وكالة القدس للأنباء – متابعة
زخر الشعب الفلسطيني بنتاجات كثيرة بين الفكر والتاريخ والفن والأدب، شكلت بمجملها الهوية الوطنية الفلسطينية المتجذرة ؛ في مواجهة الرواية الصهيونية حول احتلال فلسطين، التي تهدف إلى طمس تاريخ فلسطين وهويتها الحقيقية؛ وفي هذا السياق نستحضر سيرتي رمزين فلسطينيين في مجال الأدب ؛ هما الناقد الراحل يوسف سامي اليوسف والشاعر والناقد المفكر الراحل عزالدين المناصرة ؛ولكل تجربته الخاصة .
يوسف سامي اليوسف: كاتب وناقد أدبي ومؤرخ و مترجم. وُلد في قرية لوبية في قضاء طبرية في فلسطين سنة 1938. لجأ عام 1948(عام النكبة الفلسطينية) إلى لبنان مع أسرته. استقرّ بهم الحال في مخيم “ويفل” في ضواحي مدينة بعلبك، ثم انتقلت الأسرة في عام 1956 إلى سوريا، واستقرّت في دمشق.
في عام 1960 درس في جامعة دمشق، كلية الآداب_ قسم اللغة الإنكليزية، وتعيّن مدرساً في مدارس الأونروا، لمادة اللغة الإنكليزية حيث كان لا يزال طالباً في الجامعة.أنهى دراسته الجامعية في عام 1964. عاش حياته في مخيم اليرموك جنوبَ مدينة دمشق. بدأت بواكير أعماله بالظهور إلى العلن عام 1973 على شكل مقالات في المجلات والجرائد السورية، ثم صدر أول كتبه “مقالات في الشعر الجاهلي”عام 1975، وبالتدريج بدأت تظهر كتبه الأخرى في حقول النقد الأدبي إلى أن أصبح متميزاً عن سواه بمنهج خاص به، يكاد أن يكون طريقة فريدة في التعامل مع النص المدروس، شعراً كان أو نثراً.
منذ أواسط السبعينيات أصبح بيته المتواضع في مخيم اليرموك ملتقى لكثيرٍ من المبدعين السوريين و الفلسطينيين والعرب المقيمين في سوريا. كانوا يستمعون له، ولآرائه بكتاباتهم الإبداعية؛ بل ويحفظون بعضاً من مفرداته اللغوية التي أصبحت وكأنها “ماركة مسجلة” باسمه.
ونذكر منها: “البرهة الطللية” و “تهجّس أسرار الوجود” و “حوزة السداد” و “تسريح النفس” و “الألطاف الحسنى”. ألف أكثر من ثلاثين كتاباً في الأدب العربي و نقد الشعر العربي و التاريخ ، بالإضافة إلى الترجمات عن اللغة الإنكليزية. كما كتب مئات المقالات في الصحف اليومية والمجلات الأدبية الدورية. نشر، في مطلع الألفية الثالثة، بضعة أعمال عن التاريخ الذي عايشه سواء المدينة التي سكن فيها ما يزيد عن ستين عاماً وأسماه ” دمشق التي عايشتها ” أو شهادته عن العصر منذ ولادته حتى مماته و ذلك في كتاب من أربعة أجزاء أسماه ” تلك الأيام “.
الأحداث الدامية
وفي خضم الأحداث الدامية التي حصلت في سوريا منذ اذار/مارس 2011 ،هاجر من مخيم اليرموك إلى مخيم النهر البارد في طرابلس _لبنان أواخر سنة 2012.
توفي في لبنان في الثاني من أيار/مايو من سنة 2013 بعد صراع مع المرض . وترك إرثاً كبيراً من الكتب التي تغطّي مناحيَ كثيرةً في العلوم الإنسانية، منها ما هو في النقد الأدبي ومنها ما هو في التأريخ والترجمة، فضلاًعن كتاباته الأدبية والشعرية.ولابد من الاشارة إلى أن الراحل يوسف سامي اليوسف قد انضم الى كتيبة 68 التي كان مقرتدريب عناصرها في حرستا إلى الشرق من العاصمة السورية دمشق، لكنه غادرها بعد فترة قصيرة متجها الى التدريس والتفرغ للكتابة ، فكان مربياً وكنزً ثقافياً رفيعًاً ؛نهل من ثقافته كثيرون من اجياله ومن الأجيال الصاعدة.
عزالدين المناصرة: هو شاعر وناقد ومفكر فلسطيني . وُلد في 11 نيسان /أبريل 1946 في بني نعيم ،و تُوفي في الخامس من نيسان / أبريل 2021 في عمان.
وهو من شعراء المقاومة الفلسطينية منذ أواخر الستينيات حيث اقترن اسمه بالمقاومة المسلحة والثقافية وبشعراء مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، أو كما يطلق عليهم مجتمعين “الأربعة الكبار في الشعر الفلسطيني”. حيث غنى قصائده مارسيل خليفة وغيره واشتهرت قصيدتيه “جفرا” و”بالأخضر كفناه”. ساهم في تطور الشعر العربي الحديث وتطوير منهجيات النقد الثقافي. وصفه إحسان عباس كأحد رواد الحركة الشعرية الحديثة.
حصل على شهادة (الليسانس) في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من جامعة القاهرة عام 1968 حيث بدأ مسيرته الشعرية، ومن ثم انتقل إلى الأردن وعمل كمدير للبرامج الثقافية في الإذاعة الأردنية في العام 1970 وحتى 1973. أسس في نفس الفترة رابطة الكتاب الأردنيين مع ثلة من المفكرين والكتاب الأردنيين. وانخرط المناصرة في صفوف الثورة الفلسطينية بعد انتقالها إلى بيروت، حيث تطوع في صفوف المقاومة العسكرية بالتوازي مع عمله في المجال الثقافي الفلسطيني والمقاومة الثقافية كمستقل، وأيضاً ضمن مؤسسات الثورة كمحرر ثقافي لمجلة “فلسطين الثورة” الناطقة باسم منظمة التحرير الفلسطينية وكمدير تحرير لـ”جريدة المعركة” (الصادرة أثناء حصار بيروت) بالإضافة إلى عمله كسكرتير تحرير “مجلة شؤون فلسطينية” التابعة لمركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت.
تم انتخابه كعضو للقيادة العسكرية للقوات الفلسطينية – اللبنانية المشتركة في منطقة جنوب بيروت إبان بدايات الحرب الاهلية اللبنانية عام 1976. تم تكليفه من قبل ياسر عرفات ليدير مدرسة أبناء وبنات مخيم تل الزعتر بعد تهجير من تبقى من أهالي المخيم إلى قرية الدامور اللبنانية.
أكمل دراساته العليا لاحقاً، وحصل على (شهادة التخصص) في الأدب البلغاري الحديث، ودرجة الدكتوراه في النقد الحديث والأدب المقارن في جامعة صوفيا عام 1981.
بعد عودته إلى بيروت عام 1982 شارك في صفوف المقاومة من جديد أثناء حصار بيروت، وأشرف على إصدار جريدة المعركة إلى أن غادر بيروت ضمن صفوف الفدائيين كجزء من صفقة إنهاء الحصار. تنقل المناصرة بين عدة بلدان قبل أن تحط به الرحال في الجزائر عام 1983، حيث عمل كأستاذ للأدب في جامعة قسنطينة ثم جامعة تلمسان. انتقل في مطلع التسعينيات إلى الأردن حيث أسس قسم اللغة العربية في جامعة القدس المفتوحة (قبل أن ينتقل مقرها إلى فلسطين) وبعدها صار مديرا لكلية العلوم التربوية التابعة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وجامعة فيلادلفيا حيث حصل على رتبة الأستاذية (بروفيسور) عام 2005. حصل على عدة جوائز في الأدب من ضمنها: جائزة الدولة الأردنية التقديرية في حقل الشعر عام 1995، وجائزة القدس عام 2011.
بدأ المناصرة دراسته في ابتدائية بني نعيم ومن ثم التحق بثانوية الحسين بن علي في مدينة الخليل.
الأساطير والثقافة الشعبية
بدأ منذ صغره بنظم الشعر ونشر المقالات في المجلات الأدبية الرائجة في تلك الفترة بداية العام 1962. تأثر شعر المناصرة بخصوصية المكان الذي ترعرع فيه حيث تكونت لديه صلة وثيقة بالأساطير والثقافة الشعبية ونمط الحياة المرتبط بتاريخ المنطقة الممتد منذ بروز الكنعانيين في العصر النحاسي إلى العصر الحديث. ظهر هذا التأثر من خلال المفردات والتعابير واستخدام المناصرة للمفاهيم الثقافية المتنوعة المرتبطة بتاريخ فلسطين القديم والحديث.ترك المناصرة ارثاً وازناً المجموعات الشعرية؛ ومنها مجموعة “يا عنب الخليل، القاهرة – بيروت، 1968،الخروج من البحر الميت، بيروت، 1969،مذكرات البحر الميت، بيروت، 1969،قمر جَرَشْ كان حزيناً، بيروت، 1974،بالأخضر كفّناه، بيروت، 1976،جفرا، بيروت، 1981،كنعانياذا، بيروت، 1981،حيزية عاشقة من رذاذ الواحات -عمّان، 1990،رعويّات كنعانية، قبرص، 1992،لا أثق بطائر الوقواق،- رام الله، 2000،سقف للسماء،- عمَّان، 2009،يتوهج كنعان، (مختارات شعرية)، دار ورد، عمّان، 2008؛كما أصدر كتب نقدية فكرية، ومنها الفن التشكيلي الفلسطيني-منشورات فلسطين الثورة-بيروت -1975،السينما الإسرائيلية في القرن العشرين، بيروت، 1975،إشكالات قصيدة النثر، بيروت – رام الله 1998،موسوعة الفن التشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين (في مجلّدين)، عمّان، 2003،نقد الشعر في القرن العشرين، الصايل للنشر والتوزيع، عمّان، 2012،الكف الفلسطيني تناطح المخرز الأمريكي-الصايل للنشر والتوزيع عمان 2013، جمرة النص الشعري 2007. والأهم من ذلك أن المناصرة انخرط بشكل مباشر في صفوف الثورة الفلسطينية .
المصدر : القدس العربي – نبيل السهلي
