/مقالات/ عرض الخبر

الاغتيال: أسلوب إستعماري فاشل وجبان

2022/05/12 الساعة 06:14 ص
قادة على رئحة الاغتيال الأمريكية الصهيونية
قادة على رئحة الاغتيال الأمريكية الصهيونية

بقلم: راغدة عسيران

تعالت الأصوات في كيان العدو تطالب مسؤوليه بالعودة الى سياسة الاغتيالات، بعد العملية الفدائية التي نفذها البطلان صبحي صبيحات وأسامة الرفاعي، من بلدة رمانة شمال الضفة الغربية، في مستوطنة إلعاد بالداخل الفلسطيني المحتل. وكان الصحفيّون الصهاينة من أشد المطالبين بتنفيذ عملية اغتيال القائد في حركة حماس، يحيى السنوار، الى جانب النوّاب وقادة وجمهور المستوطنين، بسبب خطابه شديد اللهجة، قبل يومين من العملية البطولية، أكد خلاله على حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه وعن مقدساته. وكان للصحافة الصهيونية دورا بارزا في تجييش الجمهور الصهيوني حول المطالبة بالاغتيال، تأكيدا على أنها لم تكن يوما إلا أداة تتحكّم بها المؤسسة الصهيونية الأمنية.

لم يتخل الكيان الصهيوني الاستيطاني الارهابي عن سياسة الاغتيالات، وهي إحدى مكوّنات ايديولوجيته منذ نشأته، كما هي إحدى المكوّنات الايديولوجية للاستعمار الغربي. لكنه ارتدع في الفترة الأخيرة بعد تهديد المقاومة الفلسطينية له، بأن كل عملية اغتيال لقائد أو أسير سيتبعها إطلاق صواريخ على تل أبيب، كما جاء في تهديد القائد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، خلال معركة الأسير هشام أبو هواش، حيث اعتبر ان استشهاده يعني اغتياله.

وقبل ذلك، أطلقت "سرايا القدس" معركة "صيحة الفجر" بعد اغتيال قائد أركان المقاومة وعضو المجلس العسكري لسرايا القدس بهاء أبو العطا، وزوجته، في غزة، يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 ومحاولة اغتيال القائد أكرم العجوري مسؤول الدائرة العسكرية وعضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، في العاصمة السورية، دمشق، تأكيدا على أن المقاومة اتخذت قرار ضرب الكيان بالصواريخ إذا أقدم على اغتيال أي شخصية فلسطينية مقاومة.

تقوم فكرة اغتيال الشخصيات لدى الموساد أو غيره من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الصهيونية على بعض الركائز الأساسية النابعة من الايديولوجية الاستعمارية، أولها الفصل بين الشعب والمقاومة، وبين الشعب وقيادة المقاومة. بالنسبة لكيان العدو، تتحمّل قيادة المقاومة مسؤولية كل فعل مقاوم، ولولاها، لما كانت المقاومة، أي أن اغتيال الرأس قد ينهي ما يعتبره مشكلة لديه. لا يريد العدو أن يعترف، كما كل الكيانات الاستعمارية في العالم، في الماضي وفي الحاضر، أنه مجرم وأنه يرتكب أفظع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني الواقع تحت سيطرته العسكرية، وأنه من الطبيعي أن يناضل ويقاوم كل شعب يعاني من البطش والقتل والإرهاب. لكن عقلية المستعمر الاستيطاني، والصهيوني على وجه التحديد، لا يمكن أن يستوعب أن أي شعب يقع تحت احتلال همجي وإرهابي، كالاحتلال الصهيوني، لا بد وأن يقاوم، بكل ما لديه ويمتلك من أسلحة ومن أدوات تحميه أولا وتضرب المحتل ثانيا. يسمي البعض هذا السلوك الصهيوني "مكابرة"، وهو سلوك المستعمر بشكل عام.

تنطلق فكرة الاغتيال، وخاصة اغتيال قادة المقاومة، التي تقوم بها أيضا أجهزة دول غربية، من غريزة الانتقام، بسبب عنصريتهم المتأصلة بفكرهم وتربيتهم. فهم يريدون الانتقام من الذين يعتبرونهم أقل شأنا منهم واستطاعوا النيل منهم ورفع السلاح بوجههم، رغم امكانياتهم المحدودة، وتمكّنوا من تنظيم الشعوب وتسليحها، تلبية لأمانيها، وتوسيع دائرة المقاومة. لقد أثبت التاريخ المعاصر والحديث أن الصهاينة هم أكثر الناس المتمسكين بغريزة الانتقام، كونهم يعتبرون أنفسهم "شعبا مختارا" وأرقى من شعوب العالم كلها.

تنطلق أيضا فكرة اغتيال القادة من شخصنة الأعداء، ما يعني أن المستعمرين الصهاينة وغيرهم يركّزون على قتل الشخصية التي، برأيهم، تمسك كل الأمور بيدها. بالنسبة لهم، القيادي هو الذي يعطي الأوامر ويأخذ المبادرة، واغتياله قد ينهي المقاومة أو الصراع بحد ذاته. ومثالا على ذلك، لقد تعامل الصحافيون والباحثون الغربيون، مع الصراع الروسي – الأوكراني، بشخصنته بدلا من الخوض في تفسير أسبابه وتاريخه، من خلال تحليل شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والنبش في ماضيه، وحتى الدعوة الى إزاحته وقتله، لإنهاء الصراع. بالنسبة للعقلية الغربية الاستعمارية، الشعوب غير الغربية ليست مؤهلة لبناء مؤسسات، وكل شيء يعتمد على القائد والشخص. فيكون الحل لديهم بقتل القائد. وهذا ما فعلوه مرارا، بحق الشعوب الحرة والمقاومة، في فلسطين ودول عربية وإفريقية ودول العالم. ولائحة الشخصيات والقيادات التي تم اغتيالها، من قبل الصهاينة أو الأجهزة الغربية، طويلة جدا.

من ناحية أخرى، تعتبر عملية اغتيال الشخصيات القيادية عملا جبانا، لا ينفذها إلا من فقد السيطرة على الوضع ويريد بالتالي الانتقام من الشعب المقاوم ونقل الصراع والمواجهة الى جهة أخرى، بسبب فشله. لم تعد تتمكّن الأجهزة الأمنية الصهيونية، بكل تشكيلاتها، السيطرة على الشعب الفلسطيني المقاوم، وخاصة خلال وبعد العمليات الفدائية التي نفذها الأبطال في قلب الكيان الغاصب، فلم يعد لديها إلا فتح جبهة تعرفها جيدا وقد مارستها حتى قبل نشأة الكيان، جبهة الاغتيالات، التي تقوم على الغدر وامتلاك الموارد المالية لتوظيف العملاء والخونة، وامتلاك التقنيات الأمنية المتطورة.

لكن، لقد أدى فشل الصهاينة في مواجهة المقاومين، في جنين ونابلس ومناطق أخرى في الضفة الغربية، وفشلهم أمام المقاومة في قطاع غزة التي منعتهم من مواصلة عملية التهويد في المسجد الأقصى ومدينة القدس المحتلة، وفشلهم في ترويج روايتهم الكاذبة حول المقدسات وحول "الإرهابيين" الذين يهدّدون كيانهم، أدى فشلهم الأمني والسياسي والإعلامي الى تصويب غضبهم على الذين لا يملكون السلاح، على المواطنين وعلى الصحفيين خاصة، لدورهم الهام في نقل أخبار وصور وحشيتهم.

وبدلا من مواجهة المقاومين الذين دافعوا عن مخيم جنين وأهلها وبيوت الشهداء، يوم 11 مايو/أيار الجاري، صوّبوا الرصاص القاتل على الصحفيين، واغتالوا بدم بارد الصحفية القديرة شيرين أبو عاقلة، مراسلة فضائية "الجزيرة"، وجرحوا الصحفي البارز على السمودي، من جنين. استهدف جنود العدو الصحفيين الذين يقومون بواجبهم المهني بتغطية عملية اجتياح المخيم، بنيّة قتلهم، كما أكّدت المشاهد المصورة التي وردت وكما أكّد الصحفيون الناجون من عملية القتل.

تختلف عملية اغتيال قادة المقاومة عن عملية اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة وصحفيين آخرين قد تم اغتيالهم سابقا، بسبب دورهم في فضح ممارسات العدو، من ناحية التدبير والتخطيط وتوظيف العملاء، لكن اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة بدم بارد من قبل قناص صهيوني، قد تلقى أوامر بقتل الصحفيين أو أي فلسطيني أم لم يتلق أوامر، يدلّ على أن الصهاينة أصبحوا آلات قتل متنقلة، ما يدلّ على أزمتهم الوجودية أمام إرادة الشعب المقاوم، إذ لم يعد يملكون إلا نيّة الانتقام من شعب يناضل ويقاتل من أجل حريته وكرامته، كما يدلّ على كره الصهاينة للإعلام عندما يكون غير تابع لروايتهم المفبركة وأجهزتهم الأمنية.

لكن في الحالتين، في حالة اغتيال أو محاولة اغتيال قادة المقاومة، التي يطالب بها الصحفيون الصهاينة ويتدارسها علنا  كبار مسؤولي الكيان، وحالة اغتيال الصحفيين الشاهدين على جرائمه، يتحمّل المجتمع الدولي بكل دوله ومؤسساته، مسؤولية مواصلة الكيان جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، ومسؤوليته بتبني روايته الكاذبة حول أحقيته المزعومة باحتلال فلسطين وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه، وحول أحقيته المزعومة بملاحقة المقاومين واعتقال الفلسطينيين وتعذيبهم في سجونه، كونه "ضحية الإرهاب"، في حين أن الإرهاب الفعلي هو من صنع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/181873