وكالة القدس للأنباء - مصطفى علي
أربعون عامًا مرَت على واحدة من أفظع الجرائم في التاريخ الإنساني. عشية السادس عشر من أيلول عام 1982 وبتنفيذ من مليشيات لبنانية مسيحية حاقدة، وبأمر من رجل المهمات القذرة وأعوانه إيلي حبيقة، وبتخطيط وتنسيق ومؤازرة من جيش العدو الصهيوني، وبإدارة مجرم الحرب آرييل شارون. حصلت الإبادة الجماعية التي شهدها مخيمي صبرا وشاتيلا في العاصمة اللبنانية، بيروت، بعد ساعات من انسحاب القوات "الدولية" التي كانت مولجة بحماية المخيمات الفلسطينية، وفق الاتفاق الذي رعاه الموفد الأمريكي فيليب حبيب، والتي راح ضحيتها ما يفوق الثلاثة آلاف ضحية من الشعبين الفلسطيني واللبناني، من بينهم عدد كبير من المفقودين التي لا تزال عوائلهم على أمل اللقاء بهم.
مرتكبو هذه المذبحة أظهروا وحشية وقذارة كبيرة، لم يفرقوا بين نساء وأطفال، شبان وشيوخ، إنما هدفهم كان القضاء على المقاومة الفلسطينية والبيئة الحاضنة لها، ودفع اللاجئين الفلسطينيين للهجرة.
"وكالة القدس للأنباء" التي تعيش وسط شعبها، وتنقل معاناتهم وقضاياهم، وتعلي صوتهم في كل المناسبات، وثقت حديثًا مع الشهداء الأحياء والشهود العيان الذين كتب لهم القدر النجاة من هذه المجزرة والبقاء على قيد الحياة.
أبو محمد علي (75 عامًا) من سكان مخيم شاتيلا، يروي فصول مشاهداته المجزرة، قائلاً: "في اليوم نفسه كانت الدبابات "الاسرائيلية" قد حاصرت المخيمات، وأغلقت المداخل الرئيسية بالحواجز ممهدةً للمليشيات الحاقدة الدخول إلى المخيمين من أجل قتل وإبادة من فيها".
وأضاف: "بدأ القتل والذبح فور اقتحام المليشيات المنازل، حيث انقطعت الكهرباء واطلقت النيران صوب القاطنين العزل، وغرزت السكاكين والفؤسس، بأجساد الأطفال والنساء والشيوخ، وحتى الأجنة في بطون أمهاتهم لم يسلموا من حقد وفاشية وعنصرية المجرمين القتلة، الذين اغتصبوا النساء ونكلوا بهن".
وتابع: "بدأ المصابون الوصول إلى مستشفى غزة في منطقة صبرا، طالبين الحماية من الفرق الطبية، ولكن الحقد لم يفرق بين طبيب ومريض، فمعظم الأطباء والممرضين تم ذبحهم أيضًا".
أم أحمد زهرة، وهي بدورها إحدى الناجيات من المجزرة الوحشية، تقول لـ"وكالة القدس للأنباء":
"قدَر لنا أن نخرج من المخيم، ولكن في اليوم الثاني لم نكن ندري ماذا يحصل؟ أردت جلب بعض الحاجيات من المنزل، ولكن لفظاعة المشهد لم أستطع تكملة طريقي. جثث ملقاة على الارض، نساء أطفال رجال مكدسة فوق بعضهم البعض".
بتنهيدة مع بكاء تكمل السيدة أم أحمد حديثها، وتقول: "ما زال هول المشهد ووحشية الاجرام يراودني حتى اللحظة، ولا أنسى رؤيتي لأختين متعانقتين مقتولتين بالرصاص، ورؤس مفصولة عن الجسد، وهذا أثر سلبًا على نفسيتي وحتى اللحظة استخدم دواء الاعصاب".
عباس الحايك يقول رأيت العديد من سكان المخيم يتكدسون بشاحنات ويخرجون من المخيمات إلى وجهات مجهولة لا أحد يعرف ماذا حلَ بهم".
يرتجف صوته ويقول بحرقة: "من بين المفقودين شقيقي سعيد، وحتى الآن لا نعلم عنه شيئًا، هل هو مفقود أو مقتول .. ماذا حل بمصيره، لا نعرف؟".
هيام العلي، من أهالي المخيم لا تزال تلبس قلادة وضعت فيها صورة أخويها الشهيدين علي ومحمود اللذين قضيا في المجزرة، تقول لـ"وكالة القدس للأنباء": "أنا ببكي بحرقة على فقدان أحبابي، شو بدنا نعمل لازم نضل أقوياء، نصبر ونتحمل. كل بيت بمخيم الصمود فيه شهيد أو مفقود".
وأضافت: "نحن شعب كالشجرة، كلما قطع غصن فرَّخ أغصاناً، وكلما ولد جيل جديدً تمسكنا بحقنا في الأرض والعودة إلى فلسطين".
لن ننسى ولن نسامح طالما هناك نفس فلسطيني.. ستبقى هذه الذكرى الأليمة يتوارثها الأجيال حتى سوق المجرمين إلى العدالة، وستبقى دماؤنا وأرواحنا فداءًا لفلسطين الحبيبة. وبفضل سواعد المقاومين، ستكون فلسطين مقبرة جماعية للصهاينة وأعوانهم.
