تقع قرية سوسيا جنوبي مدينة الخليل، وهي إحدى قرى مسافر يطا، المستهدفة بالاستيطان والتطهير العرقي، حيث تقع في المنطقة "ج" وفقا لاتفاقيات أوسلو وتوابعها، أي أن العدو الصهيوني يسيطر عليها عسكريا ومدنيا، يدمّر منازلها ويقتلع ناسها وأشجارها.
بدأت قصة قرية سوسيا مع الغزاة الصهاينة بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما اخترعت مصلحة الآثار التابعة للاحتلال وجود بقايا كنيس يهودي في القرية، في حين يؤكد أصحاب الأرض أنها بقايا لمحراب ومسجد. فقرّر الاحتلال طرد أهل القرية من أرضهم، بحجة هذه الآثار، في العام 1985. فاقتلع ما يقارب 600 فلسطينيا عن القرية الأصلية، الذين نزحوا الى أرض قريبة وأعادوا بناء حياتهم فيها، والتي يسميها أهلها "سوسيا الجديدة".وتحوّلت قريتهم الى مستوطنة اطلق عليها الصهاينة اسم "سوسية" وافتتحوا في بعض بيوتها متحفا جمعوا فيه الآلات الزراعية واليدوية القديمة التي كان يستخدمها السكان الفلسطينيون الأصليون في حياتهم اليومية، كالمحراث والنول والغربال، وكأنها آثار لوجود يهودي قديم في البلاد. وتحوّل مثلا بيت محمد النواجعة المهجّر الى الأرض القريبة، الى صالة عرض أفلام عن سوسيا التي زيّفوا تاريخها.
تعتبر قرية سوسيا إحدى الأمثلة لما يسمى "السياحة التوراتية"، ليس فقط في الضفة الغربية بل في الأراضي المحتلة عام 1948. يعدّ هذا النوع من سرقة التاريخ وتشويه المعالم التاريخية الفلسطينية أحدى وسائل شرعنة العملية الاستيطانية وإحلال اليهود الذين جاؤوا من وراء البحار مكان الشعب الأصلي، وإحلال رواية يهودية تلمودية مزيّفة في فلسطين مكان التاريخ الحقيقي للشعب الفلسطيني.
كما قال يوما الأستاذ عبد الهادي حنتش، الخبير في الاستيطان الصهيوني في منطقة الخليل، الآثار هي "مسمار جحا" لدى الصهاينة، حيث يخترعون آثارا من لا شيء، في أمكنة مختلفة من فلسطين، ليصادروا المكان ويقيموا مستوطنة ويتوسعوا. قبل أسابيع، تصدّرالصحف خبر مقبرة الصديق في بلدة عرابة البطوف في الجليل، بعد اقتحامها من قبل اليهود الذين يدعون أن هناك قبر لمدعو "روبين" فيها. وانطلاقا من "قبر روبين"، أقام المستوطنون عريشة وبوابة وسيطروا على مساحة من المقبرة، لكن أزالت اللجنة الشعبية في عرابة هذه الاعتداءات الجديدة.
وقبل سنة، حاول المستوطنون تركيب مرحاض في المقبرة، وقد تصدت لهم اللجنة الشعبية، كما تصدى الأهالي لمحاولات شراء بيوت حول المقبرة. وكمقبرة عرابة التي يحميها أهلها من التهويد، هناك العديد من الأمثلة، أهمها قبر يوسف في نابلس، حيث يدعي الصهاينة أنه تراث يهودي، ومن خلاله، يتم اقتحام مدينة نابلس بين الحين والآخر، بحجة إقامة شعائر دينية.فيتم تشويه ملامح ومحتويات الموقع الأثري وتهويده، ليشكّل نقطة انطلاق للتهويد الأفقي (الأرض) والتاريخي.
يشير مقال الكاتب وليد حباس مؤخرا (مركز مدار، مايو/أيار 2022) الى وجود تطبيق الكتروني صهيوني للخرائط والملاحة باسم "عامود عنان"، يقدّم قصص وحكايات وخزعبلات لا أساس لها، حول القرى والأماكن الفلسطينية في الضفة الغربية. فهي محاولة جديدة لكتابة تاريخ مزوّر وفقا لرؤية الغزاة. فيقول: "وفي كل "موقع ملفت"، هناك شرح مقتضب يعيد أصل المكان إلى التوراة، ويسعى إلى خلق رابطة صهيونية قومية ما بين الجغرافيا و"شعب إسرائيل". لقد تبنّت بعض الشركات السياحية العالمية الرواية المزيّفة الصهيونية، وتقدّم للسواح مسارات "سياحية" في الضفة الغربية والمستوطنات كأماكن تاريخية يهودية، وتساهم بذلك بعملية "غسل دماغ" لإلغاء فلسطين عن الوجود.
تمثل قرية سوسيا إحدى هذه المواقع التي يسعى الغزاة الصهاينة لتحويلها الى موقع سياحي يهودي وربط وجودها بماضي مخترع.
في 1993، بعد التهجير الأول عن القرية، بدأت حملة التهجير الثانية لسكان القرية عن الأرض التي هجروا اليها، أي "سوسيا الجديدة". فتعرض أهلها الى اعتداءات متنوعة بهدف تهجيرهم من جديد. فكانت الذروة في العام 2001، خلال انتفاضة الأقصى بعد قتل أحد المستوطنين. فدمّر الاحتلال القرية "الجديدة" بالكامل، لكن أعاد أهلها بناءها عن جديد، على جزء من الأرض. استمرت المضايقات والاقتحامات وتدمير البناء، وإن خفّت وتيرة الهدم بعد العام 2014، حين تدخّلت الدول الغربية بعد حملة دولية لحماية أهل سوسيا من التهجير ومنع توسع الاستيطان.
لكن لم تدم طويلا هذه الحماية الدولية. اليوم، يواجه أهل سوسيا ومسافر يطا بشكل عام حملة مسعورة لتهجيرهم. يستفيد الصهاينة من أدوات عدة وتقنيات متطورة لملاحقة أهل البلاد، لمنعهم من العيش بكرامة في أرضهم ووطنهم ومنعهم من إعادة بناء البيوت المهدمة أو توسيعها.
لقد عبّر الباحثان وسيم غنطوس وميكو جرونن، من الجامعة الفنلندية، عن الطريقة الجديدة التي يستخدمها الصهاينة لمتابعة البناء في سوسيا وملاحقة "المخالفين" لقرارات الاحتلال، بمصطلح "الإلغاء السريع والمُسرّع"، وهي عبارة عن عملية تقوم بها جهات صهيونية عدة، أهمها الجمعية الاستيطانية "ريغافيـم"، من أجل تقليص الزمن بالنسبة للفلسطينيين الذين يحاولون إعادة بناء بيوتهم ومنشآتهم المهدمة من جهة، وتسريع عملية الهدم من خلال تجاوز البيروقراطية "الرسمية" الصهيونية.
تقوم عملية تقليص الزمن الفلسطيني عن طريق مراقبة وتصوير حركات سكان القرية بمسيّرات مشتركة لجمعية "ريغافيم" ومستوطني سوسية، الذين يلتقطون صور إعادة البناء ويرسلونها الى الجهات المختصة بالهدم، في حين كان أهل القرية يستغلون الوقت بين عملية هدم ما ومرور دوريات التفتيش الصهيونية، الذي قد يطول زمنيا، لإعادة بناء ما تم هدمه أو بناء منشآت جديدة.
يستخدم الآن الصهاينة عملية "الإلغاء السريع والمسرّع" في عدة مناطق من الضفة الغربية والقدس، لملاحقة البناء "غير المرخّص". وقد اشتكى الأهالي مؤخرا أن الاحتلال لم يعد يترك لهم مهلة لمراجعة المحاكم أو تأجيل عملية الهدم.
تكمن أهمية قرية سوسيا، وهي إحدى قرى مسافر يطا، في كونها تمنع التمدد الاستيطاني نحو القرى الأخرى. فهي محاطة بثلاث مستوطنات ومعسكرين لجيش العدو. بالنسبة للصهاينة، تشكل مسافر يطا، التي تضم 21 تجمعا فلاحيا وبدويا، الامتداد الجغرافي لمنطقة النقب، التي يحاولون تهويدها من خلال تدمير قراها وتهجير أهلها وبناء منشآت حربية واقتصادية مكانها.
ومن جهة أخرى، تشكل مسافر يطا، التي تقع جنوب مدينة الخليل، إحدى المداخل لتهويد هذه البقعة من الضفة الغربية التي تحتوي على معالم تاريخية إسلامية كثيرة، أهمها الحرم الابراهيمي، المهدد منذ عقود بالتهويد بسبب ادعاءات اليهود الصهاينة بأنه جزء من التاريخ اليهودي المفبرك. لقد فتحت اتفاقيات أوسلو المشؤومة و"بروتوكول الخليل" (1997) الذي قسّم المدينة الى قسمين، الباب لتهويد المنطقة ومقدساتها، وشرعنت التواجد اليهودي الصهيوني في المنطقة.
تبقى المشكلة في تعامل بعض الإعلام العربي مع هذه البؤر التهويدية، وكأنها شرعية، برفض التهميش في "دولة اليهود" و"تجاهل نصيب الفلسطينيين وحقهم"، تماما كما ينظر اليها "المجتمع الدولي" الذي لا يمانع التهويد بل يطالب بتقليص مساحته عندما يحتج ويناضل أهل البلاد.
هل المطلوب المشاركة والمساواة بين الأصيل والطارئ، أم إزالة الطارئ كليا وطرد الغزاة ؟