وكالة القدس للأنباء – محمد حسن
للوهلة الأولى تشعر أنك في وطن صغير يحمل في طياته الكثير من البلد الأم، تفوح فيه رائحة الزعتر في كل مكان.. تسمع طرق المطرقة في كل حي وزاروب.. ترى تجمعات الأمهات.. وتعيدك أحاديث الكبار والأبناء والأحفاد والعادات التراثية إلى فلسطين.. نعم إنه المخيم الأقرب إلى أرض الوطن، مخيم الرشيدية للعائدين الفلسطينيين، الذي ما زال يتميز بروح التعاون والتكافل والتراحم، ويحرص على نقلها للأجيال، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، مع تدهور الوضع الاقتصادي والمالي في البلد.
اتكأ اللاجئ الفلسطيني في مواجهة كل التحديات على هذا الزاد وتابع حياته والأمل يحدوه بتجاوز كل المحن.
سمعت صوتاً من دار أحد المنازل ينشد أغنية تراثية "يا ظريف الطول وقف تاقولك.. رايح عالغربة وبلادك أحسنلك.. خايف يا ظريف تروح وتتملك.. وتعاشر الغير وتنساني أنا"، فأستأذنت أصحابه للدخول، ولدى دخولي وجدت تجمعاً للأمهات والبنات اللواتي يقمن بدق الزعتر وطحن الفلفل الحر، وسمعت أحاديثاً دارت بينهن عن كيفية تأمين الزعتر والسماق والسمسم والفلفل، وبدأت كل واحدة تحكي عن طريقة إعدادها للزعتر والفلفل التي تعلمتها من والدتها.. نعم هناك اختلاف في بعض الطرق، إلا أن جميعهن يعدون هذه المونة بشكل جميل ورائع.
أنها عادات الزمن الجميل، بهذه الجملة بدأت الحاجة أم محمد السيد حديثها لـ"وكالة القدس للأنباء" عن إعداد الزعتر وطحن الفلفل وتخزين المونة، فبعد تنهيدة طويلة استذكرت الحاجة أيام فلسطين، وكيف كانت الألفة والمحبة بين الجيران والأهالي، قائلة: "لما كنا بدنا ندق زعتر ونطحن فلفل ونحضر المونة، كنا نجتمع نحنا والجيران كلنا في دار وحدي، كل حدا عندو شغلي يجيبها، ونتقاسم كل شي مع بعضنا، ما كان في تفرقة بين بيت وبيت، وكنا لما نبلش شغل نغني أغاني تراثية تنسينا تعبنا، وضحك ومزح، وما نحس الا الوقت قطع وخلصنا أشغالنا".
وفي السياق، قالت الحاجة أم أشرف: "اسا بتشوف الناس خايفة من الوضع الاقتصادي والمالي والمازوت والبنزين، زمان ما كانوا هدول وكنا عايشين برعاية ربنا، الي أنا خايفة نفقدوا هوي حبنا لبعض، لأنو هادا الشي الوحيد الي بدمر الأمم، احنا كرمال نظل محافظين على قوتنا لازم نرجع لعادات أجدادنا وهي الزراعة وتربية الماشية، وبظن أنو هادا الشي ممكن، هوي مش بحاجة لإمكانيات طائلة، بالنسبة للزراعة فينا نزرع على أسطح المنازل، وممكن نبدا بماشية وحدة ونبلش نجيب أكتر، مش ضروري نعقد الأمور، لازم نروح عالبدائل".
بدورها، أشارت الحاجة أم حسن إلى روح التعاون والتكافل التي كانت سائدة في مجتمعنا الفلسطيني قبل النكبة، قائلة: "بالإضافة أنو كنا نتساعد في إعداد مونة الشتاء، كان لما الجار بدو يعمر بيتو، تجتمع كل شباب الحي للمساعدة، بس للأسف هادا الشي بلش يتلاشى بمجتمعنا"، مضيفة: "يا ريت ترجع روح التكافل بين أهلنا، ويا ريت لو نرجع لعاداتنا أيام زمان، صدقني بوقتها نحنا بنكون أحلى مجتمع".
