بقلم: امين مصطفى
تُراكِم "حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين" كل عام، وفي كل مواجهة مع العدو الصهيوني، المزيد من الإنجازات السياسية والميدانية، ما يجعلها رقماً صعباً في معادلة الصراع مع كيان الاحتلال، ورهاناً رابحاً ومؤثراً في نهج المقاومة .
وإذا كانت هذه الحركة، قد احتفلت في ذكرها الـ 34 تحت شعار: "الجهاد حرية وانتصار" الذي كرسه الأسير القائد محمود العارضة ورفاقه، بعد حفر نفق الحرية في سجن جلبوع، وفضح هشاشة المنظومة الأمنية والعسكرية الصهيونية، فإنها في الذكرى الخامسة والثلاثين الحالية، حملت وهج شعار "وحدة الساحات" التي تمكنت من خلالها وحيدة تقريباً، من تهشيم معنويات جنود ومستوطني الاحتلال وإذلالهم، وتكبيد الكيان الغاصب المزيد من الخسائر، بعد أن طالت صواريخ الحركة قلب تل ابيب وعدد من المدن والبلدات والمستوطنات الصهيونية .
وسبق هذين الإنجازين ما سجلته حركة الجهاد من صولات مضيئة خلال معركة "سيف القدس" التي وحدت الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني والشتات، خلف المقاومة التي ألحقت الهزائم بجيش الإرهاب والاستيطان والعنصرية الصهيوني.
ولو عدنا لتصفح إنجازات حركة الجهاد الإسلامي، منذ نشأتها حتى مراحل لاحقة لثبت لنا أننا أمام نموذج مقاوم صلب، مؤمن، عقيدي، ثابت في مبادئه التي لا تحمل سوى قناعة واحدة هي تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني من النهر الى البحر.
فكما كانت حركة الجهاد حجر زاوية في الانتفاضة الأولى، وقدمت العديد من الشهداء والجرحى، والأسرى، كانت مدماكاً لها في الانتفاضة الثانية، وهي اليوم تعيد صناعة التاريخ نفسه، من خلال التصدي البطولي لكتيبة جنين، وفي نابلس والقدس وعلى حواجز الاحتلال وملاحقة مستوطنيه، تمهيداً للانتفاضة الثالثة، التي من شأنها ان تقتلع الاحتلال ومستوطنيه وتتصدى للاعتداءات اليومية التي تستهدف القدس والمسجد الاقصى بالتحديد، وهذا ما يفسر سر تلك الحملات التي تستهدف حركة الجهاد، في محاولة للنيل من معنويات أبطالها ومجاهديها، فتنفذ الاعتقالات اليومية بخاصة تلك التي تستهدف القيادات الرئيسية في الضفة والتضييق على تحركاتهم، كما تستهدف الأسرى داخل السجون الذين يخوضون أبسل المواجهات اليومية، وقد ضربوا أمثلة فريدة في الصمود والصبر حتى تم لبعضهم نيل حريتهم، مجبرين العدو على الخضوع لشروطهم ومطالبهم المحقة.
لم يأت كل هذا الجهاد في شتى الميادين والمجالات من فراغ، فقد تربّت أجيال حركة الجهاد الاسلامي على مبادئ وقيم راسخة تدعو إلى تحدي الواقع والظروف الصعبة، وجبروت وغطرسة العدو المدجج بأحدث الأسلحة والأعتدة الحربية، وهو ما مكنهم من تحقيق الإنجازات على طريق تحقيق الانتصار التام.. وهذا الخيار هو الذي يؤدي حتماً الى التحرير والعودة .
وهذا ما أرسى قواعده المؤسس الشهيد فتحي الشقاقي، عندما أعلن "الاعتماد على الكفاح المسلح باعتباره الحل الوحيد"، داعياً "الجميع الى التوقف عن الأوهام والرهان على التسويات المهينة" .
فثقافة المقاومة في فكر الشقاقي هي الأساس، وعلى هذا الفهم يجب أن يولد ويترعرع الجيل الحالي والقادم.. فـ"المثقف هو أول من يقاوم وآخر من ينكسر، بل ينبغي ألا ينكسر، وثقافة المقاومة هي المحرك لفعل المقاومة وإرادة النصر وروح التضحية، وهي التي تمنع تسلل ثقافة المساومة ووهن الهزيمة وروح الانكسار إلى المقاوم، وهي التي تحرض ضد الظلم والانحراف، بكل صورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وخاصة رفض التعايش مع الاحتلال والتطبيع مع الكيان والتسليم بالرواية "الاسرائيلية" ."
فالجهاد في نظر قادة حركة الجهاد الاسلامي ذروة سنام الإسلام وقد فرضه الله للدفاع عن حرية الدين والمقدسات والأوطان وحقوق وكرامة الإنسان" .
ورأى الشقاقي أنه منذ البداية "كان الجهاد المسلح ضد العدو الصهيوني هو المبرر الأساسي لنهوض حركة الجهاد الاسلامي" وهذا ما أعاد التأكيد عليه الأمين العام السابق لحركة الجهاد الاسلامي د. رمضان عبدالله شلح الذي قال إن "الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني هو الأساس الرئيسي والاستراتيجي في كفاحها، فلا يجوز التخلي عنه حتى دفع العدو وتحرير كامل الأرض واسترداد كل الحقوق".
وفي نفس المدرسة الفكرية والعقيدية، يكمل الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، القائد زياد النخالة، ما بدأه الشقاقي وتابعه شلح، وهو يرى ان "مشروعنا هو تحرير فلسطين" مؤكداً أن "إقامة دولة فلسطينية لا يمكن أن يتم إلا عبر تغيير موازين القوى وعبر المقاومة" .
ويضيف: "التسوية مستحيلة، وحركة الجهاد الإسلامي كانت تتوقع منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 أن هذا المسار سوف ينتهي إلى الفشل".
وعندما يتحدث عن القدس يبين القائد النخالة "أننا نتحدث عن صراع الحق والباطل وصراع الحضارات في المنطقة، وكل هذا التعقيد يمكن اختصاره في الصراع على القدس". ويخلص إلى القول: "القدس هي مركز كل شيء".
هذه الإشارات لرموز حركة الجهاد الاسلامي ليست سوى أمثلة للدلالة على عمق ورؤية حركة الجهاد من مجمل العناوين المطروحة على الساحة بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية، والدخول في مزيد من التفاصيل حول القضايا الأخرى كالموقف من الحوار الفلسطيني - الفلسطيني، والنظرة إلى التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني، ومسألة التطبيع العربي مع كيان الاحتلال، وغيرها، يحتاج إلى دراسات شاملة وطويلة، لكنني أردت بمناسبة الذكرى 35 لحركة الجهاد أن الامس جوهر المواقف التي تبنى عليها ركيزة الجهاد ومعارك المصير مع العدو .
وبالعودة لذكرى الانطلاقة فإنها تأتي في ظل ظروف وتحديات غاية في الخطورة، وعلى أساسها تسعى حركة الجهاد الإسلامي إلى تطوير قدراتها الذاتية وتحديداً العسكرية والامنية، لأن المعركة مع العدو الصهيوني مفتوحة وطويلة، وهي آخذة بالتصاعد. ولا بد من الإعداد جيدا لأي مواجهة محتملة. فالمؤامرة على القضية الفلسطينية مستمرة وتأخذ أبعاداً وأشكالاً مختلفة، تشارك فيها الولايات المتحدة والدول الغربية الحليفة، إضافة الى العديد من دول المنطقة .
وفي ضوء ذلك، من المتوقع أن تأتي ذكرى الانطلاقة القادمة لحركة الجهاد وقد سطرت المزيد من تسجيل الإنجازات والانتصارات على غير صعيد.
