وكالة القدس للأنباء – خاص
منذ أعلنت الإدارة الأمريكية الجديدة استعدادها لاستئناف المحادثات النووية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، استعادت حكومة نفتالي بينيت – يائير لبيد (الصهيونيةِ) الخطاب "الدينكاشوتي" لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو. وتتطايرت تصريحات القادة الجدد (السياسيين والعسكريين والأمنييين) بدعوة الإدارة الأمريكية والحلفاء الغربيين لوقف مفاوضات فيينا، من جهة، وإطلاق التهديدات العسكرية الموجهة لإيران لضرب منشآتها النووية.
ويبدو أن قادة الكيان الجدد لم يدرسوا جيدا التجربة المرة لرئيس وزرائهم السابق الذي صال وجال وأزبد وأرعد، مستخدما المنابر الدولية والإقليمية ومراكز الأبحاث للتحريض على إيران وملفها النووي، مهددا ومتوعدا بتوجيه ضربة عسكرية قاضية ضد مشاريع إيران النووية، وانتهى عهده المتجدد والأطول في تاريخ الحكومات بكيان العدو، من دون أن تتحرك عجلات الطائرات الحربية "الإسرائيلية" نحو أهدافها النووية في إيران، وهو اعتراف عملي بفشل وهزيمة هذا الخيار، بالرغم من الترسانة العسكرية، وبخاصة الأحدث من الطائرات الحربية الأمريكية التي راكمها نتنياهو، خلال وجوده على رأس الكيان.
وكانت النتيجة خروجه من الحكم بخفي حنين، وسقوط حليفه دونالد ترامب، في حين استمرت المفاعل الإيرانية بعملها وفق المخطط المرسوم لها من قبل القيادة الإيرانية، التي واجهت الحصار وتجاوزت العقوبات بمزيد من العمل والتطوير الذاتي والاستعداد للخيارات الأسوأ، واستأنفت الإدارة الأمريكية الجديدة المفاوضات مجددا، رامية خلفها مرحلة تحالف (ترامب – نتنياهو). فماذا تعني تهديدات نفتالي بينيت ووزير حربه بيني غانتس ورئيس أركانه أفيف كوخافي بشن الحرب على إيران؟
النتيجة صفر
في هذا السياق، يقول المحلل العسكري بصحيفة هآرتس يوسي فيرتر إن تصريحات رئيس الحكومة نفتالي بينت، ووزير الدفاع بني غانتس، ورئيس الأركان أفيف كوخافي، المتعلقة باستعدادات "إسرائيل" لهجوم عسكري هي فارغة وغير ضرورية. هم يعرفون ذلك ويتجاهلونه. فعلياً، كل الأطراف – إيران، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة – يدركون ذلك. الزعيم الذي يضلل العدو، مستخدماً الخداع والحرب النفسية، يُعتبر حكيماً؛ وزعيم يخدع الجمهور يُعتبر ماكراً، لكن زعيماً يخدع نفسه هو أمر خطِر.
ويضيف فيرتر، لستَ بحاجة إلى أن تكون جنرالاً أو استراتيجياً لكي تفهم الصورة. يكفي النظر إلى الخريطة والقوات التي تتحرك في المنطقة، وأن نقرأ عن قوة سلاح الجو من مصادر علنية. وها هي الحقائق:
من أجل مهاجمة إيران في المسار القصير يجب على طائرات سلاح الجو العبور فوق دولتين، العراق والأردن (يمكن المرور أيضاً فوق السعودية، لكن المسار سيكون أطول). في جميع الأحوال، وفي أي مسار، سيكون مطلوباً من طائرات سلاح الجو، ضمناً طائرات أف – 35 الشبح المُعدة تحديداً لمثل هذا الهجوم، أن تكون مزودة بالذخيرة القصوى من القنابل والصواريخ، وبأقصى قدرتها على الحمولة، وستحتاج إلى التزود بالوقود في الجو، الأمر الذي يُبطّىء العملية ويزيد في خطر الانكشاف. حرام تضييع عشرات مليارات الشيكلات على إعداد سلاح الجو لهجوم لن ينفَّذ.
هذا ما حدث تحديداً خلال ولاية بنيامين نتنياهو. أيضاً حتى لو دُمِّرت منشآت إيران النووية كلها أو جزء منها بصورة مذهلة، علينا أن نفهم أنه سيبقى لدى إيران المعرفة والخطط، وهذا لا يمكن تدميره.
هناك أيضاً احتمال نظري لمسار بديل للهجوم: الانطلاق من أذربيجان التي لديها حدود مشتركة مع إيران. التعاون الاستخباراتي والعسكري بين القدس وباكو وثيق جداً، وفي الماضي انتشرت معلومات بأن أذربيجان وضعت تحت تصرّف "إسرائيل" مطاراً يمكن أن تنطلق منه طائرات حربية "إسرائيلية" نحو إيران. ليس واضحاً حتى الآن مدى صحة هذه الأخبار، كما نُشر أيضاً أن مسيّرات "إسرائيلية" انطلقت من أذربيجان في مهمات استخباراتية في إيران. وفي إحدى المرات سقطت مسيّرة (إسرائيلية) وقام الإيرانيون بجمع بقاياها.
على أي حال، احتمال أن توافق أذربيجان على عمل طائرات سلاح الجو "الإسرائيلي"، انطلاقاً من أجوائها ضد إيران، هو ضعيف للغاية، وحتى غير موجود. التعاون الاستخباراتي شيء وشن عملية عسكرية "إسرائيلية" من أراضي الدولة المسلمة هو شيء آخر، ومن شأنه تغيير قواعد اللعبة بين الدولتين، وفي المنطقة كلها. معنى ذلك أن إيران ستشن حرباً وليس لدى أذربيجان أي رغبة في خوضها.
ويتساءل فيرتر، لنفترض أن طائرات سلاح الجو "الإسرائيلية" ستنجح في المرور في أجواء الأردن والعراق أو السعودية من دون كشفها، أو أن تشارك هذه الدول في العملية مع "إسرائيل". ماذا عن الوجود الكثيف للولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا في منطقة الشرق الأوسط؟ من دون ذكر تركيا المعادية "لإسرائيل"، والتي سلّمت استخباراتها إيران في الماضي عميلاً "إسرائيلياً".
باختصار، احتمال أن تتحرك طائرات سلاح الجو "الإسرائيلي" بصمت ومن دون كشفها ومن تحت الرادار يوازي الصفر. إذا حدث مثل هذه المعجزة، وأيضاً إذا أرسلت "إسرائيل" كل قوتها الجوية القتالية في هذه المهمة، فستكون عملية لمرة واحدة، بعكس هجوم أميركي يمكن أن ينفَّذ على عدة موجات ويستمر أياماً وأسابيع. كل الإدارات الأميركية (أوباما، وترامب، وبايدن) عارضت مثل هذا الهجوم وتعارضه.
المظلة النووية هي البديل!
ولتجاوز الخيار الصعب، الذي يوازي الصفر، يدعو المحلل السياسي في صحيفة هآرتس يوسي فيرتر تل أبيب إلى عدم تضييع وقت إضافي، مع إستئناف مفاوضات فيينا النووية، ويقول إن "إسرائيل" مدعوة إلى مطالبة الولايات المتحدة بتوفير مظلة نووية لها كما فعلت سابقاً مع كوريا الجنوبية.
“يتعين على إسرائيل التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة لمنحها “مظلة نووية”، وأيضاً التصريح عن ذلك علناً. هذه هي الاستراتيجيا المطلوبة الآن مع استئناف المحادثات النووية في ڤيينا بين إيران والدول الكبرى، وذلك على خلفية تشاؤم كل الأطراف بشأن فرص التوصل إلى اتفاق، ومع الإدراك أن "إسرائيل" غير قادرة فعلاً على التحرك على المستوى العسكري. اقتراح الحصول على مظلة نووية يمكن توسيعه ليشمل أيضاً حلفاء الولايات المتحدة و"إسرائيل" – السعودية والإمارات والبحرين – إذا أرادوا ذلك. ما معنى “مظلة نووية”؟ معناه أن كل تهديد نووي توجهه إيران نحو "إسرائيل"، ولو ضمنياً، سيواجَه بتهديد أميركي مضاد باستخدام سلاح نووي. بحماية اتفاق كهذا، تواجه كوريا الجنوبية خصمها النووي كوريا الشمالية.
إن نشر مظلة نووية هو ضمانة نهائية للردع في مواجهة البرنامج النووي الإيراني (المزعوم) وخطره إذا قامت إيران بتركيب سلاح نووي وهددت "إسرائيل" بواسطته كي تنتزع من "إسرائيل" تنازلات.
