بقلم: راغدة عسيران
أصدرت المحكمة الصهيونية العليا، قبل أيام، قرارا بإلغاء شطب "التجمع الوطني الديمقراطي" ورفض قرار لجنة الانتخابات المركزية الصهيونية بمنعه من خوض انتخابات "الكنيست" (برلمان كيان العدو) المقررة في1 تشرين الثاني المقبل. وقالت رئيسة المحكمة إن "طلب الشطب الذي قدم ضد "التجمع" هو سطحي ولا يحمل أي أدلة جوهرية" في حين اعتبر مركز "عدالة" أن هدف "طلب الشطب" كان وما زال التحريض ضد الأحزاب العربية وقياداتها السياسية وممثليها في الكنيست، ودفعهم خارج حدود الشرعية السياسية".
مرة أخرى، ستشارك أكثرية الأحزاب العربية الفلسطينية، في الداخل المحتل عام 1948، في انتخابات الكنيست الصهيوني، ضمن "حدود الشرعية السياسية" التي أقرها المجتمع الاستيطاني، منذ إقامة كيانه على أرض فلسطين.
لكن، في هذه المرة، انقلب المشهد الانتخابي عما سبقه بشكل جذري، حيث تفكّكت القائمة المشتركة التي تألفت في العام 2015، الى ثلاثة أجزاء، من ناحية، وحلّت الخلافات بينها حول العديد من القضايا، سياسية أو غير سياسية، من ناحية أخرى، في ظل تصاعد اليمين الفاشي الصهيوني في المجتمع الاستيطاني، الذي بات يهدّد المجتمع الفلسطيني بأكمله ووجوده في وطنه.
تفاقمت أزمة الأحزاب العربية المشاركة في الكنيست الصهيوني بعد تراجع الفترة الليبرالية التي كان يدور الحديث فيها عن "المواطنة" و"حقوق المواطنين" الخاصة بالمجتمع الفلسطيني، والتي شهدت صعود أوهام الديمقراطية الليبرالية الصهيونية. لقد تم التصويت على قانون القومية الصهيوني في العام 2018، الذي يلغي فعليا "مواطنة" الفلسطينيين في الكيان الاستيطاني، وشّنت قبل ذلك المؤسسة الأمنية حملة تحريض وقمع ضد الطروحات والقوى الوطنية، فتم حظر الحركة الإسلامية (الشمالية) التي يرأسها الشيخ رائد صلاح، ولم تستطع الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية التصدي لهذه الهجمة، ما أثّر بشكل سلبي على مصداقيتها.
في الوقت ذاته، تصاعدت الهجمة على المقدسات ومدينة القدس، وقمع المدافعين عنها من فلسطينيي 48، وانتشرت قبل سنتين حرب من نوع آخرى ضد المجتمع الفلسطيني، وهي موجة القتل الذي تنفذه مافيات مدعومة ومسلحة من قبل الأجهزة الأمنية الصهيونية، لانهاك وضرب المجتمع الفلسطيني من الداخل وإبعاده عن المعارك الوطنية. إضافة الى كل ذلك، تواصل مؤسسات العدو التضييق على فلسطينيي الداخل من خلال هدم البيوت والقرى غير المعترف بها، والاعتقال، وإفقار المجتمع ومحاربة المحتوى الوطني، إعلاميا وثقافيا وتعليميا.
أمام هذا الواقع الخطير، لم تتمكن الأحزاب والقوى والمؤسسات العربية الوقوف صفا واحدا لطرح برامج وطنية تحافظ على المجتمع الفلسطيني وتدعم تماسكه وتطلعاته الوطنية. في حين استطاعت أغلبية الأحزاب في العام 2015 تشكيل القائمة المشتركة لخوض انتخابات الكنيست الصهيوني. وقد تخلّت تدريجيا عن دور لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، التي كان من المفترض أن تصبح الممثلة لتطلعات الجماهير في الداخل والمدافعة عن مصالحها، بعد تعديل طريقة عملها واتخاذ قراراتها.
لقد تشكلت القائمة المشتركة من أغلبية الأحزاب العربية في العام 2015، بعد رفع نسبة الحسم للترشح، رغم اختلاف توجهاتها السياسية والاجتماعية. لكن ارتفع عدد الناخبين وبالتالي، عدد النواب العرب الى 15 نائبا. وأدى الانقسام في العام 2019 الى تراجع عدد النواب الى 10، ليرتفع الى 13 نائبا بعد إعادة تشكيل القائمة المشتركة في دورة الكنيست ال22 في العام ذاته (2019)، حيث أصبحت القوة الثالثة بعد الليكود ولائحة "أبيض أزرق" الصهيونيتين. ثم بعد انشقاق الحركة الإسلامية الجنوبية (بزعامة منصور عباس) في العام 2021 وخوضها الانتخابات تحت اسم "القائمة العربية الموحدة"، تراجع حجم مشاركة جماهير الداخل في التصويت، من 65 الى 45%، وحصلت الأحزاب على 10 مقاعد، 4 للموحدة و6 تقاسمتها أحزاب القائمة المشتركة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير). تشير هذه الأرقام ونسب التصويت الى أن الجماهير العربية في الداخل تدعم التوجه الوحدوي، وأنها تأمل بتغيير وضعها كـ"أقلية" قومية داخل كيان إستيطاني يهودي، والحصول على بعض الحقوق المدنية والوطنية.
ما هي أسباب تفكك المشتركة ؟
لم تكن الأحزاب المشاركة في "المشتركة" متفقة على برنامج سياسي واضح، إلا في خطوطه العريضة. لكن تفاقمت الخلافات بينها حول عدة مسائل، أهمها مسألة التوصية، أي توصية المشتركة على رئاسة الحكومة الصهيونية. حيث تعني التوصية الدخول في لعبة الأحزاب الصهيونية والتحالف مع بعضها ضد البعض الآخر، إذ لم تعد مسألة المشاركة في الانتخابات مجرد تجميع القوى العربية وإعلاء صوتها والمطالبة بحقوقها، بل الدخول في تحالفات مع أحزاب يمينية فاشية أو يسارية ليبرالية، مع أن جميعها صهيونية متطرفة تنادي بالاستيطان والتهويد والقتل.
رغم أن الأحزاب العربية تأسست (باستثناء الحزب الشيوعي "الإسرائيلي") بابتعادها عن المجتمع الصهيوني وأحزابه لتطرح قضايا خاصة بالمجتمع الفلسطيني، فجاءت مسألة التوصية لتشّدها الى الساحة الصهيونية وأحزابها، وكأنها المحور الذي يجب الدوران حوله للحصول على بعض الحقوق.
إضافة الى مسألة التوصية التي أجّجت الصراعات داخل المشتركة، كان التنافس على المقاعد بين الأحزاب سببا آخر للخلاف، ما دلّ على أن الوجود في الكنيست بجانب النواب الصهاينة والحصول على بعض "الامتيازات" المادية والمعنوية للشخص و/أو للحزب كان أهم من المسائل التي ادعت خوض المعارك الانتخابية من أجلها.
أما الخلاف السياسي بينها، فتمحور أساسا حول الطرح الوطني و/أو الطرح المدني. لقد ذهب منصور عباس، زعيم "الموحدة"، الى أبعد حدّ في طرح المسألة المدنية (المواطنة) على حساب المسألة الوطنية، حيث اتهم الأسرى بالإرهاب، وتخلّى عن المقدسات والقدس، وتبع الأحزاب الأكثر تشدّدا في مسألة الاستيطان، من أجل تحصيل بعض الحقوق، ولم يحصّلها، بل التفّ حولها، كمسألة الاستيطان اليهودي في النقب وتهجير أهله وتدمير قراه، حيث لم يرفض الصيغ الملتوية الحكومية الخاصة بتهويد النقب وهدم المنازل.
لم يختلف أيمن عودة، زعيم "الجبهة"، كثيرا عن منصور عباس، إلا من ناحية تفضيله "اليسار" الصهيوني على "اليمين"، والضغط على المشتركة من أجل التوصية لصالح المجرم بني غانتس ضد بنيامين نتنياهو، والعمل الى جانب "اليسار" الصهيوني من أجل الحقوق المدنية، والتصدي لليمين الفاشي الصهيوني للدفاع عن الأسرى المضربين عن الطعام.
بعد تفكّك "المشتركة" حيث سيخوض "التجمع" المعركة الانتخابية وحيدا، صعدت الأصوات التي تعيد قراءة الفترة الماضية. من ناحية، برّر بعض كتابها المشاركة في الانتخابات لتجنب القمع والإلغاء، كما حصل مع الحركة الإسلامية (الشيخ رائد صلاح)، ومن جهة أخرى، كتبت النائبة السابقة حنين زعبي "أننا فشلنا في التجمع لأننا غلّبنا الوحدة على كل موضوع آخر، وهذا كان خطأ، ما يخلق الوحدة هو مشروع وطني جامع وليس تحالف انتخابات"، وأن"هنالك الكثير من شباب التجمع الذين ابتعدوا عنه" بسبب هذه السياسة، دون إعادة النظر في المشاركة في الكنيست. لكن كتب عوض عبد الفتاح، الأمين العام للتجمع سابقا، أنه "كان على التجمع أن يكون مبادرا إلى طرح المقاطعة بعد قانون القومية، بوضوح وصراحة، ربما كان سيجد تفهما واسعا داخل مجتمعنا، ولكن تلك فرصة جرى تبديدها. واليوم، حتى لو وجد التجمع والكثير من مؤيديه تفهّما وتأييدا واسعا لخوضه الانتخابات هذه المرة، بسبب خصوصية اللحظة التي فُرضت عليه، فإن خيار المقاطعة يجب أن يظل مطروحا للنقاش في المرحلة اللاحقة". ما يعني أن "التجمع" ما زال متمسكا نوعا ما بوجوده في الكنيست الصهيوني، رغم اعترافه بأهمية العمل خارجه، وأن مقاطعة الانتخابات ليست، كما صورّها العديد من مثقفيه، ناتجة عن عدم الاهتمام بالسياسة، بل هي موقف سياسي بالأساس وموقف رافض للكيان الصهيوني.
وتشير استطلاعات الرأي الى ارتفاع نسبة المقاطعين للانتخابات في الجمهور العربي الفلسطيني، لا سيما بعد تفكّك "المشتركة". واعتبرت بعضها أنه قد تصل نسبة المقاطعين الى أكثر من 60 بالمئة من الناخبين العرب. تدعو الى هذه المقاطعة جهات عدة، مثل حركة أبناء البلد، والحركة الإسلامية (الشمالية) وحركات شبابية في العديد من المدن والبلدات، على أساس مبدئي، حيث تعتبر هذه الجهات أن المشاركة في الكنيست الصهيوني يشرعن وجود الكيان ومؤسساته، ويعطي انطباعا بأن الكيان الصهيوني دولة ديمقراطية وأن فلسطينيي 48 "مواطنين" فيها.
في كتابه الصادر عن مؤسسة مهجة القدس، كتب الأسير المجاهد إبراهيم حسن إغبارية أن "الكنيست أقيمت على أشلاء ودماء عربية إسلامية، وعلى سلب للأرض والإنسان وتهجير أغلب أهلها خارج فلسطين... فهي إذن كنيست للمستوطنين والعرب هم العبيد، إن المحتل قد ادعى في وثيقة إعلان الدولة أنها دولة ديمقراطية... فعليه، فدخول الكنيست هو إضفاء الشرعية على كل ما تقوم به الحكومات المتعاقبة.." والذين يروّجون اليوم للمشاركة في هذا الصرح الصهيوني يريدون طيّ صفحة الغزو الاستيطاني واعتبار الكيان دولة عادية، لكنه مستمر في القتل والاستيطان والتهجير.
