بقلم: راغدة عسيران
قبل أن يتولى مهامه في حكومة بنيامين نتنياهو، كان المستوطن والنائب في الكنيست الصهيوني، ايتمار بن غفير قد دشّن حملته الإرهابية على مدينة القدس والمقدسيين وعلى الأسرى في سجون العدو. لا يخفي هذا الوزير طموحاته الفاشية وتصوراته الصهيونية إزاء كل من الأسرى والمقدسيين والمقدسات. ولكن، خلافا لغيره من المسؤولين الصهاينة، الذين يشاطرون طموحاته وتصوراته، لا يأخذ بعين الاعتبار علاقات كيانه الاستعماري بالمجتمع الدولي والتوازنات الإقليمية.
القدس فاجأت سلطات العدو بعصيانها
لذلك، ما ان استلم مهامه "الأمنية"، حتى بدأ حملته الإرهابية التهويدية ضد الشعب الفلسطيني، موجّها سلاحه الانتقامي باتجاه من اعتبرهم الفئة الأضعف، أي المقدسيين المحاطين شبه كليا بالمستوطنين، والذين تم عزلهم تدريجيا عن محيطهم الفلسطيني والعربي لتسريع تهويد المدينة ومقدساتها، والأسرى الذين يعانون منذ عقود من انتهاكات خطيرة ومن القتل البطيء.
لم يستسلم المقدسيون لهذه الهجمة الإرهابية. الى جانب العمليات البطولية التي نفذها الشهيد عدي التميمي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2022، ثم الأسير إسلام الفروخ في نوفمبر (تشرين الثاني)، ثم الشهيد علقم خيري والشهيد حسين قراقع، في فبراير (شباط) 2023. حيث تصاعدت المواجهات الليلية بين الشبان المقدسيين وقوات الاحتلال في مناطق عدة في القدس، وانتقلت نهارا من بلدة الى أخرى، للتصدي لهدم المنازل واستفزازات المستوطنين وسرقة الأراضي والمنازل. كما استنفر المقدسيون لحماية المسجد الأقصى، رغم التعتيم الإعلامي حول رباطهم اليومي وتصديهم لقطعان المستوطنين وشرطة العدو في باب العامود والبلدة القديمة، بالرغم من تكثيف حواجز الاحتلال أيام الجمعة لمنع الفلسطينيين من التوجه الى مدينة القدس والصلاة في المسجد الأقصى.
هذه المواجهات اليومية في أنحاء القدس وبلداتها لم تهدأ منذ شهور، وتتوجت أخيرا، بالإعلان عن العصيان المدني في التاسع عشر من شباط (فبراير) الجاري، ردا على التصرفات الهمجية لشرطة العدو وجيشه في مخيم شعفاط وعناتا، بعد العملية البطولية للشهيد عدي التميمي، التي برهنت أن الحاضنة الشعبية للمقاومة المسلحة في القدس واسعة وأن الشباب المقدسي مستعد، عندما تحين الظروف، للانخراط فيها دون تردد، كما أثبتته العمليات اللاحقة.
أعلنت القوى الوطنية والإسلامية والحراك الشبابي في مخيم شعفاط، الذي يضم قرابة 150 ألف نسمة ويبعد 5 كلم شرقا عن مركز مدينة القدس، العصيان المدني ليوم واحد (يوم الأحد 19/2) ردا على الاعتداءات الإرهابية التي ينفذها الاحتلال بحقهم، ما يعني الإضراب الشامل وعدم ذهاب العمال الى أماكن عملهم في أراضي 48 (وأغلبيتهم يعملون عند المستوطنين الصهاينة) ومقاطعة الاحتلال وعدم التعامل معه رسميا، وطالبت القوى إغلاق الطريق المؤدي الى حاجز المخيم وإغلاق مدخل بلدة عناتا.
تجاوبت بلدات سلوان والشياح في رأس العامود والطور وكفر عقب ومخيم قلنديا وجبل المكبر، وانضمت الى العصيان المدني، فيما اندلعت مواجهات في بلدة العيزارية والعيساوية وشعفاط.
العصيان المدني التي أعلنته القوى المقدسية ليوم واحد يتبع العصيان الذي كانت قد أعلنته الفعاليات الشعبية في جبل المكبر قبل أشهر رفضا لهدم عشرات المنازل، والذي تمكّن من تأجيل عمليات الهدم. قد لا يوقف العصيان ليوم واحد الحملة الإرهابية الجديدة والمتجددة ضد مخيم شعفاط وبلدات القدس، لكنه، كفعل مقاوم شعبي، قد يمهّد الطريق لعصيان مدني واسع ومطوّل لإرباك المحتل وشلّ قدراته التدميرية، كما حصل خلال انتفاضة الحجارة قبل ثلاثة عقود في أنحاء الضفة الغربية.
.. وعصيان في سجون العدو
يختلف العصيان في سجون العدو، الذي أعلنته لجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة منذ حوالي عشرة أيام،عن عصيان المقدسيين، كون الأسرى يشكلون فئة تضم مناضلين ومقاومين، أي تضم صفوة الشعب الفلسطيني التي واجهت سابقا العدو خارج السجن، وكون أن لدى الحركة الأسيرة تاريخ طويل من المعارك والعصيان والإضرابات والتمرد ضد السجانين المتمثلين بمصلحة السجون، ولديهم هياكل تنظيمية تضمن الحد الأدنى من الاستمرار.
لقد أعلنت لجنة الطوارئ العصيان للتصدي للخطوات الاستفزازية والقوانين الاستعمارية التي يسّنها الكنيست الاستيطاني ضد الأسرى وضد الشعب الفلسطيني بشكل عام، بالقول إنه البداية، وخطوة أولى ومتصاعدة لتشمل السجون كافة، وقد ينتهي بالإضراب المفتوح عن الطعام في الأول من شهر رمضان القادم: "سنخوض هذا الإضراب بمطالب موحدة وبقيادة موحدة"، أي أنه مستمر وقد يمتد الى أول شهر رمضان القادم، ثم تبدأ المعركة الكبرى والشاملة.
اعتقدت مصلحة السجون، ومن ورائها الحكومة الصهيونية والكنيست، أن القمع المتزايد (التفتيش اليومي، سحب الأجهزة الكهربائية، تقليص فترة الفورة في سجني جلبوع ومجدو، وخروج الأسرى بالكلبشات وإغلاق المغاسل ووقف الرياضة الصباحية في سجون نفحة والنقب ورامون، وفي النقل من سجن الى آخر دون مقتنيات الأسرى المنقولين، العزل والشتائم والاستفزاز العنصري كما حصل في سجن نفحة، كل ذلك قد يلجم خطوات التصعيد التي أتخذها الأسرى، لكن ردّت الحركة الأسيرة على تصعيد قمع السجان في بيان، قالت فيه: "نحن نناضل من أجل تحررنا وتحرير وطننا، ومن قرر أن ينقل المعركة من خارج أسوار السجون الى داخلها، فإنها سترتد عليه من خارج السجون، في القدس وفي الضفة وغزة"، لأنها تدرك أن معركة الأسرى ضد العدو هي معركة الكل الفلسطيني وكل أحرار العالم، وليس فقط معركة الأسرى، وتدرك مدى أهمية كرامة الأسرى لدى الشعب الفلسطيني، حيث أن لدى كل بيت أسير أو أكثر، محررين أو ما زالوا في السجن، وأن الأسرى يمثلون الطليعة الواعية التي قدّمت الكثير من التضحيات، ليس فقط لتحسين ظروف الاعتقال، بل من أجل حريتهم وحرية لشعبهم وكرامة شعوب الأمة.
آخر مثال على ذلك، ما قدّمه أسرى"نفق الحرية" الأبطال للشعب الفلسطيني وشعوب الأمة، عندما تمكّنوا، بعبقريتهم وثباتهم وصبرهم، بتوجيه ضربة قاسية للأجهزة الأمنية الصهيونية، ورغم عزلهم القاسي والإجراءات التنكيلية، لم يتخلوا عن عزيمتهم الى اليوم.
العصيان يعني مشاركة الكل الفلسطيني
يتميّز العصيان بكونه شكل من أشكال المقاومة الشعبية يواجه الاحتلال مباشرة، ويتعامل معه كعدو، من خلال رفض التعامل الإداري معه، ومقاطعة شركاته وبضائعه، ولم يقتصر هذا الرفض على الجيش والقوات المسلحة، بل يمتد الى كافة المستوطنين، أكانوا صحافيين أم "مدنيين"، تجّار وأرباب عمل. ويصلح العصيان المدني إجمالا حين تكون المقاومة المسلحة متعثرة بسبب الضغط الأمني المعادي، كما هو الوضع في السجون وخارجها، في القدس والأراضي المحتلة عام 1948، وحين يتحكم الاحتلال بحياة الناس، من خلال إداراته وشركاته. وأهم تجربة للعصيان المدني التي خاضها الشعب الفلسطيني تتمثل بثورة 36-39، حيث كان الشعب، بكل فئاته، متجاوبا مع الإضراب العام، وحيث اتخذت أشكال مختلفة من المقاومة، المسلحة والشعبية والنقابية، جمعت الإضراب والمسيرات الغاضبة الى المقاطعة، والعمليات الفدائية، الهجومية والدفاعية، الى جانب عمليات التخريب (سكك الحديد) وقطع الطرق.
قد تختلف الظروف في السجون وخارج السجون الصهيونية، وقد يتخذ العصيان أشكالا مختلفة وفقا للمكان والتجربة، لكن إعادة تجربة العصيان المدني في القدس، قبل أيام، وتمديده الى بضعة أيام وأسابيع، وانتقاله تدريجيا الى الأراضي المحتلة عام 1948، بسبب الأخطار الكبيرة التي يواجهها فلسطينيو 48، قد تغيّر جذريا الوضع الميداني، كما ان انتقال العصيان من السجون الى الساحات الفلسطينية يمثّل الدعم العملي لمعركة الأسرى، كونها معركة من أجل الحرية، حريتهم وحرية الشعب الفلسطيني بكل فئاته وتقسيماته، والعصيان يعني مشاركة الجميع في هذه المعركة.
