/منوعات/ عرض الخبر

بانوراما أيلول الفلسطيني... بين الهزائم والانتصارات

2021/09/17 الساعة 08:54 ص

وكالة القدس للأنباء - متابعة

لا يختلف شهر سبتمبر/أيلول عن غيره عندما يتعلق الأمر بالمآسي التي يتعرض لها الفلسطينيون؛ فلكل شهرٍ حكاية ومعاناة من نوعٍ جديد. المسألة إذن ليست في التواريخ والأشهر والسنوات، وإنما يتعلق الأمر باحتلالٍ ارتكب كل الفظائع والجرائم المروّعة بحق شعبٍ أعزلٍ، دفع كل الأثمان لمواجهة مشروع الإحلال والاستيطان والإلغاء ومحاولة طمس الهوية.

مثَّل "أيلول الأسود" في الأردن عام 1970 محطة فارقة في عمر الصراع، بعدما فقد الفلسطينيون أطول حدود مواجهة مع الكيان الصهيوني، لكن الأمر لا يفوق ما حدث من مجزرة مروعة بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيميْ صبرا وشاتيلا بلبنان في سبتمبر/أيلول 1982.

ولا يتعلق أمر أيلول فقط بأحداثٍ نزفت فيها دماء الفلسطينيين فحسب، بل إنه يتجاوز ذلك إلى وقائع ربما ساهمت في تغيير مسار الأحداث كلياً على مستوى الصراع كتوقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وكيان العدو في 17 أيلول 1978، واتفاق أوسلو (بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الصهيوني) في سبتمبر/أيلول 1993، أو هبَّة الفلسطينيين لرفض افتتاح نفق تحت المسجد الأقصى في سبتمبر/أيلول 1996، أو اندلاع انتفاضة الأقصى 2000، وكان سبتمبر/أيلول 2005 محطة مضيئة حين انسحب الاحتلال (الصهيوني) بضغط المقاومة من أول أرض فلسطينية محتلة (قطاع غزة).

– أيلول الأسود (1970)

من أجل وضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية في الأردن؛ بدأ الجيش الأردني في تنفيذ "خطة جوهر"، التي خسرت بها الثورة الفلسطينية الأردن (كمنطلق) لأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين وأكبر خط مواجهة للاحتلال، فضلاً عن اهتزاز العمق العربي للثورة الفلسطينية، وحالة التصدع المبكر في نسيج القوى الفلسطينية، والانشغال بصراعات جانبية.

أضف إلى تلك الخسارة الوطنية أن منظمة التحرير الفلسطينية أصيبت بهزة نفسية أثرت على المشروع الوطني الفلسطيني، وكان ضمن ردة الفعل إنشاء "منظمة أيلول الأسود" التي قامت بعدد من العمليات، منها محاولة اغتيال الملك الأردني، ومحاولة الانقلاب على الحكم، واستهداف السفير الأردني في لندن، واغتيال رئيس الوزراء وزير الدفاع الأردني وهو في اجتماع بالقاهرة.

– مجزرة صبرا وشاتيلا (أيلول 1982):

قُدر عدد ضحاياها بـ3500 -حسب تقديرات تحقيق للصحفي "الإسرائيلي" أمنون كابليوك- خلال ثلاثة أيام فقط (15–17 سبتمبر/أيلول 1982). ويبدو أن الهدف "الإسرائيلي" التقى مع هدف بعض المليشيات (اليمينية الفاشية العميلة للعدو الصهيوني) لضرب الوجود المدني والعسكري الفلسطيني في لبنان.

وعلى إثرها تم عقد قمة "فاس" بالمغرب حيث طُرح فيه مشروع تناغم مع الاحتلال "الإسرائيلي". رفض لبنان لجنة دولية لتقصي الحقائق، واليوم –وبعد مرور (39) سنة على المجرزة- لا نسمع صوتا لا إعلاميًا ولا سياسيًا ولا قانونيًا لمعاقبة المجرمين (القتلة) وكشف الغطاء عنهم.

أما دوليًا فقد صنفت الأمم المتحدة المجزرة بأنها "حرب إبادة"، إلا أنه تم الاكتفاء بلجنة تحقيق خرجت بقرارات هزيلة لم تُحمّل "إسرائيل" المسؤولية، وتم تهرب الفاعلين من المجزرة مما ساهم في عدم الملاحقة القانونية لـ"إسرائيل".

وقد أكدت المجزرة وخروج منظمة التحرير من لبنان ما وقع في الأردن 1970، ولكن بشكل أكثر بشاعة باعتبار أنه لا توجد خطوط حمر، وأن الشعب الفلسطيني بدون قوة تحميه معرض للذبح في رابعة النهار.

– اتفاق أوسلو (أيلول 1993):

تضمن "اتفاق أوسلو" (المشؤوم) اعتراف دولة الاحتلال بالمنظمة بأنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، واعتراف منظمة التحرير بـ"إسرائيل" (كيان العدو الصهيوني) على 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة (الغربية المحتلة) وغزة (المحاصرة).

كما نص على نبذ "الإرهاب" و"العنف" (تمنع المقاومة المسلحة ضد الاحتلال) وتحذف البنود التي تتعلق بها في ميثاق المنظمة، على أن يتم خلال خمس سنين انسحاب دولة الاحتلال من الضفة الغربية وقطاع غزة على مراحل أولاها مرحلة أريحا وغزة اللتين تشكلان 1.5% من أرض فلسطين، وصولاً إلى دولة في حدود عام 1967.

فتح اتفاق أوسلو الباب للتطبيع وضياع الحلم الفلسطيني، كما كان صافرة لبدء الانقسام الفلسطيني، وهو الشرخ الطُولي الممتد حتى لحظتنا هذه. فشلت أوسلو فكرة وتطبيقا، وساهمت في المزيد من الاستيطان الذي قضم القدس والضفة الغربية، إذ تطور عدد المستوطنين في الضفة من 65 ألفا إلى مليون بعد أوسلو، وقد وفرت لهم سلطة أوسلو الأمن عبر "التنسيق الأمني"، الذي يعتبره رئيس السلطة محمود عباس بأنه (مقدس)!..

واليوم وصل أوسلو إلى الجدار الأخير بإعلان فشله من لدن أصحابه وعرّابيه ورعاته، ولكن الشعب الفلسطيني ما زال يدفع فاتورته.

– هبّة النفق (أيلول 1996)

في صباح 25 سبتمبر/أيلول 1996أقدمت "إسرائيل" على جريمة فتح باب نفق يمتد بطول 450 متراً أسفل المسجد الأقصى، بعد محاولتين فاشلتين لفتحه في عاميْ 1986 و1994.

وكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير نتيجة لتراكمات من ممارسات حكومة الاحتلال، حيث ارتقى (63) شهيداً. ومثلت هذه الهبة إشارة إلى الخرق القادم من جهة أوسلو، ودشنت روح الأقصى التي ستندلع بعد سنوات بانتفاضة ملحمية هادرة.

– انتفاضة الأقصى (أيلول 2000)

انطلقت هذه الانتفاضة يوم 28 سبتمبر/أيلول 2000 إثر زيارة (وزير حرب العدو المجرم أرئيل)  شارون للمسجد الأقصى، وفي ظل فشل مشروع التسوية الذي جسّده فشل كامب ديفد وانسحاب ياسر عرفات، وتميزت عن الانتفاضة الأولى بكثرة المواجهات وتصاعد وتيرة العمليات (الاستشهادية)..

وبحسب أرقام رسمية؛ فقد استشهد 4412 فلسطينيًا وجرح 48322 شخصا، فيما قُتل 1069 "إسرائيليًا" وجُرح 4500 آخرون. وتم في هذه الفترة البدء ببناء جدار إستيطاني على امتداد الضفة الغربية المحتلة.

وفي سبتمبر/أيلول 2016 أقر الكيان الصهيوني تخصيص ملياريْ شيكل لبناء جدار إسمنتي تحت الأرض وفوقها، ليحاصر غزة الجريحة بعد ملحمة 2014 لتأكيد هذه العقيدة: "لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ" (الحشر: 14)؛ بينما أثبت الشعب الفلسطيني - بثورته المتجددة - أنه أكبر من قيادته، وغير قابل للهزيمة والتراجع مهما كانت التضحيات.

– الانسحاب من غزة (أيلول 2005)

تم انسحاب الاحتلال "الإسرائيلي" من قطاع غزة من جانب واحد تحت مسمى "خطة الانفصال" في سبتمبر/أيلول 2005.

ومثَل مشهد تخريب المستوطنات وتفكيكها وهذا الانكفاء والانسحاب المُذل - كنتيجة لانتفاضة الأقصى - تجسيداً لقوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ" [الحشر: 2].

وتم إحلال مفهوم "المجتمع المذعور" داخل تجمعات الاستيطان في قطاع غزة، وفي ذلك قال وزير (الحرب) "الإسرائيلي" حينها شاؤول موفاز: "إن العمليات المسلحة التي عرفها الجيش الإٍسرائيلي في قطاع غزة لا تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل قبل ذلك".

مثّل الانسحاب من قطاع غزة بارقة أمل فلسطيني بإمكانية الانسحاب الصهيوني من أراضٍ فلسطينية إضافية، كما مثّل هذا الانسحاب امتداداً للانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان في مايو/أيار 2000، الذي أضاء حينها طريقا جديدا للفلسطينيين في ظل فشل كامب ديفيد وانكفاء خيار المفاوضات، وسقوط أوسلو وحصار عرفات بانطلاق انتفاضة الأقصى.

كما رسّخ الانسحاب منهجاً فلسطينياً جديداً فعّالاً ومجدياً، وهو المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها العمل العسكري، وأثبت هذا الاندحار الصهيوني توفر خيارات أمام الشعب الفلسطيني، يمكن الاتكاء عليها ومنحها فرصة إضافية لتحرير أجزاء إضافية من أرض فلسطين.

كما منح هذا الانسحاب ولأول مرة أرضاً فلسطينية خالصة للشعب الفلسطيني، يمكن أن يطلِق من فوقها مشروعه الذي يريده، بعيداً عن غول الاستيطان وسيطرة الجيش الصهيوني والالتزام بالتفاهمات والاتفاقات الموقعة.

وكان من الممكن أن يمثل الانسحاب من قطاع غزة تحولاً فلسطينياً داخلياً عن النظرة الفلسطينية الضيقة إلى صياغة رؤية فلسطينية موحدة، على أساس إجماع وطني بعد توفر قطعة أرض فلسطينية محررة يمكن الانطلاق منها برؤية وطنية جامعة وشاملة، ولكن للأسف الشديد تكرس الانقسام الفلسطيني، بسبب وجود سياستين ورؤيتين متناقضتين في رام الله وغزة.

أخيراً: لقد جسدت محطات "أيلول الفلسطيني" خطًّا بيانيا لحركة شعب خرج كالعنقاء بعد نكسة 1967، وتشتت في المنافي بحثًا عن فلسطين؛ فسكن إلى جوارها ولم تسعفه المرحلة العربية، ولا أسلوبه القيادي المبعثر في مواصلة الإمساك بزمام مشروعه التحرري، فدفع الثمن من دماء شعبه عبر المجازر ومزيد من الغربة في صحراء العرب، وخاض تجربة العلاقة مع المحتل عبر اتفاقات دولية، فدخل في نفق السراب والأوهام.

ثم عادت الراية إلى الشعب عبر انتفاضة ملحمية أثمرت تحريراً لأول أرض فلسطينية، لتشكل بارقة أمل لخيار بديل في ظل تنكر الاحتلال للاتفاقات، وما يصاحب ذلك من وهن عربي ورعاية أميركية للربيبة "إسرائيل".

واليوم وعبر مسيرات العودة الكبرى في غزة؛ والمعارك التي خاضتها المقاومة وآخرها سيف القدس التي أرست قواعد اشتباك جديدة، قلبت المعادلات وغيرت مجرى الصراع، حيث وضعت سلاح غزة في سياق المواجهة الشاملة مع العدو الصهيوني، ولم يعد مقتصرا ومحصورا في الدفاع عن القطاع المحاصر.. فهذا السلاح صاحٍ لمواجهة المس بالأقصى والمقدسات، والدفاع عن أهالي القدس المهددون دوما بالتهجير والإبعاد، وحماية الأسرى والسعي الدائم لتحريرهم...

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/172769

اقرأ أيضا