بقلم: راغدة عسيران
في الكيان الصهيوني، كما في كل المستعمرات الاستيطانية، تلحق قوانينه والأحكام الصادرة عن محاكمه، بالأيديولوجية المسيطرة، أي الصهيونية العنصرية والإلغائية. فإنها تميّز بين مجتمع المستوطنين وبين الشعب الفلسطيني الذي تمتد جذوره عميقا في التاريخ. عندما يشعر المستوطن أن الشعب الذي يسعى للحلّ مكانه، ساكن ولا يشكل أي تهديد لأمنه، يفتح يديه ويقرّ له ببعض الحريات والتعبيرات عن هويته، طالما لم تشكل هذه الحريات والتعبيرات تهديدا وجوديا لسيطرته على البلاد. ولكن عندما ينتفض الشعب المقهور ويطالب بحريته وبأرضه ووطنه المسلوب، يستشرس المستوطن ويمارس العنف، قبل شرعنته في قوانينه، يقتل ويعتقل ويهدم ويشّن الغارات والحروب، ثم يشرعن ممارساته الهمجية والإرهابية لإضفاء صفة القانونية عليها، كونه بحاجة الى هذه القوانين لتصبح راسخة من جهة، وللتماثل مع الأنظمة الغربية التي أفرزته، من جهة أخرى.
قوننة الإعدامات.. وغريزة الانتقام
من الأمثلة الحالية، ما ورد عن السماح بالترويج والعمل على سنّ قانون في الكنيست الصهيوني يسمح بإعدام الأسير أو المقاوم الفلسطيني. لكن، فعليا، الصهاينة (قواتهم المسلحة وغير المسلحة) أعدمت خلال السنوات الماضية المئات من المقاومين وغير المقاومين (شباب ونساء وأطفال وشيوخ) بقتلهم بدمّ بارد، كما يقال، كما أعدمت أسرى (خمس أسرى خلال 2022) وما زالت تواصل "قتلهم البطيء" من خلال رفضها لعلاجهم في حال أصابهم مرض، وغالبا، يصاب الأسير بمرض بسبب الظروف السيئة في سجون العدو. القانون الذي قد يسنّه الكنيست الصهيوني هو لشرعنة الإعدام الممارس أصلا بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
والمثال الآخر هو الأحكام الصادرة عن المحاكم الصهيونية المختلفة بحق معتقلي هبّة الكرامة في أيار/مايو 2021، خلال معركة "سيف القدس"، والنابعة عن غريزة الانتقام لدى اليهود الصهاينة الذي استوطنوا فلسطين. لا يمكن فهم هذه الأحكام إلا بصفتها أحكام انتقامية من الفلسطينيين الذين عبّروا عن انتمائهم الى شعبهم ومقاومته، ثم كمحاولة لردعهم ومنعهم من التعبير عن هويتهم.
"هبَّة الكرامة".. وكسر الهيمنة النفسية
استطاع فلسطينيو 48، وخاصة في المدن الساحلية، عكا واللد على وجه الخصوص، من كسر الهيمنة النفسية والسياسية الصهيونية عليهم خلال هبّة الكرامة، وهذا ما لا يتحمّله كيان استيطاني عنصري. لقد فضحت هذه الهبّة التواطؤ بين الشرطة "الإسرائيلية" والجمهور الإستيطاني، الذي جاء من الضفة الغربية وقبل سنوات، من قطاع غزة، أو الذي استوطن قديما في قلب الكيان، كما فضحت الأحكام الانتقامية التواطؤ بين الأجهزة الأمنية (شاباك وشرطة) والجهاز القضائي والجهاز السياسي في الكيان، وتمَّ التأكيد على أن القوانين والأحكام تصاغ وفقا لما يراه المستوطنون ضرورة لمواجهة تحدي الشعب الفلسطيني له، إذ يعتبرون أن الشعب الفلسطيني يشكّل، بسبب وجوده في بلاده ووطنه، تهديدا لهم ولأمنهم.
صدرت هذه الأحكام الانتقامية بحق معتقلي هبّة الكرامة بعد حوالي 18 شهرا من الملاحقة والاعتقال والتعذيب وتلفيق التهم وإشاعة أجواء إرهابية وقمعية ضد فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 بشكل عام. فقد قامت شرطة العدو بحملة "فرض النظام وتطبيق القانون" مباشرة بعد الهبّة، أرادت منها "إستعادة قوة الردع" باعتقال المئات من أبناء فلسطين، لمعاقبتهم على موقفهم السياسي، بذريعة أنها تحارب العناصر "المافياوية". وفي مدينة اللد، أصدرت البلدية الصهيونية بعد الهبّة 43 أمر هدم لبيوت عربية للانتقام، وتم هدم جزء منها، كما يوضّح المحامي خالد الزبارقة. استمرت حملة الاعتقالات حتى الأشهر الأخيرة من هذا العام، حيث تم اعتقال 7 شبان من مدينة عكا في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي. ومن بين ال1500 اعتقال الذي تم خلال السنة، قدّرت الأوساط المعنية أن ما يقارب ال545 فلسطينيا من الداخل يواجهون لوائح اتهام. والأحكام القاسية لبعضهم (7، 10 و15 سنة سجن) تؤكد نيّة المؤسسة الصهيونية بتحطيم إرادة الفلسطينيين وطموحاتهم نحو الحرية، وبث الرعب في المجتمع الفلسطيني.
لقد تم اعتقال هؤلاء الشباب قبل انتخابات الكنيست الصهيوني الأخيرة، أي أن حملة الترهيب متواصلة رغم تغيير الحكومات، ثم جاءت حملة "فرض النظام" الذي عنى حملة اعتقالات وتضييقات، ثم اقترح رئيس الشرطة تحويل وحدة من "حرس الحدود" الى "حرس قومي" مهمتها قمع المظاهرات والاحتجاجات الفلسطينية في مدن وقرى فلسطين 48.
دخول "الشاباك" على خط التحقيق
وقبل أيام، تم الاتفاق بين بنيامين نتنياهو، المكلف بتشكيل الحكومة، وإيتمار بن غفير الذي سيتولى وزارة "الأمن القومي" على السماح لجهاز الشاباك بالتدخل في تحقيقات الشرطة مع "عصابات الإجرام" في المجتمع الفلسطيني في ال48.
تكمن خطورة تشكيل وحدة تجمع بين الشاباك والشرطة كونها موجهة أساسا "لقمع الفلسطينيين وإعدامهم"، كما عبّر عنه البروفيسور إبراهيم أبو جابر، مضيفا، أن هذه الوحدة "ستقوم باستغلال صلاحياتها للتنكيل بالفلسطينيين بحجة البحث عن السلاح، وستسعى لإلصاق التهم غير الصحيحة لبعض النشطاء غير المرغوب بهم" قبل أن يذكّر بما قاله المفوّض العام للشرطة الصهيونية قبل أشهر بأن "الشاباك يدعم عناصر الإجرام.. هذا يؤكد أن الهدف من هذه الوحدة هو قمع الفلسطينيين والزج بهم في السجون وربما إثارة الفتن بينهم ليقتل بعضهم بعضا".
لجان شعبية لدعم معتقلي هبة الكرامة
لمواجهة الحملة القمعية والإلغائية التي تشنّها المؤسسة الصهيونية الأمنية والسياسية، وكذلك الإعلامية، يحاول الفلسطينيون، وخاصة أهالي معتقلي هبّة الكرامة، تنظيم أنفسهم في لجان شعبية وإثارة مسألة الأحكام التي صدرت مؤخرا، ومناقشة كيفية الردّ عليها وتحشيد القوى السياسية والاجتماعية. لقد عقدت عدة ندوات واجتماعات من أجل ذلك، ويبدو أن الصهاينة غير مرتاحين لما أنتجته هذه اللقاءات، وخاصة التي تمت مع أهالي معتقلي مدينة طمرة، حيث تم الاتصال بالمناضل والأسير المحرّر منير منصور الذي شارك فيها، وتهديده بالاعتقال إذا واصل "دعم الإرهابيين".
لقد اتسع الاهتمام بقضية معتقلي الهبّة بعد صدور الأحكام الانتقامية، في المجتمع الفلسطيني في الداخل، لكن لم تصل الى المستوى المطلوب، كما تتمناه عائلات المعتقلين، حيث تتراكم التهديدات والصعوبات، مع الإجرام المنظم المدعوم من المؤسسة الصهيونية، الذي يحصد الأرواح يوميا، والتضييقات المتتالية ضد الفلسطينيين (أهمها هدم المنازل).
بما أن هذه الأحكام العالية انتقامية أولا ضد التحركّ الجماهيري والمشاركة في معركة "سيف القدس"، ويراد منها ثانيا أن تكون رادعة لأي تعبير عن الانتماء الوطني، فالردّ عليها لا يمكن إلا أن يكون واسعا، لا يقتصر على بعض المدن والبلدات في الأراضي المحتلة عام 1948، وأن يضمّ كافة القوى السياسية في الداخل. كذلك، لا يمكن إلا أن يتم ربط قضية معتقلي الهبّة بالمعركة الواسعة التي يخوضها الأسرى في سجون العدو، من جهة، ضد "القتل البطيئ" والعزل، ومن جهة أخرى، بالمقاومة التي يخوضها الشعب الفلسطيني، في الضفة الغربية حاليا، ضد جيش العدو ومستوطنيه. يتطلب ذلك توعية شاملة وإرادة ربط الوضع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 بمعركة التحرير التي تخوضها القوى المقاومة في مناطق أخرى من فلسطين، والتفاعل معها والالتفاف حولها.
بعد معركة "سيف القدس"، بما فيها هبّة الكرامة، ومعركة "وحدة الساحات" التي أكّدت أن الشعب الفلسطيني موحّد حول مقاومته وحول القدس ومقدّساته وأسراه، لا طريق لدعم معتقلي الهبّة اليوم إلا بربط قضيتهم بالقضايا الوطنية، وبقضية الأسرى خصوصا، وإن حصلت بعض الصفقات، كما اقترح البعض، عبر المحامين لتخفيف الأحكام، والتي تبقى ضمن الحلول الفردية. لذلك، يجب التأكيد على أن معتقلي الهبّة شاركوا، بطرق مختلفة، في توحيد ساحات فلسطين، والافتخار بما قدّموه، ما استفز الصهاينة الذين أصدروا هذه الأحكام.
