وكالة القدس للأنباء - ملاك الأموي
المبدع الفلسطيني المنخرط في هموم شعبه، والمدافع عن حقوقه والداعم لنضاله، هو مقاوم في الخندق الأول. فمن خلال أعماله يطلع العالم على الجراح النازفة والمعاناة ويقدم صورة أسطورية حيّة وواقعية لبطولات هذا الشعب في التصدي للعدو الصهيوني، وهذا ما وثقه الروائي الفلسطيني سعيد الشيخ في روايته الجديدة "عين الحلوة"، بخاصة أنه كان شاهداً على كامل وقائع الصمود والمقاومة في المخيم أثناء الاجتياح العام 1982 .
طريق الذكريات
عن الرواية ودور المثقف في دعم القضية الفلسطينية، تحدث الكاتب والروائي والشاعر، سعيد الشيخ، لـ"وكالة القدس للأنباء"، وهو الذي بدأ كتابته بقصة "طريق الذكريات"، التي تحدثت عن لاجئٍ يعودُ إلى وطنه المحتل وهو فدائي!، وفازت قصته بالجائزة الأولى بامتياز في حينه.
وعن آخر انتاجه، كشف عن "عمل مازلت مستغرقاً بكتابته منذ أكثر من سنتين، وهو عمل وضعت له عنواناً أولياً "عين الحلوة"، وهذا الإسم يحيلنا إلى مخيم عين الحلوة الذي نشأت به"، مبيناً أن "الحدث الأبرز في الرواية هو الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان عام 1982، حيث يتم إلقاء الضوء على أعمال المقاومة التي واجهت تقدم دبابات الاحتلال، التي ارتكبت مجازر كاملة في أزقة المخيم، والتي لم تستطع وسائل الإعلام آنذاك من توثيقها بسبب شدة القصف الجوي والبري والبحري، كما وأنّ وسائل الإعلام اضطرت إلى نقل تغطيتها باتجاه بيروت التي كان جيش الاحتلال يتقدم إليها".
عين الحلوة .. ميدان الرواية
وأضاف، "لقد شهد المخيم حينها صموداً أسطورياً استمر 18 يوماً قبل أن تتمكن قوات الاحتلال من فرض السيطرة عليه، بعد أن شهد دماراً كلياً، في هذه الأجواء تدور أحداث الرواية وهي أحداث حقيقية أصبغتُ عليها بعض التخييل لضرورات درامية، وبما أنّ الحديث يدور عن مخيم فلسطيني أنشئ منذ بداية النكبة، فكان لا بد من العودة الى الوراء عبر ذاكرة شخصيات الرواية ممّن هُجّروا قسراً من البلاد، وما رافق خروجهم من شقاء وعذاب وانتهائهم في مخيمات يعيشون فيها حياة بائسة مكللة بالقهر، وكان لا بد من تسجيل أحلامهم في تلك الفترة والممتدة إلى اليوم والمتمثلة بالحنين إلى البلاد والرغبة بالعودة إليها".
وأشار إلى أنه "في هذه الرواية، وضعت نفسي كشاهد عيان عمّا قصّرت وسائل الإعلام عن تغطيته، حيث عشت أهوال هذه الحرب، ورأيت بأمّ عينيّ حجم الخراب والدمار الذي تركته آلة الحرب "الإسرائيلية" في بيوت اللاجئين وممتلكاتهم، والأهم في أجسادهم وأرواحهم وأحلامهم.
فقد رأيت ما يفوق الوصف من حجم الدمار الذي يرقى إلى حرب إبادة، وهنا أترك الكلمة للصحفي "الإسرائيلي" "أمنون كابليوك" الذي كان يرافق القوات الغازية وكتب: "من رأى حجم الدمار في مخيم عين الحلوة للاجئين الذي تلقى آلاف من أطنان المتفجرات والحديد، سيستنتج بأن لا ناجين بقوا في هذا المخيم"، ولكن ها هو المخيم كما تؤكد نهاية الرواية يمضي في حياته ومقاومته".
المخيم أرض خصبة للقصص
وعن سؤاله حول انعكاس حياته في المخيم على كتاباته الروائية، قال سعيد الشيخ لوكالة القدس للأنباء: "لا شك أن النشأة الأولى لحياة كلّ كاتب أدبي تبقى حاضرة ومحفورة وموثقة في الكتب الأولى له، وقد يعود إليها في كل حين، فكيف إذا كان الكاتب فلسطينياً يعيش مرارات شعبه، والمخيم أرض خصبة للقصص والروايات الإنسانية، أتت أيضاً بعديد من الكتاب العرب لينقلوا الصور الحيّة والحارّة المتدفقة في حياة المخيم"، مؤكداً أنه "منذ نشوء القضية الفلسطينية والأدباء الفلسطينيون يساهمون في إبراز ما تركته النكبة من آثار في حياة الفلسطينيين، إن كانوا لاجئين، أو ممن بقوا صامدين فوق تراب الوطن، وصولاً إلى المهاجر البعيدة حيث امتدت حياة اللاجئين، نتيجة الحياة الصعبة في المخيمات، مبيناً أنه "إلى حدّ ما، نستطيع القول أنّ الحياة الفلسطينية قد وُثّقت روائياً على شكل تغريبة ما زالت تتناسل بالأحداث والتراجيديا، وتترك كل يوم أثراً نستكشف معه عظمة شعبنا في البقاء والحياة".
وعن دور الروائيين في نقل صورة أزمات الشعب الفلسطيني، قال الروائي سعيد الشيخ: إنه وبحسب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: "أنّ المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف"، وأضيف وأقول: أن الروائيين والشعراء وبقية الكتاب هم ليسوا أصحاب قرار في الأزمات السياسية، ولكن لهم دور ينحصر في التنوير، وقد كتبت مقالاً قبلا في هذا الموضوع أقتبس منه: "ولكن في الوقت نفسه يقوم هذا السؤال: هل يمكن تحميل فنون الكتابة، أكثر من طاقتها؟ أو الدفع بها لتنزاح عن دورها أو وظيفتها في مجمل المشهد الثقافي والاجتماعي؟ يبدو أنّ هذا ضرب من فانتازيا، لأن الكتابة الأدبية في محصلة فنية وبديهية ليست رغيف خبز في متناول الجياع، أو طلقة رصاص في يدِ ثائر يوجهها إلى جباه الطغاة والغزاة. ولكن بعملية إبداعية خالصة قد تتحوّل الكتابة والفنون الأخرى إلى كلّ تلك المعطيات والوظائف، كوسيلة مساهمة وأداة فعّالة في عملية هدم هياكل الاستبداد والظلم، والمضي في دروب التنوير وصولاً إلى المنتهى في إقامة مجتمعات مستقلة، تسودها الحرية والعدالة، فلا تقدم بلا ثقافة، ولا تطور من دون فكر".
