بقلم: راغدة عسيران
يناقش المحللون السياسيون مسألة صعود الفاشية في الكيان الصهيوني بعد نجاح كتلة بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست الأخيرة، وتكليفه بتشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة. فكانت أولى خطواته تعيين من يُعتبر، في الكيان ذاته وخارجه، من أشد الصهاينة المتدينين الفاشيين.
ماذا تعني الفاشية والليبرالية في كيان استيطاني احلالي؟ وهل الفاشية التي تمثلها الأحزاب الدينية أكثر خطرا على الشعب الفلسطيني من الليبرالية التي تؤمن بالاستيطان الإحلالي وتوسيعه الى أبعد نقطة تصلها قوة السلاح؟ وهل يمكن التحالف مع الصهاينة الليبراليين لإسقاط الفاشيين؟ كيف ولماذا ومتى صعدت الفاشية في الكيان الصهيوني؟
لا يمكن إنكار الطابع الفاشي لليمين الصهيوني المتديّن والمتشدّد إزاء وجود الشعب الفلسطيني على أرضه وتمسكه بها، حيث أثبتت السنوات الماضية أن المستوطنين المنتمين الى هذا التيار الصاعد يقتحمون المسجد الأقصى ويحاولون تهويده، ويشكلون ميليشيات إرهابية لشن الهجوم على الفلسطينيين وأملاكهم (مركبات أم أشجار ومزروعات ومنازل) وعلى المقدسات الإسلامية والمسيحية (كتابات عنصرية على المساجد والكنائس والمقابر)، في الداخل المحتل عام 1948 كما في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، ويهددون الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، إن كانوا في السجون أم في منطقة النقب أم في القدس وأم الفحم وجنين.
لقد غلّف الصهاينة الفاشيون فاشيتهم بخطاب ديني يهودي يؤمن بيهودية الأرض وبحقهم بها، دون أي شعب آخر، الذي يجب اقتلاعه بقوة السلاح والإرهاب. فيتعلّم أطفالهم وشبابهم على كراهية كل من هو غير يهودي، وخاصة الفلسطينيين، الذين "ينافسونهم" على هذه الأرض. يسيطرون على مستوطنة "كريات أربع" (جماعة غوش ايمونيم) في مدينة الخليل ويشكلون ميليشيلت في المستوطنات الأخرى لشنّ غارات على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية لترهيب أهلها وحرق أبنائها.
تفيد التقارير والدراسات الخاصة بهذا التيار الفاشي أنه موجود منذ بداية الصهيونية لكنه توسّع بصهينة المتدينين الحريديم "الشرقيين" بعد وصول حزب الليكود الى الحكم، فتم ""تديين" الصهيونية بموازاة صهينة الدين"، كما يقول الباحث د. نبيه بشير، الذي يضيف أن "الحريديين يقتربون تدريجيا للصهيونية وأفكارها والعلمانيون يقتربون للدين"، لصياغة صهيونية دينية مكتملة عنوانها الاستيلاء على أرض فلسطين وطرد شعبها، باستخدام الليبرالية والنيوليبرالية الأميركية وأدواتها (البنوك والمال وجمعيات المجتمع المدني).
عمل هذا التيار على التغلغل في مؤسسات الكيان، أهمها مؤسسة الجيش والانخراط في الإعلام "كخطوة نحو تغيير الوعي والثقافة السياسية في إسرائيل" (د. نبيه بشير) وفي الوزارات الأساسية، كوزارة الزراعة التي تدير الاستيطان، ووزارة التربية للتأثير على المناهج الدراسية وإعادة صياغتها وفقا لتعاليم الصهاينة المتدينين.
في دراستة عن الأدب الصهيوني، وضّح الشهيد غسان كنفاني كيف تم إزاحة الطابع الديني عنه في البداية واستبداله بالطابع القومي والعلماني من أجل كسب الرأي العام الغربي وجذب اليهود غير المتدينين الى الصهيونية. ما يعني أن الأساس في الصهيونية، ليس الطابع الديني أو العلماني، بل الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، الذي أوجد كيان صهيوني عنصري على أرض فلسطين.
الفاشية التي تمثلها اليوم الأحزاب الصهيونية الدينية نابعة من الصهيونية كفكرة وممارسة، وليست أكثر دموية من الصهيونية الليبرالية التي أسست الكيان الصهيوني، بعد ارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني وتدمير مجتمعه وإلغاء وجوده كشعب على أرض فلسطين. لقد شنّت الليبرالية الصهيونية الحروب على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وسنّت القوانين العنصرية والإلغائية في برلمانها الصهيوني، وسرقت الأرض والمياه والبيوت، ووسّعت المستوطنات الزراعية والصناعية على أنقاض الأراضي الفلسطينية، الخاصة والعامة، وقتلت الأسرى في سجونها، قبل مجيئ الفاشية الى الحكم في ظل حكومة نتنياهو.
تعلو الصرخات اليوم ضد الفاشية التي تمثلها الأحزاب الدينية من قبل الصهاينة الليبراليين، من أمثال يائير لبيد والمتعاطفين معهم في الغرب والشرق، لكن ما يزعجهم ليس ما يرتكبونه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، بل ما يحملون من أفكار معادية للقيم الليبرالية الجديدة، والتي تخص النساء والشواذ خاصة، التي يريد الغرب الاستعماري الامبريالي فرضها على شعوب العالم.
قبل نصف قرن من الزمن، تحالفت القوى الليبرالية والشيوعية لمواجهة الفاشية الهتلرية، وهي من صنع الغرب أساسا، وطالبت أو فرضت على العالم أجمع أن يتحالف معها ضد العدو "المشترك". لبّ الحزب الشيوعي الفلسطيني نداء الحلفاء ضد الفاشية، فاعترف بالكيان الصهيوني الليبرالي الحامل لقيم الاشتراكية، ووقف الى جانبه في حربه ضد "الرجعية العربية"، ونادى الى تحالف وأخوة بين اليد العاملة "اليهودية والعربية"، دون اعتبار أن مسألة الاستيطان الإحلالي هو الأساس في المشروع الصهيوني، وليس التقدمية أوالرجعية.
لكن صعود الفاشية الصهيونية المتمثلة بالتيار الديني ليست إلا إحدى مظاهر تفسّخ المجتمع الاستيطاني الصهيوني، بسبب مقاومة الشعب الفلسطيني ورفض الشعوب العربية الاعتراف بكيانه العنصري، كما عبّر وما زال يعبّر صعود الفاشية في الدول الغربية عن أزمات سياسية واجتماعية عميقة. يعيش كيان العدو ومجتمع المستوطنين أزمة وجودية، لا سيما بعد صعود المقاومة المسلحة وتمركزها في قطاع غزة، وفي الإقليم. يسعى الى فصل غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية لكنه يفشل ويضطر الى المناورة والتهديد، وبعد كل عمل إجرامي يقوم به جيشه، كاغتيال المقاومين في جنين قبل يومين، يرفع سقف التهديدات وينشر بطارياته الدفاعية. وفي الوقت ذاته، فشل جيشه من اجتثاث المقاومة في الضفة الغربية، وهي التي تتمدّد من الشمال الى الجنوب، وفشل المستوطنون من الاستيلاء على القدس والمسجد الأقصى وتهويدهما، رغم سيطرتهم على كل مفاصل الحياة من خلال مخابراتهم وكاميراتهم، ورغم صمت العالم الجبان، وخاصة الدول العربية والإسلامية، التي تهرول للتطبيع مع المحتل الغازي.
رغم توسّع المستوطنات الصهيونية، ورغم هدم المنازل، والقتل اليومي، رغم وجود سلطة حكم ذاتي تعتقل وتلاحق المقاومين وتنتظر قرارات المجتمع الدولي الجبان والمتآمر، رغم التطبيع الرسمي من قبل بعض الأنظمة العربية، لا يمكن أن يشعر المستوطن الصهيوني بالأمان طالما يسرق الأرض ويقتل، فالمستوطن ما زال الغريب في البلاد، بسبب وجود الشعب الفلسطيني المتجذر في أرضه، والتفاف الأحرار في العالم حوله.
لهذه الأسباب، صعدت الفاشية الصهيونية وأخذت تنخر المجتمع الصهيوني بكل فئاته ومؤسساته، ما يؤشر الى أزمته الوجودية وانحلاله. قد يعتبر البعض، كما اعتقد يومها الحزب الشيوعي الفلسطيني، انه يجب التحالف مع الفئات الليبرالية الصهيونية لحماية بعض "الحقوق"، لكن أي حقوق وحقوق من في المستعمرة الصهيونية التي إقيمت على أنقاض فلسطين؟ ليس المطلوب إسقاط الفاشية بل أسقاط وإزالة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية، بشكلها الديني أو العلماني.
