وكالة القدس للأنباء – ترجمة
هل كان للديكتاتور التركي (رجب طيب) أردوغان تغيير حقيقي في موقفه تجاه "إسرائيل"، أم أن لديه دوافع خفية؟
بعد ما يقرب من 13 عامًا، عادت العلاقات السياسية بين "إسرائيل" وتركيا إلى طبيعتها، أخيرًا، وستُفتح السفارات في كلا (الجانبين).
تدهورت العلاقة بين "إسرائيل" وتركيا بشكل كبير خلال وبعد الحرب الأولى بين حماس والجيش "الإسرائيلي" في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009.
في ذلك الوقت، انحاز الزعيم التركي رجب طيب أردوغان علنًا إلى حماس، واتهم "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب والتسبب في أعمال شغب خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في آذار/ مارس 2009 في دافوس، حيث كرر أردوغان انتقاده القاسي "لإسرائيل" وأثار حفيظة الرئيس "الإسرائيلي" آنذاك، شيمون بيريز.
بعد أن أنهى أردوغان حديثه، رد بيريس عاطفياً بشكل واضح وسأل الزعيم التركي عما كان سيفعله إذا تم إطلاق صواريخ على مناطق سكنية في اسطنبول.
ثم طالب أردوغان رئيس المنتدى بإعطائه الفرصة للرد على بيريز، لكن تم رفض طلبه وفقاً للبروتوكول، وبعد ذلك وقف الزعيم التركي غاضبًا وغادر القاعة.
أزمة مافي مرمرة
اندلعت أزمة كبيرة في وقت لاحق بين تركيا و"إسرائيل" بعد أن صعدت قوات كوماندوس "إسرائيلية" على متن السفينة التركية مافي مرمرة في المياه الدولية قبالة ساحل أشدود جنوب "إسرائيل".
كانت السفينة التركية جزءًا من أسطول دولي تم تجميعه من قبل منظمة IHH الإرهابية التركية، ووفقًا للأتراك، كان على متنها "بضائع إنسانية" متجهة إلى غزة.
خلال زيارة لقاعدة جيش الدفاع "الإسرائيلي" في تسريفين، بعد تفريغ السفينة في مدينة أشدود "الإسرائيلية" ونقل البضائع إلى قاعدة تسريفين، تمكنت من المعاينة بنفسي أنه لا توجد بضائع إنسانية على متنها.
كانت المساعدة الإنسانية الوحيدة التي كانت تحملها مافي مرمرة هي عدد كبير من الأدوية منتهية الصلاحية.
تم تنفيذ عملية IHH بإذن من أردوغان، وكان القصد منها استفزازًا واضحًا "لإسرائيل".
عندما نشرت الأمم المتحدة تقريرًا عن حادثة مافي مرمرة في العام 2011، أعلنت فيه أن الحصار العسكري "الإسرائيلي" على غزة مبرر بموجب القانون الدولي، طرد أردوغان السفير "الإسرائيلي" واستدعى السفير التركي من تل أبيب.
استمرت الأزمة حتى أجبر الرئيس (الأمريكي) باراك أوباما بشكل أو بآخر رئيس الوزراء (الإسرائيلي) السابق بنيامين نتنياهو على الاعتذار لتركيا.
كان ذلك في آذار/ مارس 2013، عندما قام أوباما أخيرًا بزيارة "إسرائيل" ودفعت حكومة نتنياهو لاحقًا تعويضات لعائلات أعضاء منظمة IHH التسعة الذين قُتلوا، وكان ذلك أحد الشروط التركية للمصالحة مع "إسرائيل".
أزمة جديدة في 2018
لكن المصالحة الجديدة لم تدم طويلاً؛ ففي العام 2018، طردت تركيا مرة أخرى السفير "الإسرائيلي" بعد أن نظم العرب مظاهرات عنيفة في القدس، واستخدمت قوات الأمن "الإسرائيلية" القوة لاحتواء تلك المظاهرات.
شجعت تركيا العنف العربي علنًا بعد أن أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، واعترفت أيضًا بالمدينة بأكملها كعاصمة "لإسرائيل".
أدت الأزمة الدبلوماسية الجديدة في النهاية إلى حدوث خلاف عام في العلاقات التركية "الإسرائيلية" ودفعت يوسي كوهين، رئيس الموساد (جهاز المخابرات "الإسرائيلي") آنذاك، إلى تصنيف تركيا على أنها تهديد للسلام في الشرق الأوسط.
العدوان التركي
ملاحظات كوهين حول تركيا لم تكن فقط بناء على العداء الصريح الذي أظهره أردوغان تجاه "إسرائيل"، ولكن أيضًا بناء على الأعمال العدوانية الأخرى التي نفذتها تركيا في الشرق الأوسط وضد جارتيها اليونان وقبرص.
على سبيل المثال، وبناءً على أوامر من أردوغان، نفذت تركيا عمليتي توغل في سوريا تسببت في بؤس كبير بين السكان الأكراد السوريين وأسفرت عن نزوح آلاف المدنيين.
وقد برر أردوغان هذه الغزوات بشكل ثابت بادعاءات كاذبة بأن الأكراد السوريين "إرهابيون" يهددون تركيا.
أدت الإجراءات التركية العدوانية في سوريا، وكذلك في شمال العراق، حيث يهاجم الجيش التركي بانتظام أهدافًا لحركة حزب العمال الكردستاني التركية المحظورة، الجيش "الإسرائيلي" في النهاية إلى إضافة تركيا إلى قائمة التهديدات "لإسرائيل".
وصلت العلاقات التركية "الإسرائيلية" حينها إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وبدا أن الأزمة تفاقمت أكثر عندما أبرمت دول الخليج العربي سلامًا مع "إسرائيل" في العام 2020، الأمر الذي وصفه أردوغان في الأصل بأنه "خيانة" للعرب الفلسطينيين.
التحول في العلاقات
بدأ التحسن في العلاقات بين تركيا و"إسرائيل" في نهاية المطاف بعد تولي حكومة (نفتالي) بينيت (يئير) لابيد السلطة في حزيران / يونيو الماضي، لكن يمكن أن يُعزى ذلك بالكامل تقريبًا إلى الرئيس "الإسرائيلي" إسحاق هرتسوغ، الذي زار أنقرة في آذار/ مارس الماضي وحظي بترحيب حار، ما أثار دهشة الكثيرين في "إسرائيل".
أتت زيارة الرئيس الإسرائيلي بدعوة من "أردوغان"، الذي كان قد اتصل في وقت سابق بهرتسوغ لتهنئته على تعيينه رئيسًا لـ"إسرائيل".
ومنذ ذلك الحين، خفف الزعيم التركي من خطابه المناهض لـ"إسرائيل"، بل وقام وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو بزيارة الكيان اليهودي في 25 أيار/ مايو من هذا العام، وهي المرة الأولى منذ 15 عامًا التي تتم فيها مثل هذه الزيارة.
في الوقت نفسه، أكد كل من أردوغان وجاويش أوغلو أن تجديد العلاقات مع "إسرائيل" لا يعني إنهاء دعم تركيا للعرب الفلسطينيين، وذلك أثناء زيارة الأخير للمناطق الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية خلال زيارته.
في ذلك الوقت، كانت "إسرائيل" لا تزال ترد على مضض على الانعطاف الإيجابي المفاجئ في العلاقات مع تركيا، وبدا أنها تشترط تطبيع العلاقات مع أنقرة بطرد إرهابيي حماس، الذين سُمح لهم بالعمل ضد "إسرائيل" من الأراضي التركية.
على ما يبدو، قررت حكومة القدس الآن أنه يمكن حل هذه القضية بشكل أفضل بعد التطبيع الجديد في العلاقات مع تركيا ساري المفعول بعد الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة.
سبب التحول المفاجئ لأردوغان
الآن بعد استعادة العلاقات الدبلوماسية بين "إسرائيل" وتركيا، يطرح السؤال: لماذا غير أردوغان فجأة موقفه وسعى إلى المصالحة مع "إسرائيل"؟
الإجابة على هذا السؤال هي أن مزيجًا من المصالح الاقتصادية في المقام الأول وعزلة تركيا المتزايدة في الشرق الأوسط دفع بـ"أردوغان" إلى تحويل نفوره من الدولة اليهودية إلى موقف أكثر تصالحاً.
على سبيل المثال، كانت الحالة المزرية للاقتصاد التركي، الذي يقف حالياً على شفا الانهيار الكامل، سببًا رئيسيًا للزعيم التركي لتغيير موقفه تجاه "إسرائيل"، التي أصبحت القوة الاقتصادية الأولى في المنطقة.
تحتاج تركيا الآن إلى "إسرائيل" لإطلاق مبادرات اقتصادية جديدة مثل استغلال الغاز في المناطق الاقتصادية التركية في البحر الأبيض المتوسط، وكذلك بناء خط أنابيب غاز إلى أوروبا.
تحتاج تركيا أيضًا إلى المال من السياحة "الإسرائيلية"، التي واجهت عقبة خلال الأزمة السياسية وأثناء جائحة COVID-19، وهي مهتمة بشراء أحدث التقنيات والاختراعات "الإسرائيلية" التي يمكن أن تعطي دفعة لاقتصاد البلاد المتعثر.
كما رأى أردوغان أن ما يسمى باتفاقات إبراهام بين "إسرائيل" وبعض الدول العربية أثمرت فوائد اقتصادية هائلة للأطراف المعنية ولم تؤد إلى حدوث شرخ في العالم العربي.
لذا، فالأمر يتعلق بشكل أساسي بالمصالح وليس بالتغيير المفاجئ في موقف الديكتاتور التركي.
الحقيقة هي أنه في السنوات الأخيرة انضمت تركيا، تحت حكم أردوغان، إلى مجموعة الدول التي تهدد السلام العالمي وخاصة الاستقرار في الشرق الأوسط.
عززت تركيا، العضو في الناتو، مؤخرًا علاقاتها مع روسيا وإيران، وكذلك مع ليبيا، التي هي معقل للإسلاميين وشهدت تجددًا للحرب الأهلية في الأسابيع الأخيرة.
كما أن حقيقة أن تركيا لم تغير علاقاتها مع حماس تُظهر أن المصالحة الجديدة مع "إسرائيل" هي مجرد تغيير شكلي.
-------------------
العنوان: ANALYSIS: What’s Behind the Reconciliation Between Turkey and Israel
الكاتب: Yochanan Visser
المصدر: Israel Today
التاريخ: 4 أيلول / سبتمبر 2022
