بقلم: راغدة عسيران
خلال العشاء السنوي "للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا" الصهيوني، في يوم 26/2/ 2022، أصدرت الحكومة الفرنسية موقفين استفزازين بشأن القضية الفلسطينية، أولهما كان تصريح رئيس الوزراء جان كاستكس حول مدينة القدس، والثاني لوزير الداخلية الذي أعلن عن نيّته حظر جمعيتين فرنسيتين داعمتين للشعب الفلسطيني ومقاومته، بحجة "مساندة الإرهاب".
كيف يمكن تفسير هذين التصريحين، لا سيما الذي يصف مدينة القدس بأنها "العاصمة الأبدية للشعب اليهودي"؟ هل يشكّل هذا التصريح انعاطفة في الموقف الفرنسي "التقليدي" إزاء القضية الفلسطينية أم هو مجرد تصريح انتخابي ليس له تبعات عملية، أم انه مواصلة لمسار متصهين تسير به الدولة الفرنسية منذ زمن، ينعكس على علاقاتها الخارجية وإجراءاتها الداخلية ؟
لا شك أن الانتخابات الرئاسية القادمة (نيسان/ابريل) في فرنسا تؤثر بشكل مباشر على التصريحات السياسية الرسمية وغير الرسمية، في الشؤون الخارجية والداخلية على حد سواء. لا أحد ينفي أو ينكر مكانة اللوبي الصهيوني في تكوين الحياة السياسية والإعلامية والثقافية في فرنسا، وإن كانت المؤسسات الفرنسية ترفض تسمية هذا التأثير الحاسم ب"اللوبي"، كونها تدعي "المواطنة المتساوية" بين الفرنسيين.
يتزاحم السياسيون الفرنسيون، من الحزب الإشتراكي والأحزاب اليمينية (الأحزاب الأطلسية بشكل عام)، نحو الصهاينة وتقديم الولاء للكيان الصهيوني، من أجل كسب المعارك الإنتخابية، رغم أن الأصوات اليهودية أقل عددا من الأصوات المسلمة، لكنها منظّمة ومتكاتفة حول الكيان الصهيوني ومصالحه. فالادعاء بأن القدس "عاصمة يهودية" من قبل رئيس الوزراء الذي ألقى خطاب الرئيس ماكرون، يأتي في هذا السياق، أي أنه يقدّم الولاء للصهيونية العالمية من أجل كسب أصوات اليهود الفرنسيين في الانتخابات القادمة، مقابل اليمين المتطرف بشقيه، المعادي للإسلام والمسلمين من جهة ولكل الأجانب الذين يهدّدون، وفقا لنظرتهم العنصرية، الهوية الوطنية الفرنسية.
بعد إزاحة الأحزاب اليسارية الفاقدة لاستراتيجية معاكسة ووحدوية، لم يعد في الحلبة الانتخابية إلا اليمين المتطرف المعادي للمسلمين والأجانب من جهة، والصهاينة والمتصهينين، المعادين أيضا للإسلام والمسلمين، تحت شعار "حماية قيم الجمهورية"، التي لم يتم تحديدها إلا برفض "القيم الإسلامية". ذلك يعني أن النخب الفرنسية، مهما كانت إيديولوجيتها، يسارية أو يمينية ليبرالية أو متطرفة، اتفقت على محاربة الإسلام والمسلمين في فرنسا، منذ أكثر من عقدين من الزمن. لقد تم إغلاق عدة مساجد ومراكز ثقافية تابعة للمسلمين، وأغلقت قبل شهور دور نشر تعني بنشر الثقافة الإسلامية باللغة الفرنسية، وتم حظر جمعيات مختلفة تدافع عن المسلمين وترصد التعدّيات الكلامية والفعلية ضدهم، الذين كانوا ضحية "رهاب الإسلام" الشعبوي، كما منعت السلطات الفرنسية استخدام عبارة "رهاب الإسلام" التي تتهمه بالعنصرية والتمييز بين "المواطنين".
منذ انتفاضة الأقصى، تلاقت مصالح الصهيونية العالمية والدولة الاستعمارية الفرنسية وموقفهما من الإسلام والشعوب العربية والشعب الفلسطيني بشكل خاص، لا سيما بعد الإعلان الواضح لشباب الجاليات المسلمة الوقوف الى جانب المقاومة الفلسطينية والتضامن معها، من خلال جمعيات لا تنضوي تحت سقف المؤسسات الفرنسية الداعمة للسلطة الفلسطينية. حاربت الدولة الفرنسية هذا التيار المستقل للشباب العربي والمسلم باتهامه ب"معاداة السامية" و"الخروج عن الإجماع الفرنسي"، منذ تلك الفترة، ما جعل الكثير من هذه الجمعيات والأصوات التي كانت تركّز على البعد العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية، من التوقف عن العمل العلني أو اللجوء الى الدعم "الإنساني" أسوة بالجمعيات غير الحكومية المعترف بها والممّولة من قبل مؤسسات دولية. منذ ذلك الوقت، لم تتجرأ المساجد الفرنسية من الحديث عن القضية الفلسطينية، حتى عندما كان الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يواجه الحروب الإرهابية الممتالية، بل كان بعض مشايخها يتملّق للصهاينة ويتحدث عن "حوار الأديان" و"المواطنة" ووجوب الاندماج بـ"قيم الجمهورية".
منذ تلك الفترة، تصاعدت الهجمة ضد المسلمين، في كل الاتجاهات، أهمها ارتباطهم بالقضية الفلسطينية والقضايا العربية بشكل عام. بالنسبة للنخبة الحاكمة في فرنسا، وملحقاتها الثقافية والإعلامية، على المسلمين الاندماج كليا في المجتمع الفرنسي، من ناحية شعائرهم ومعتقداتهم الدينية ومن ناحية مشاعرهم الحضارية، أي ارتباطهم المعنوي والثقافي بالعالم العربي والإسلامي، إلا إذا كانت انتماءاتهم الوطنية والقومية والإسلامية تابعة لدول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر) وللدول المطبّعة مع الكيان الصهيوني (المغرب).
لكن الدولة الفرنسية حاربت أيضا، بشكل عنيف، حركة المقاطعة للبضائع والمؤسسات الصهيونية، أكثر مما حاربتها الدول الغربية الأخرى، إذ اعتبرتها "معادية للسامية"، لا سيما وأن الشباب العربي والمسلم وجد في هذه الحركة متنفسا للإعلان عن انتمائه وتضامنه مع الشعب الفلسطيني. لقد توالت الشكاوى والاستدعاءات للمحاكم لعدد من المناضلين، رغم أن حركة المقاطعة في فرنسا من أضعف الحركات عالميا، بسبب وجود اللوبي الصهيوني المؤثر على الحياة الاجتماعية، وتداخل المصالح الاقتصادية بين الكيان الصهيوني وفرنسا بشكل كبير، وارتباط مصالحهما في الدول المطبّعة، خاصة المغرب.
لا يشكل الموقف الفرنسي الأخير، الذي عبّر عنه رئيس الوزراء في الحفل الصهيوني، انعطافة أو تغيير جذري في الموقف الفرنسي الرسمي، الذي يعبّر، منذ فترة، عن انحيازه للكيان الصهيوني. لقد دعمت فرنسا اتفاقيات أوسلو، وهي مستعدة لدعم أي خطوة تنازلية فلسطينية لصالح العدو، إن لم تؤثر هذه الخطوة على مصالح الكيان الصهيوني، بشكل اندلاع إنتفاضة أخرى تهدّد أمنه. لقد ضغطت الدولة الفرنسية وملحقاتها الثقافية والتمويلية على المجتمع الفلسطيني والجمعيات التي تموّلها من أجل السير نحو التطبيع المجتمعي والمؤسساتي مع كيان العدو، وموّلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية من أجل ملاحقة الثوار والمقاومين الفلسطينيين. لم يصدر عن الحكومة الفرنسية إلا بيانات شجب كلما اعتدى الصهاينة على الفلسطينيين وقتلوهم، لكنها اتخذت إجراءات عملية وأوقفت التمويل لكل جمعية ترفض شروطها، كاستبعاد الأسرى المحررين من الاستفادة من تمويلها، وساهمت في الضغط على السلطة الفلسطينية من أجل تغيير برامجها التعليمية لصالح الرواية الكاذبة "الإسرائيلية". لا تمانع الدولة الفرنسية ازدواجية الانتماء عندما يشارك فرنسيون يهود في عمليات جيش العدو الحربية وفي الاستيطان ودعمه العلني، بينما تعتبر أن دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته من قبل العرب والمسلمين يهدّد "المواطنة" و"قيم الجمهورية".
تتزامن صهينة الدولة الفرنسية المتزايد مع الهجمة التطبيعية التي تقودها الولايات المتحدة في الوطن العربي. لقد تخلت الدولة الفرنسية عن الكثير من المواقف المستقلة عن الولايات المتحدة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، لدى وصول الحزب الاشتراكي الى السلطة مع فرانسوا ميتران، الحزب الذي كان أكثر الأحزاب صهيونية وأطلسيا في ذلك الوقت. لكن، رغم التصهين المتدرج، حاولت وزارة الخارجية الوقوف على "الحياد"، بسبب مصالحها الاقتصادية والثقافية مع الدول العربية. لكن، عندما ترتمي بعض هذه الدول في أحضان الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وعندما تشارك السلطة الفلسطينية في تنفيذ أجندة الغرب الامبريالي في فلسطين وتلاحق المقاومين وتقتل المناضلين، لم تعد تجد فرنسا أي سبب لمواصلة لغة المراوغة والكذب.. باتت تقول بكل ثقة وبصوت عال أنها تؤيد المشروع الصهيوني وتفتيت الأمة، وتؤيد ضرب المقاومة وقتل المقاومين، وتؤيد السيطرة الأميركية على العالم وأنها مستعدة لشن الحروب من أجل "القيم الغربية". لماذا تستغرب بعض النخب العربية والفلسطينية عندما تعلن فرنسا عن هويتها الاستعمارية والامبريالية ؟
