بقلم: راغدة عسيران
قبل أيام، أقام أهل العراقيب، القرية الصامدة في النقب المحتل، مهرجانا شعبيا في الذكرى السنوية ال12 لبدء عملية هدم القرية من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، تمهيدا لاقتلاعهم، والتي كان آخرها قبل أسبوع، حيث تم هدم القرية للمرة 204.يرفض أهل العراقيب التخلي عن أرضهم وقريتهم ويواصلون تحدي الاحتلال بإعادة بناء بيوت القرية، كلما اقتحمت آلات الهدم قريتهم، بما تيسّر لهم من مواد.
كان هذا المهرجان مناسبة للتذكير "لكل صادق وأمين عن الجرائم التي تحمّلها أهالي العراقيب والتي لم يصدّقها أهالي القلوب الميتة الذين لا يشعرون بمعاناة أهل العراقيب"، كما صرّح الشيخ صياح الطوري، ومنها "السجون "الإسرائيلية" (التي) ما خفنا منها"، والتي "دخلناها" و"خرجنا منها باحترام".
أكّد الشيخ صياح أيضا على أهمية الصمود في القرى المهددة بالاقتلاع، وعدم الانجرار الى تصديق الوعود التي يطلقها كيان الاحتلال بين الحين والآخر. لقد شرح الشيخ الطوري، في كلمته خلال المهرجان، كل الألاعيب التي تنتهجها سلطات الاحتلال الصهيوني لسرقة ما تبقى من أراضي القرية وفتح المئات من الملفات القضائية ضد أهل العراقيب وغيرها من القرى. كما فنّد الوعود "الرنانة الى أهل النقب" التي روّجت لها "القائمة الموحدة" التي التحقت بحكومة نفتالي بينيت السابقة، فيما يخص الاعتراف ببعض القرى في النقب وتسوية وضع بعض البيوت المصنّفة من قبل الاحتلال بأنها "غير شرعية"، مؤكدا أن الصمود والتحدي هما طريق الاعتراف والبقاء.
فصرّح أن الاعتراف الذي يتحدثون عنه وعدم هدم البيوت التي يعدون بها الناس تقوم على مبدأ رفض ملكيّة الأرض، كما هي عادة الصهاينة الذين يتمسكون بعقيدتهم التي تسرق الأرض وتبقي السكان الى حين. وسأل: "ألم يكفي لهذه القيادات (العربية) الدجل على الشعب؟" قبل أن يوجّه كلامه لأهل النقب: "انتم يا أهل النقب، ألم تتعلموا الدروس من هذا الدجل؟" ثم انتقد القيادات العربية المشاركة في الكنيست الصهيوني بقوله: "بدلا من أن يقفوا على المنصة ويطالبوا بحقوقنا، كل واحد يطعن بالثاني" لذلك، "أنا أناشد قياداتنا العربية، بدلا من أن يهاجموا بعضهم البعض، أن ينهجوا طريق المطالبة بحقوق المجتمع العربي".
وفي كلمته، طالب الشيخ رائد صلاح إعادة تفعيل "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل المحتل"، التي تمثل الجماهير العربية وتطلعاتها، بدلا من الخوض في صراعات بين الأحزاب المشاركة في الكنيست. وكان قد رفض سابقا ادعاء الأحزاب أو بعضها أنها تمثل الجماهير في الداخل، تمهيدا للعمل على إفشال اللجنة، وهذا ما نبّه اليه الشيخ رائد بالقول أن هناك من يرفض عمل هذه اللجنة ويعمل على تصفيتها. ويجب التذكير في هذا الصدد أنه، خلافا للأحزاب العربية المشاركة في الكنيست الصهيوني، تضم لجنة المتابعة التي أنشئت عام 1982 الأحزاب غير المشاركة أيضا والجمعيات العربية ورؤساء السلطات المحلية، أي أن تمثيلها يظل أوسع من كافة الأحزاب مجتمعة، ولكنها تلّقت ضربات متتالية من قبل بعض الأحزاب العربية وتراجعت فعالياتها بسبب القمع الصهيوني ثم الانقسامات الحزبية. رغم هذه السلبيات، تبقى لجنة المتابعة الإطار الوحيد الذي يمثل فلسطينيي الداخل وبعض طموحاتهم السياسية والاجتماعية.
يبدو أن الأحزاب العربية المختلفة بدأت تستعد لانتخابات الكنيست المرتقبة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2022. بعد الصفعة التي تلقتها خلال الانتخابات الأخيرة، حيث انقسمت "القائمة المشتركة" الى جبهتين، اندفعت "القائمة الموحدة" بقيادة منصور عباس نحو اليمين المتطرف الصهيوني ودخلت الى ائتلاف حكومي بقيادة نفتالي بينيت، بحجة تحصيل بعض المكاسب المادية للجمهور العربي، في حين كانت "القائمة المشتركة" بقيادة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، قد وافقت سابقا على تسمية الإرهابي بيني غانتس لرئاسة الحكومة، لمنع بنيامين نتنياهو من الوصول الى الحكم.
ما يعني أن الأحزاب العربية دخلت، خلال الفترة الأخيرة، في لعبة الأحزاب الصهيونية، اليسارية واليمينية، بحجة تحصيل مكاسب للجمهور العربي، من اليمين أو اليسار الصهيوني، وتراشقت الاتهامات وصعّدت الخلاف فيما بينها، دون الاهتمام بالقضايا المصيرية التي يواجهها المجتمع الفلسطيني، أو دون الالتفات الى القضايا الوطنية الجامعة، إلا من باب العلاقة مع سلطة محمود عباس في الضفة الغربية.
وكما هو الحال في المناطق الفلسطينية الأخرى، التعامل مع الصهاينة ومع مؤسساتهم، هو بحد ذاته ما يسبب الانقسام في الساحة الفلسطينية، في حين أن مواجهة الاحتلال الصهيوني ومخططاته ودعم صمود الشعب الفلسطيني بكل مناطق تواجده يؤسسان لوحدة المجتمع وقواه السياسية.
يطرح صمود قرية العراقيب في وجه كيان الاحتلال خطا آخر، يبدو أن الأحزاب العربية غير مستعدة لنهجه بعد، مرة أخرى، وهو الالتفات الى القضايا العربية الملحة والمصيرية التي تعيشها الجماهير العربية في الداخل، أهمها الفلتان الأمني والاغتيالات التي تقف وراءها الأجهزة الأمنية الصهيونية، والتي تنفذها أيادي محلية لإضعاف المجتمع الفلسطيني، وخاصة بعد معركة "سيف القدس" والهبّة الشعبية التي رافقتها.
ثم تأتي قضايا مهمة مثل صمود أهل العراقيب الذين يحتاجون الى الدعم المعنوي والسياسي، وصمود أهل النقب بشكل عام والقرى غير المعترف بها، وحماية المقدسات في النقب والجليل والمدن الساحلية، الى جانب التوجه لحماية مدينة القدس ومقدساتها، إضافة الى قضايا أخرى مثل الدفاع عن الأسرى الذين تم اعتقالهم خلال الهبّة الشعبية وهبّة النقب بداية العام، والدفاع عن السكن، حيث تهدّد المؤسسة الصهيونية هدم المئات من بيوت الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم بسبب عدم الترخيص.
يواجه المجتمع الفلسطيني في الداخل تحديات كبيرة، آخرها مسألة سحب "المواطنة الإسرائيلية" عن كل فلسطيني "أدين بخرق الولاء لدولة إسرائيل"، بعد قرار المحكمة العليا الصهيونية التي رفضت طلب وزير الداخلية سحب "مواطنة" الشاب علاء زيود، المحكوم ب25 عاما من السجن، لكنها اعتبرت أنه "لا يوجد عيب في قرار يسمح بسحب مواطنة شخص أدين بخرق الولاء لدولة إسرائيل"، الذي اعتبره مركز عدالة أنه "قانون عام وضبابي ويتيح المجال لتطبيق تعسفي" ضد الفلسطينيين. بغض النظر عن مسألة المواطنة وحقوق "المواطن" الفلسطيني في كيان العدو، فإن السماح بسحبها لأسباب سياسية و"أمنية" يهدّد الوجود الفلسطيني في وطنه.
كيف ستواجه الأحزاب العربية التي تدعي أنها تدافع عن مصالح المجتمع الفلسطيني في الداخل، هذه التحديات؟ هل ستترك خلافاتها وتتبنى استراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار القضايا الوطنية، وليس فقط المعيشية؟ حيث تتضمن القضايا الوطنية الدفاع عن الأرض والسكن والمقدسات، وحماية المجتمع من الانهيار والتفكك، الى جانب التواصل مع كافة أبناء الشعب الفلسطيني ومقاومته؟.
