بقلم: ندى أحمد*
يستطيع متابعو أعمال منصة بث المحتوى الترفيهي العالمية "نتفليكس"، أن يلاحظوا مدى اهتمامها المتزايد بإنتاج المحتوى "الإسرائيلي"، ودوافع ذلك قد تكون مرتبطة بما هو أعمق من محض الإنتاج التجاري، فهناك من يرى أن المنصة تعمل على ترويج "إسرائيل" عالميا، كجزء داعم لعمليات الـ"هسبرا". كلمة عبرية تعني الشرح أو التوضيح، ويُقصد بها المجهود الذي تقوم به “إسرائيل” وأنصارها لتوضيح وجهة نظر الحكومة "الإسرائيلية"، ولشرح سياساتها وتبرير أفعالها والدعاية لـ “إسرائيل” على وجه العموم.
وتُدار "الهسبراه" "الاسرائيلية" الرسمية من قبل وزارة الخارجية "الاسرائيلية؟ ووزارة الاعلام ووزارة السياحة ومكتب رئيس الحكومة، مما تسبّب بحالة من الفوضى وعدم التنسيق وقلة النجاعة في العمل، والذي لاقى نقد الكثيرين.
ومن الجدير بالذكر، أنّ الناطق الرسمي باسم الجيش، يعمل ايضاً الى جانب الهيئات الرسمية في شرح وتوضيح العمليات العسكريّة التي يُنفذها (جيش الاحتلال)، وعرض صورة ايجابية للجيش "الإسرائيلي"، وتصويره للعالم على أنّه الجيش المتقدم والمتنور والأخلاقي.
في هذا السياق أعدت الكاتبة الأميركية المناهضة للاستعمار، بيلي فرناندز، مقالا مطولا في موقع "ميدل إيست آي"، فصّلت فيها كيفية ترويج "نتفليكس" لانتهاكات الاحتلال "الإسرائيلي" للفلسطينيين، وعرضها شخصيات استخباراتية كأبطال، والضحايا كمجرمين، في ظل تعتيم على جرائم الاحتلال.
ومن بين هذا الانتاج شاهد متابعو نتفلكس، مسلسل "فوضى" "الإسرائيلي" السياسي، وهو سلسلة درامية من أربع مواسم باللغتين العبرية والعربية، وبطولة "إسرائيلية"-عربية. يعرض على المنصة الأكثر إنتشاراً وتأثيراً في العالم "نتفليكس" منذ العام 2015 حتى يومنا مع الترجمة، كما عرض في مهرجانات دولية عدة.
هو مسلسل أقرب للخيال والمثالية وفيه من المبالغة والأكاذيب، ما يثير السخرية. فما يقدمه من أحداث لا تمتّ للواقع المعاش فوق الأرض الفلسطينية المحتلة بصلة. وهو عبارة عن محاولات متتالية على مدار حلقاته لتمجيد إرهاب ووحشية "الإسرائيلي".
تتمحور أحداثه حول وحدة سرية "إسرائيلية" من "المستعربين" الكومندوس التي يبدو عناصرها كأبطال الحكايات الخارقين في الأفلام العالمية (الأمريكية تحديدا) أو الأبطال الشعبيين في حكاياتنا العربية. بحيث يظهر المستعرب "الرامبو" بصفات "إنسانية" "نبيلة" متناقضة جذريا مع الحقيقة التي تكشفها مجازر جنود الاحتلال وعصابات المستوطنين المنتشرة اليوم على امتداد الأرض الفلسطينية.
في الموسم الأول، تُظهر الرواية "الإسرائيليين" الغزاة، بصورة الضحية وتبرر المجازر والإجرام والعنف داخل غزة بأنه رد فعل دفاعاً عن النفس بعد أن قام شاب فلسطيني غاضب "الفهد" بقتل أكثر من 100 "إسرائيلي". أما المحقق الإسرائيلي "أيوب" ذو الشخصية المبهرة، فعلى الرغم من ممارساته الإجرامية المعروفة والمكشوفة أثناء عمليات التحقيق، يسعى المخرج لإظهاره على عكس ما هو عليه على أرض الواقع.
تم اختيار الموسم الثاني من قبل صحيفة نيويورك تايمز كواحد من أفضل المسلسلات الدولية للعام 2017 وتتركز أحداثه على تنظيم (داعش) ومحاولتهم تنفيذ عملية داخل الأراضي المحتلة.
أما الموسم الثالث، وصفه النشطاء بالجاهل والعبثي والتحريضي ضد الفلسطينيين. تدور أحداث هذا الجزء بين مدينتي الخليل وغزة ويقوم المستعرب هنا بالتخفي كمدرب ملاكمة في نادٍ رياضي.
وفي الموسم الرابع، يجهد المخرج نفسه لإظهر المقاوم الفلسطينيباعتباره شخصا متهورا مترددا لامنتميا. وتدور أحداثه بين لبنان وجنين وكيان العدو وبلجيكا. يتشابك السيناريو ليجمع الفصائل الفلسطينية مع اللبنانية ويضيف لهم قوى الأمن من الجانبين اللبناني والسوري، في مشاهد هي قمة الإستخفاف بالدولة اللبنانية من خلال إستضعاف قواتها وفوضى حدودها لا سيما مع توارد اللاجئين السوريين، إذ يدخل "الإسرائيليون" الى الأراضي اللبنانية متخفين بين اللاجئين وبدون أوراق ثبوتية، لينضم إليهم فريق المستعربين لاحقاً من خلال قارب نفاث عبروا به من فلسطين المحتلة الى شمال لبنان، ومنه الى نقطة المصنع من خلال سيارات قوى الأمن اللبنانية لتنفيذ عملية تحرير المحقق أيوب (الذي تم أسره في بودابست) من أيدي عناصر حزب الله، وبمساعدة أحد أعضائه الفلسطيني العميل المزدوج، قبيل تسليم أيوب الى قوات سورية لنقله الى إيران.
لم يقع المسلسل في فخ تمجيد "إسرائيل" وشعبها، وتبييض صفحتها، وحسب، بل تجاهل وطمس مسيرة القضية ومعاناة الشعب الفلسطيني الذي يرضخ تحت احتلال وحصار من صنعها. وقد وصفه النشطاء بالحملة الدعائية "لإسرائيل"، ودعوا الى مقاطعة نتفليكس لترويجها لأعمال "إسرائيلية" ضد العرب من خلال الأعمال الدرامية العديدة التي تعرض على منصتها.
حقق المسلسل نسب عالية من المشاهدة في العالم العربي، وحصل على 17 جائزة أكاديمية "إسرائيلية". وواجه بالمقابل حملة انتقادات واسعة لتفضيله الإنسان الإسرائيلي على الفلسطيني. وبحسب صحيفة "معاريف" العبرية فإن مسلسل "قبضة الأحرار" جاء كرد على مسلسل "فوضى" ضمن ما سُمي بالحرب الفنية بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، فالجانبين يدركان مدى تأثير الفن كسلاحٍ موازٍ.
وفي الختام، فإن المشهد الأخير للسلسلة ككل والذي يتمثل في مقتل قوة المستعربين على أيدي المقاومين في مخيم جنين تكاد تكون الحقيقة الوحيدة الأكيدة والحتمية وهي مصيرهم في الواقع قبل الدراما، وهم على يقين من ذلك.
*الولايات المتحدة الأميركية
