قائمة الموقع

المجد: “رعاية” عملاء "اسرائيل"!..

2022-08-10T08:28:14+03:00
العميل انطوان لحد مع رئيس وزراء العدو الأسبق ايهودا باراك
بقلم: حسام عبد الكريم*

تواصل الكنيسة المارونية في لبنان اصرارها على خلع ثوب رعايتها على عملاء "اسرائيل" اللبنانيين. والكلام يدور على عملاء بالمعنى الحرفي للكلمة، وليس في اطار المواقف السياسية، وبالتحديد بقايا جماعة انطوان لحد الذين خدموا جيش الاحتلال وشاركوه جرائمه بحق لبنان على مدى عشرات السنين. والاوساط المقربة للكنيسة تستخدم مصطلح “اللاجئين اللبنانيين في اسرائيل” لوصف هؤلاء العملاء الذين هربوا مع جيش الاحتلال عند هزيمته في جنوب لبنان عام 2000 وما يزال 2500 منهم يعيشون في (الكيان) ويقبضون منها نظير خدماتهم لها وأتعابهم من اجلها (وعدا عن الراتب الشهري, كان كل فرد منهم قبض مبلغاً يتراوح بين 30 و 40 الف دولار عند وصولهم لاسرائيل.

 فإن لم تكن تلك الخيانة والعمالة فلا عمالة اذن في الكون). وآخر حلقات الرعاية الكنسية لهؤلاء العملاء كان حادثة توقيف المطران موسى الحاج على حدود الناقورة قادماً من "اسرائيل" وضبط بحوزته مبلغ 460 الف دولار نقداً حصلها من العملاء اللبنانيين لتوصيلها الى اقربائهم داخل لبنان (رسميا وقانونياً، اسرائيل تصنف كـ“عدو” حسب القانون اللبناني الذي يمنع التعامل والاتصال معها). والمطران كان في مهمة رسمية من طرف الكنيسة المارونية ويمثلها ويعمل بإذنها وحسب توجيهاتها.

ولذلك كانت غضبة البطريرك بشارة الراعي الذي طالب باعادة المبلغ الذي صودر الى المطران، وأضاف مخاطباً الخصوم ورافعاً من سقف خطاب “الرعاية” لبقايا جيش لحد “كفّوا عن قولكم إنّ المساعدات تأتي من العملاء، واذهبوا بالأحرى وابحثوا في مكان آخر عن العملاء، وأنتم تعلمون أين هم، ومن هم”.

أي أن العملاء، حسب الخطاب الجديد للبطريرك الماروني، هم المقاومون الذين حاربوا "اسرائيل"، وبالتحديد حزب الله، وليسوا قوات انطوان لحد الذين قاتلوا مع جيشها. في الماضي كانت الكنيسة تتلطّى بخطاب “انساني” في سياق دفاعها عن جماعة لحد، وتتكلم عن “العائلات” وعن رعاية دينية لمواطنين لبنانيين، ولكن الآن الأمر سياسي بدون مواربة: خدمة اسرائيل ليست عمالة!

والواقع ان “السياسة الصهيونية” التي تتبعها الكنيسة المارونية قديمة. ولا زلنا نذكر في بداية عام 2000, قبل شهور من الانسحاب الاسرائيلي من لبنان، كيف أصرت الكنيسة على المشاركة في تأبين وتكريم عقل هاشم، أحد اهم قيادات جيش لحد الذي قتلته المقاومة في الجنوب. يومها ارسل البطريرك نصرالله صفير مندوبا عنه عبّر في كلمته عن شعوره بالفجيعة لذلك “المصاب الاليم” وأثنى على العميل القتيل واصفا اياه بأنه “غسل بدمه” تراب لبنان!

بل ان “السياسة الصهيونية” للكنيسة تعود الى ما قبل ذلك بكثير، الى ما قبل قيام “دولة اسرائيل” في القرن الماضي.

فمع ازدياد كثافة النشاط الصهيوني في فلسطين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بدأت الاتصالات والعلاقات في التشكّل والنموّ ما بين الكنيسة والمارونية السياسية في لبنان من جهة والوكالة اليهودية في فلسطين من جهة اخرى. شملت تلك الاتصالات شخصيتين رئيسيتين من الكنيسة المارونية" البطريرك انطوان عريضة والمطران اغناطيوس مبارك الذين كانا من أشد الداعمين والمتحمسين للحركة الصهيونية ومشروع الدولة اليهودية في فلسطين.

 وشملت ايضا الرئيس اللبناني (تحت الانتداب الفرنسي) اميل إده الذي كان ايجابياً ومتحمّساً لعلاقة وثيقة مع الصهاينة ويعتبر أن الصهيونية تشكل قوة ايجابية في فلسطين.

وتتلخص المحاور الاساسية لأفكار هذا الفريق الماروني المندفع بقوة باتجاه الصهاينة بما يلي: الموارنة ليسوا عرباً ولبنان يجب ان يعود الى اصوله الفينيقية وأن يتخلّص من التأثيرات التي تركها الغزاة المسلمون العرب. وان سيطرة الأكثرية العربية المسلمة تشكل خطرا مميتاً على كل الأقليات في المنطقة وبالتالي فإن هناك جامعاً مشتركاً بين المسيحيين في لبنان واليهود في فلسطين كونهما أقلية في وسط عربي مسلم معادٍ ويصبح تعاونهما وتحالفهما أمراً ضرورياً ومفيدا لكليهما.

وفي يوم 30 ايار/مايو 1946 تم إبرام اتفاقية رسمية بين الوكالة اليهودية في فلسطين والكنيسة المارونية في لبنان، ووقّعها في القدس جوزيف عوّاد نيابة عن البطريرك انطوان عريضة و برنارد جوزيف (مدير الدائرة السياسية بالوكالة) نيابة عن حاييم وايزمان. وكانت هذه الاتفاقية ذروة التعاون الماروني- الصهيوني وأضفت طابعاً رسمياً على العلاقات بين الجانبين الذين اتفقا على إبقائها سرية. وجوهر هذه الاتفاقية هو الاعتراف، وبالتبادل، بالمطالب اليهودية في فلسطين وبالطابع المسيحي المستقل للبنان.

مع صعود حزب الكتائب في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات, وتصدّره الساحة المسيحية في لبنان, وتحوله الى حزب مسلح كان له الدور الأبرز في اشعال الحرب الاهلية اللبنانية، حظي بدعم ورعاية الكنيسة المارونية . وحتى عندما انكشف تحالف الكتائب مع "اسرائيل" وتلقيها السلاح منها لم يصدر من الكنيسة اي اعتراض على ذلك. ولما قام بيغن وشارون بتعيين بشير الجميل رئيساً للبنان (بقوة الدبابات الاسرائيلية) باركت الكنيسة ذلك.

 والمذابح الفظيعة التي ارتكبها حزب الكتائب وذراعه المسلح القوات اللبنانية عام 1982 في مخيمات صبرا وشاتيلا وقيامهم بقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين، لم تكن كافية لتجعل الكنيسة المارونية تنأى بنفسها عن تلك المليشيات الفاشية التي كانت تقتل باسم المسيح والصليب.

استمرت الكنيسة المارونية في احتضان هؤلاء القتلة وتقديم الغطاء الديني والطائفي لهم. صدرت الادانات من شتى انحاء العالم للجرائم في صبرا وشاتيلا، باستثناء الكنيسة المارونية التي صمتت وتجاهلت المذابح. لم يصدر عن الكنيسة، باسم الموارنة، أي اعتذار عما جرى وبقيت تلك المذابح وصمة عار في جبينها، بل في جبين لبنان كله الذي لم يقم ولو شكلياً، بالتحقيق في المذابح لتحديد المسؤولين عنها واكتفى باغلاق الملف تحت لافتة “السلم الأهلي” و”المصالحة الوطنية”.

العدو الاسرائيلي, لذر الرماد في العيون وليحمي نفسه مستقبلا من أية مساءلة دولية او محاسبة، قام بتشكيل لجنة قضائية تولت التحقيق في الظروف التي أدت الى ارتكاب المذابح في المخيمات الفلسطينية واستمرت تعمل لشهور طويلة ثم نشرت تقريرها الذي حمّل المسؤولية، بحكم المنصب، لوزير الدفاع شارون على اساس انه لم يقم بالاجراءات اللازمة لحماية المدنيين في المخيمات من هجمات المليشيات المسيحية اللبنانية مما ادى لحصول المذابح.

استقال شارون من منصبه آنذاك، وأغلقت اسرائيل الملف بعد أن أصبح لديها دفاع جاهز وموثق عن موقفها تجاه أي ملامة او اتهامات مستقبلية قد توجهها اليها جهات دولية. سيقولون لهم: تفضلوا، لقد حققنا في الموضوع، وحددنا المسؤول، وعاقبناه. أما لبنان، فلا شيء، لا تحقيق، ولا محاسبة ولا اعتذار. وفي التسعينيات، تولت الكنيسة مهمة “المدافع الأخلاقي” عن سمير جعجع الذي كان في السجن بسبب ادانته باغتيال رئيس الوزراء (اللبناني) رشيد كرامي. أصرت الكنيسة على التعاطف مع المجرم الذي كان مسؤولاً عن مليشيات القتل الطائفي ومنحه الغطاء الديني والسياسي.

نحن نعتقد ان على الكنيسة الكاثوليكية في روما مسؤولية التدخل لتعديل مسار الكنيسة المارونية في لبنان التي تعتبر نفسها، رسمياً، تابعة لها. لقد قدم الفاتيكان على مدى العقود الثلاثة الاخيرة سلسلة من الاعتذارات والتراجعات عن كثير من المواقف والسياسات التي تبنتها الكنيسة في الماضي. وذلك امر ايجابي وفي مصلحة الكنيسة على المدى الطويل رغم أن طعمه مر. وشملت تلك الاعتذارات الدور الذي قام به رجال الكنيسة واتباعها في دعم المليشيات اليمينية الفاشية في امريكا اللاتينية وافريقيا. واما اذا اصرت الكنيسة المارونية على ارتباطها بالسياسيين الطائفيين ومليشياتهم الفاشية وتمجيد تاريخهم القاتم، فعلى الكنيسة الام في الفاتيكان أن تنأى بنفسها عنها، وتفك ارتباطها بها، وإلّا حملت وزرها ايضا.

*كاتب من الاردن

اخبار ذات صلة