/مقالات/ عرض الخبر

حول التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني

2022/05/05 الساعة 11:54 ص

بقلم: راغدة عسيران

لا يختلف التطبيع الثقافي عن سائر أنواع التطبيع، الاقتصادي والأمني والسياسي والرياضي وغيره، لكنه ينطلق من مرتكزات خاصة ابتدعها المجتمع الدولي ويروّج لها يوميا، وهي أن المجال الثقافي في العالم ساحة حيادية منفصلة عن السياسة والاصطفافات السياسية الدولية والإقليمية، وأن الثقافة ساحة مفتوحة لتلاقي الشعوب وإرساء السلام.

لكن اتضح، منذ بداية الصراع الروسي – الأوكريني، أن هذا المرتكز يطبّق حصريا على القضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني، ولا يخص الصراعات والدول الأخرى، حيث شنّت الدول الأوروبية حرب المقاطعة على كل ما يتعلّق بالثقافة الروسية. فأخرجت الكتب التراثية الروسية من مكتباتها العامة، وفرضت حصارا على كافة أنواع التعبير الثقافي الروسي، وألغت المشاركة الثقافية الروسية في كل منتدياتها ومهرجاناتها، بسبب دعمها وانحيازها التام للدولة الأوكرانية. لقد أثبتت الدول الأوروبية قولا وفعلا أن الساحة الثقافية تابعة ومكمّلة للسياسة، ولم تكن يوما غير ذلك وأن أكذوبة الحيادية في الساحة الثقافية تهدف الى شرعنة وجود الكيان الصهيوني على الأرض العربية الفلسطينية.

كما ينطلق التطبيع مع كيان العدو من فكرة رائجة في بعض الأوساط بأن الكيان الصهيوني دولة طبيعية وشرعية، وأن مستوطنيه مواطنون عاديّون في دولة معترف بها، رغم بعض الجرائم والفظائع التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ورغم احتلاله لمناطق دول أخرى. فالكيان الصهيوني لا يختلف، بنظر الساقطين في جريمة التطبيع، عن دول أخرى في العالم قد ترتكب أحيانا جرائم بحق شعوب أخرى وقد تتصارع مع دول مجاورة حول مناطق وحدود.

لكن، تكمن خطورة التطبيع الثقافي في أنه، بالاضافة الى إنكار جريمة الاستيطان وطبيعة الكيان الإحلالية، يمسّ المعتقدات الوطنية المبنيّة على العقيدة الدينية والتاريخ والموروث لدى شعوب الأمة، إذ أنه ليس مجرد علاقات بيع وشراء بين أشخاص ودول. فهو يؤسس لمعتقدات مغايرة، ليست وليدة التلاقي الطبيعي بين الثقافات العالمية، بل يشكّل اقتحاما تدميريا وإلغائيا لحضارة الأمة، يمنعها من التطوّر الذاتي ومن التفاعل الإيجابي مع حضارات وثقافات العالم على أساس الاحترام المتبادل، لا سيما ثقافات الشعوب التي حاربها وما زال يحاربها الاستعمار الغربي الى وقتنا الحالي.

يتخذ التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني أشكالا مختلفة: قد يكون تطبيع فردي وشخصي بين كتّاب أو صحافيين أو فنانّين، وقد يكون جماعي، تحت مظلة مؤسسة أو جمعية أو دولة. في معظم حالات التطبيع الثقافي، ترعى الدول الغربية ومؤسساتها وجمعياتها عمليات التطبيع، من خلال فسح المجال للقاء والتعارف والتشارك في المؤتمرات والمهرجانات، ومن خلال التمويل السخي للمطبّعين، وتشجيعهم والترويج لهم إعلاميا، من أجل حث الآخرين على انتهاج هذا المسار وإظهار فوائده المادية والمعنوية، الفردية والجماعية.

وتندرج العلاقات الأكاديمية بين الجامعات والجامعيين ضمن هذا الشكل من التطبيع، حيث يتم تغييب طبيعة الأكاديمي الصهيوني  كمستوطن وجندي يشارك في قتل واستئصال الشعب الفلسطيني، وفي إرساء الفكر الصهيوني وتشويه صورة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وتاريخها، لصالح كونه أكاديمي، وكأنه كائن جاء من الفضاء. ويمكن اعتبار استضافة الصهاينة على الشاشات العربية شكلا من أشكال التطبيع، أو استخدام مصطلحات تساوي بين الحق الفلسطيني الخالص والرواية الصهيونية المزيّفة لبث الشكوك حول الحق الفلسطيني، وذلك بحجة الموضوعية.

يبدأ التطبيع الثقافي بين دولة عربية والكيان الصهيوني، عندما تغيّر هذه الدولة مناهجها التعليمية، وفقا لتعليمات الدول الغربية المموّلة، بحذف كل ما يتعلق بفلسطين، ككقضية مركزية للأمة، وبحذف تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني، بما فيها الحروب التي خاضتها الجيوش العربية والاعتزاز ببسالة جنودها وتضحياتهم. ومن أجل إرضاء الكيان الصهيوني والدول الغربية الحامية له، يتم حذف أيضا آيات قرآنية وأحاديث نبوية محدّدة من الكتب المدرسية لمنع التلاميذ من مناقشة أو حتى التفكير بمسألة الاعتداء على أراضي الأمة (فلسطين) والمقدسات وواجب الجهاد. وهذا ما فعلته بعض الدول العربية، التي طبّعت علاقاتها مع كيان العدو أو تنوي السير على خطاها.

ما يطلبه المجتمع الدولي الغربي من الأنظمة العربية، هو تغيير العقيدة الوطنية والقومية والدينية لدى الأجيال الصاعدة، عبر سلخ فلسطين والقضية الفلسطينية والمقدسات من وجدانها، وبالتالي، سلخ جزء من تاريخها، عبر تشويهه وتطعيمه بأفكار ومصطلحات غريبة وغربية، وتأليف رواية تاريخية محليّة تكون فلسطين ومقدساتها غائبة. تغييب فلسطين عن الوجدان العربي يعني تفتيت الأمة الى كيانات متصارعة أحيانا وافساح المجال للتعامل مع العدو الصهيوني، باعتباره دولة كسائر دول العالم. فيتم بعد ذلك طرح فكرة الحياد إزاء الصراع الذي يعتبر صراعا "إسرائيليا فلسطينيا" على أراض ومناطق ومقدسات، يتوجب على المجتمع الدولي التدخل لحلّه.

ويختلف التطبيع الثقافي عن أنواع التطبيع الأخرى كونه يمسّ كل شرائح المجتمع، ولا يقتصر على فئة الحكّام أو التجّار أو الرياضيين، بسبب الأفكار التي يروّج لها والمصطلحات التي يتبناها، حيث أن عددا من الوسائل الإعلامية الصادرة في الدول العربية أو الناطقة باللغة العربية مثلا تتبنى لغة "الحياد" إزاء كيان استيطاني مجرم، بادعائها الموضوعية. فتساهم في الترويج للتعايش الفكري مع وجود هذا الكيان، ونفي حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه ووطنه، أو اعتبار هذا الحق وامكانية تحقيقه مجرد حلم، على الشعب الفلسطيني التخّلص منه إن كان يريد الحياة.

تشكل فكرة الحياد إزاء الكيان الصهيوني الإرهابي الأرضية الخصبة لكل أشكال التطبيع، بعد تغييب الحق الفلسطيني بالأرض والوطن، وعدم الاكتراث به أو نفيه تماما، أي أن "فلسطين أصبحت إسرائيل" بالنسبة للمطبّعين والمتحالفين مع كيان العدو، كما ذكره مرارا القائد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

انطلاقا من هذه الأرضية، التحقت بعض النخب الثقافية العربية بكيان العدو ومؤسساته ومستوطنيه، وخاصة في الدول المطبّعة، وتجنّدت لتزوير التاريخ والعقيدة الدينية لصالح الغزاة والعمل على إشاعة روايتهم، بمساعدة الإعلام والأكاديمية الغربية.

لكن في المقابل، وبسبب تصاعد الفعل المقاوم في فلسطين وصمود أهل فلسطين أمام إرهاب ووحشية الغزاة الصهاينة ومتابعة الإعلام المقاوم لكل ما يجري في الوطن المحتل، لقد تم محاصرة الرواية الكاذبة الصهيونية في أنحاء العالم، رغم القمع الرسمي لكل أشكال الدعم للحق الفلسطيني ولحرية التعبير، إذ كلما توسّع الدعم الجماهيري لفلسطين وشعبها، كلّما ازداد القمع في الدول المساندة للغزاة، إن كانت عربية أو أجنبية. تحاول هذه الدول السيطرة على الرأي العام العالمي عبر وسائل إعلامها ومهرجانتها وإقحام الكيان الإرهابي في المنطقة، رغم شعوبها، لكن تصطدم جهودها بصورة الصهاينة المدججين بالسلاح الذين يرتكبون يوميا جرائم بحق الفلسطينيين ويهدّدون شعوب المنطقة والعالم بالحروب والحصار. ولأن الشعوب الحرة ترفض وجود الكيان الصهيوني، ولأن المقاومة فرضت معادلة ردع لكيان العدو، لا بد من مواجهة التطبيع الثقافي بكل أشكاله، بتوسيع حيّز ثقافة المقاومة وتجذيرها، بالانطلاق من الواقع والتاريخ والعقيدة.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/181674

اقرأ أيضا