة وبارتقاء أشكال المقاومة الفلسطينية عامة، كان لجوء الاحتلال إلى اجتياح سماء جنين بحوامات الأباتشي وطائرات الـF ـ 16 والمسيّرات، ليس ضمن المحاولات المحمومة لإخلاء المركبات المعطوبة وجنودها "الإسرائيليين" الجرحى كما أعلن جيش الاحتلال فحسب، بل كذلك وربما جوهرياً لاستعراض العضلات العسكرية الأعلى صخباً والأكثر يأساً واضطراراً، سعياً خلف معدلات أشرس في استراتيجيات ردع لم تعد تليق بمسمياتها.
في غضون ذلك فإن حكومة بنيامين نتنياهو، الأكثر يمينية وفاشية على امتداد تاريخ الكيان، تواصل رضوخها إلى اشتراطات المجموعات القومية والدينية المتطرفة والاستيطانية، سواء في الترخيص لبناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة، وتفويض الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش بالتصديق عليها واختصار الإجراءات. في الآن ذاته تصدر المحكمة العليا "الإسرائيلية" أوامر إلى الحكومة والكنيست لتبيان شرعية تعديل القوانين الأخيرة، التي تمنح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير صلاحيات رسم سياسات الشرطة.
كل هذا، وسواه، في توقيت يشهد وصول مساعدة وزير الخارجية الأمريكي إلى فلسطين المحتلة في زيارة تدوم أسبوعاً، وستشهد غالباً المزيد من الاقتحامات وتدنيس باحات الأقصى وأنشطة الاستيطان، وتُدخل بالتالي اعتبارات إضافية إلى حرج البيت الأبيض ازاء عربدة الحليف "الإسرائيلي" المدلل. وبذلك فإن المعادلات الطارئة بين العبوة الفلسطينية الناسفة و«الفهد» "الإسرائيلي" المصفح لم تعد تنفصل عن مستويات الاختلال الأخرى، التي تواصل نخر الجسم السياسي "لدولة الاحتلال". (رأي القدس العربي)
