وكالة القدس للأنباء - متابعة
منذ اليوم الأول الذي ظهرت فيه مجموعة “عرين الأسود” كسد مقاوم منيع وجديد بدأ يلمع صيته وتشتد قوته مع عملياته النوعية والكيفية على مدار الأسابيع الأخيرة في الضفة والقدس، وتحاول "إسرائيل" بكل جد عبر أجهزتها الأمنية المختلفة وماكينتها الإعلامية الكبيرة، اللعب على وتر النار.
ومع تعاظم هذه المجموعة البسيطة التي تسببت بإرهاق جيش بحجم "إسرائيل"، والالتفاف والدعم الشعبي لها، لجأت سلطات الاحتلال إلى مخططاتها السابقة في ضرب الوحدة الفلسطينية الداخلية، بعد الحديث المتكرر والمتعمد عن دور خفي للأجهزة الأمنية الفلسطينية في مساندة "إسرائيل" بملاحقة واعتقال وحتى قتل أفراد مجموعة "عرين الأسود".
لم تتصور "إسرائيل" أن استمرار انتهاكاتها في الضفة الغربية والقدس قد يتسبب في خروج مجموعات منظمة ومسلحة تُعلن مقاومتها، مما يُعَدّ أزمة للأوساط السياسية المقبلة على انتخابات تُعاد للمرة الخامسة خلال عامين.
ماذا في الوثيقة المسربة؟
وقبل أيام ضجت وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالحديث عن وثيقة مسربة لاجتماع ما تسمى “لجنة مدراء العمليات” التابعة لسلطة رام الله، والتي تكشف تخطيطهم لـ”ضرب مراكز ثقل مجموعة عرين الأسود”، واعتقال مؤسسيها، الذين كان من بينهم الشهيد وديع الحوح.
وبحسب الوثيقة المسربة والمتداولة على المنصات الاجتماعية، فإن الاجتماع جرى بتاريخ 13 أكتوبر/ تشرين أول الجاري، في مقر المخابرات العامة بنابلس، بالضفة الغربية المحتلة
وجاء في الوثيقة: تمت مناقشة آخر الأحداث والتطورات الميدانية في مدينة نابلس ومحاولة ما يسمى عرين الأسود وامتداداتها على خلق مزيد من حالة الفوضى والفلتان وعدم الاستقرار في المحافظة، وعليه أجمع مدراء العمليات على اتخاذ إجراءات جدية في ضرب مراكز الثقل للعرين وهم التالية أسماؤهم، (وديع الحوح، عدي العزيزي، تامر زيد، عماد جعارة، خالد طبيلة، عبادة العامودي)، وفق ما نشرته مواقع فلسطينية.
الجدير بالذكر أن أجهزة أمن السلطة تعتقل منذ شهر أيلول/سبتمبر الماضي، المطارد للاحتلال مصعب اشتية وهو أحد مؤسسي مجموعة “عرين الأسود” في نابلس، وذلك على الرغم من صدور قرار قضائي بالإفراج عنه، ومعاناته من عدة مشاكل صحية.
سلطة رام الله تعتقل العشرات
وقالت مجموعة حقوقية إن أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية تعتقل في سجونها ثمانية من عناصرها كانوا على اتصال بعناصر من مجموعة “عرين الأسود”، وتزج بهم فيما يُعرف بسجن أريحا.
وأوضح المحامي ظافر صعايدة عضو مجموعة “محامون من أجل العدالة”، أن أجهزة السلطة زاد تغوّلها على أبناء الشعب الفلسطيني واعتقلت العشرات منهم لانتقادهم سلوكها، ولم يستبعد صعايدة أن تكون حملة الاعتقالات التي تنفذها السلطة استجابةً لضغوطات الاحتلال لإنهاء المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أنها ترفض تنفيذ قرارات الإفراج عن المعتقلين لديها وتبقيهم على ذمة المحافظ.
وقال: إن “التهم التي توجه للمعتقلين جنائية، لكن في حقيقة الأمر خلفياتها سياسية، كانتقادهم السلطة ورفضهم “التنسيق الأمني” أو الانتماء لفصيل مقاوم".
و”عرين الأسود” مجموعات مقاومة فلسطينية، نشطت في مدينة نابلس ومحيطها، ردا على جرائم الاحتلال ومستوطنيه بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، التي تتعرض لاعتداءات شبه يومية.
وبرزت “عرين الأسود” في الأشهر القليلة الماضية، ومع ذلك فقد تحولت سريعاً إلى ظاهرة تستحوذ على اهتمام غالبية الشبان الفلسطينيين في وقت تلاحق فيه "إسرائيل" عناصرها وقادتها.
وقبل أسبوع من الانتخابات العامة تصدرت “عرين الأسود” عناوين وسائل الإعلام العبرية ويتسابق قادة حكومتها الطامحين للبقاء في الحكم إلى الإعلان عن تصفية قادة من المجموعة الفلسطينية.
ومن ضمن الحرب النفسية التي تشنها "إسرائيل" على المجموعة، ما نشره الإعلام العبري حول استسلام قادة من “عرين الأسود” أنفسهم لأجهزة الأمن الفلسطينية لحمايتهم، فذكرت القناة 12 العبرية، مساء الأربعاء 26/10، بأن 4 مطلوبين من قادة مجموعة “عرين الأسود” سلموا أنفسهم للأجهزة الأمنية الفلسطينية، بمن فيهم محمود البنا ومجاهد عكوبة.
وأضافت القناة “يجري الآن التحضير لنقلهم إلى الحبس الوقائي في سجن أريحا".
سلطة عباس تطلب فرصة من أمريكا
وفي وقت سابق ذكرت القناة 12 العبرية أن الأمن الفلسطيني أبلغ مسؤولين أمريكيين باعتقاله 11 شخصًا، بينهم عناصر في الأجهزة الأمنية، بشبهة الانتماء لمجموعات “عرين الأسود” في نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة.
وأضافت القناة، أن الولايات المتحدة تسعى للتوصل إلى تهدئة للأوضاع الأمنية في مناطق شمال الضفة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، موضحةً أن الـ24 ساعة الماضية شهدت تحركات أمريكية، عبر الحديث مع الأمن "الإسرائيلي" والفلسطيني، بهدف البحث عن تهدئة للأوضاع شمال الضفة.
وأشارت إلى أن السلطة طلبت من المسؤولين الأمريكيين وقف اقتحامات جيش الاحتلال لمدن الضفة، ومنحها مهلة لتسوية الأوضاع مع “المطلوبين".
ووفقًا لمصادر أمنية فلسطينية، بحسب مزاعم القناة 12 العبرية، فإن توقف الاحتلال عن اقتحام الضفة سيولّد “فرص نجاح لجهود السلطة في إبرام تهدئة وتفاهمات مع المطلوبين، بما يشمل تسليم السلاح والاعتقال الاحترازي لعدة أشهر إلى حين تسوية أوضاعهم مع الشاباك".
كما دعت السلطة حكومة الاحتلال للتوقف عن وصفها بـ”الضعيفة”، وأنها في خطر، وعرض أفق سياسي بدلًا عن الحلول الهجومية.
"الأسود" ينفون مزاعم الاحتلال
وعلى ضوء هذا التطور المفاجئ، سارعت مجموعة “عرين الأسود” لإصدار بيان صحفي لتوضيح ما يبثه الإعلام العبري، فنفت الشائعات المتداولة التي تحدثت عن طلبها من جهة أمنية أو رسمية أن تتسلم بعض مقاتليها.
وقالت المجموعات في بيانٍ مقتضب الليلة، “إنَّ مجموعة عرين الأسود لم تطلب من أيّ جهة رسمية أو أمنية مع كل التقدير أنّ تتسلم أياً من مقاتليها”.، وأضافت “أن من يقوم بتسليم نفسه من المقاتلين هذا قراره
وخياره لا نناقشه به”، مُطالبةً المواطنين بوقف تداول الشائعات وعدم الإساءة لأيّ مُقاتل سلَّم نفسه.
وتابعت: “نعود ونكرر أنَّ العرين بألف خير وفضل من الله ونقول إن كان أبو صالح وعبود وإبراهيم والوديع والمبسلط وأدهم والدخيل قد مضوا، فإنَّ المنتظرين الصادقين كُثر".
وختمت بيانها قائلة: “نقول لكم مرةً أخرى لا نريد أنّ نرى على وجوهكم أيّ لحظة حزن فنحن نستمد قوتنا منكم، وهذه أيام مباركة يُميز الله بها الخبيثَ من الطيب".
وعن دور السلطة الفلسطينية “الخفي” في ملاحقة عناصر “عرين الأسود”، يقول عضو المجلس الثوري لحركة فتح، فخري البرغوثي، إن السلطة فشلت في السيطرة على مجموعات المقاومة، في مدينتي نابلس وجنين.
وتابع “السلطة غير معنية بظهور أي قوة للمقاومة في الضفة الغربية، لذلك تسعى للتفاوض مع مقاومي “عرين الأسود” و كتيبة جنين”، مضيفًا مجموعة لن تقبل بالتفاوض مع السلطة، لافتًا إلى أنها انطلقت على أرضية قوية ووطنية تشمل كل القوى السياسية الموجودة في نابلس، كاشفًا أن مقاومي مجموعة “عرين الأسود” رفضوا تلقي الأموال مقابل تسليم أسلحتهم، والتوقف عن مقاومة الاحتلال.
عرين الأسود فكرة يصعب وقف امتدادها
وقبل ساعات قليلة أعلنت وسائل اعلام عبرية، أن السلطة الفلسطينية طلبت من الاحتلال، منحها فرصة للتفاوض مع مقاومي مجموعة “عرين الأسود”، من أجل تسليم سلاحهم، عبر التوقف عن عمليات الاقتحام لمدن الضفة الغربية.
ويقول المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، إن “عرين الأسود” نجحت في تسويق نفسها كظاهرة جديدة ومحبوبة، وعلى الرغم من قلة عدد أعضائها نسبياً، فإن أيّ ادعاء بشأن تفكيكها في الوقت القريب لن يكون صادقاً.
وأضاف: “لأنه لا توجد هنا هيكلية تنظيمية أو هرمية واضحة، وبالتالي من الصعب حصرها في ناشط معين يُقتل أو يُعتقل”، متابعًا “هي بالأساس فكرة، أكثر مما هي بنية تنظيم، ومن الصعب وقف امتدادها".
وأكمل: “إن حقيقة تأييدها الجارف في الشارع الفلسطيني، تؤكد أن ما نراه هو ظاهرة جدية، شعبية وهي متصاعدة، ولن تُقمع بسهولة في الوقت القريب".
