خلال الأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة الفلسطينية، على امتداد فلسطين التاريخية، حتى بلاد اللجوء، وتجلت فيها الوحدة الوطنية بأبهى صورها، في الوقوف مع المقاومة التي هبَّت لنجدة أبناء القدس وأحيائها المهددة بالتهجير، وللدفاع عن المسجد الأقصى الذي تستبيح ساحاته قطعان المستوطنين، وتحضر له سلطات الاحتلال مصيرا شبيها بما جرى للمسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل المحتلة.
عن هذه الوحدة قال عضو الأمانة العامة لحركة "أبناء البلد" في الداخل الفلسطيني المحتل، محمد كناعنة (أبو أسعد) في حوار مع وكالة القدس للأنتباء: هذه الوحدة هي الإنجاز، وعلى هذا يجب أن نبني أسس الوحدة بين أبناء شعبٍ يحملون قضية واحدة لا قضايا، تختلف الساحات وتجمعنا فلسطين وحق العودة والحرّية والتحرير..
وأضاف كناعنة، سنستمر في الوقوف مع أهلنا في الشيخ جراح وفي سلوان، في حي البستان وبطن الهوى.. سنبقى نحمل همَّ الأقصى والدفاع عنهُ..
وشدد كناعنة في حواره مع وكالة القدس للأنباء، على أن الانتصار الذي تحقق، لن يكسرهُ الا طريق رام الله واشنطن تل أبيب، فهذا الطريق المدعوم من بعض العواصم العربية المُطبعة يسعى تحت شعار "إعادة الاعمار" الى فرض أجندة تقضي الى تحييد المقاومة لسنوات طويلة، على طريق ضربها وابادتها.
وعن حملات الاعتقال التعسفية التي تطال المئات من الصبايا والشباب، على أيدي أجهزة المخابرات الصهيونية قال كناعنة لوكالة القدس للأنباء: هذه الحملات المخابراتية الصهيونية، تأتي استكمالا للسياسة الاستعمارية، في محاولة لقمع هذا الشعب العظيم المقاتل في سبيل الحُرّية... وسوف تفشل كما سابقاتها.
فيما يلي النص الكامل للمقابلة
إعتقال وتنكيل ومطاردة
س: كيف سترد الحركة الوطنية الفلسطينية بالداخل المحتل على حملة الاعتقالات المسعورة التي تشنها سلطات الاحتلال، وتستهدف الناشطين الشباب بشكل خاص؟
كناعنة: الحركة الوطنية في الداخل المحتل عام 1948 تعرّضت، كما شعبنا برمّتهِ، إلى حملات اعتقال وتنكيل ومطاردة، منذ النكبة وقبلها وبعدها. واليوم تأتي هذه الحملات المخابراتية الصهيونية، استكمالا للسياسة الاستعمارية، في محاولة لقمع هذا الشعب العظيم المقاتل في سبيل الحُرّية.
لقد شكلت الانتفاضة الأخيرة صعقة للمؤسّسة الصهيونية، وعملت على قمعها بالحديد والنار وباعتقال ما يقارب الألفين من الشباب والصبايا في مدن وقرى الداخل والقدس، بهدف ترويع هؤلاء الصبايا والشباب. الحركة الوطنية تعمل على مساندة المعتقلين والالتحام معهم. هناك المسار "القضائي القانوني" عبر المحاكم الصهيونية، وهناك المسار الشعبي النضالي. ومتابعة هذا الملف الان هو من أولوياتنا، في هذه المرحلة، مع عدم إغفال الحالة الوطنية العامة، والاستمرار في النضال والكفاح ضد الاستعمار الصهيوني وممارساته في القدس تحديدًا وفي المواقع الأخرى بشكل عام.
هكذا نواجه موجة الاعتقالات
س: ما هو برنامجكم لمواجهة الإجراءات التعسفية التي تطال العمال والموظفين الفلسطينيين؟
كناعنة: هناك عشرات بل وقد تصل الى مئات الملفات من هذا القبيل. فما نتعرّض لهُ من سياسة القمع لا يقتصر حتمًا على الجانب الأمني. فالجانب الاقتصادي المعيشي والوظيفي هو من الجوانب المهمة والخطيرة، حيثُ ملاحقة أبناء شعبنا على مواقفهم وانحيازهم الى شعبهم بلقمة عيشهم، ومن خلال التضييق عليهم في العمل والوظيفة ومختلف مجالات الحياة.
هناك غرفة طوارئ تعمل على مواجهة هذه الموجة من الاعتقالات، حتى الفصل من العمل، أو التهديد بالفصل والتنكيل في أماكن العمل.. غرفة الطوارئ هذه تضم العديد من المؤسّسات الأهلية، والجمعيات ذات الاختصاص، الى جانب لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في الداخل، والاحزاب السياسية واللجنة القطرية للسلطات المحلية.
ومتابعة هذه الملفات يتم تحديدًا من خلال تقديم الإستشارة والمتابعة القانونية لمختلف القضايا والملفات. هذه الغرفة، بالرغم من كل ما يحيط بها من تحفظات أو نزاعات بين مركباتها، لكنّها كتجربة وليدة، مهمة ويجب البناء عليها لتصويب أدائها.
المقاطعة موقف سياسي وطني
س: كيف تتوقعون مسار الدعوة للمقاطعة؟
كناعنة: منذ بداية العدوان على غزة، ومع تصاعد التحام أبناء الداخل الفلسطيني مع شعبهم، خرجت دعوات صهيونية لمقاطعة الفلسطينيين في الداخل، مقاطعة العمل معهم والتعامل الاقتصادي التجاري، وهي دعوات انتقامية ولا تضر المجتمع الفلسطيني بالشكل الذي قد يصوّره البعض. بالمقابل مقاطعتنا، نحنُ الفلسطينيين، ستضرب عصب التجارة في السوق الصهيوني. فهناك مجمعات تجارية ضخمة ومؤسّسات اقتصادية صهيونية قائمة على زبائنها الفلسطينيين.
لهذا، فإن مشروع المقاطعة بالنسبة لنا هو أكثر من مجرد امتناع عن الشراء من السوق الصهيوني. هو في جوهرهِ موقف سياسي وطني يرفض دعم الاستعمار ومؤسّساته، وايضًا، وهذا الجانب المهم يسعى ويهدف الى دعم المُنتِج والمُنتَج الوطني المحلي. فالبدائل المحلية متوفّرة، ونحن نسعى اليوم الى تكثيف حملات التوعية باتجاه دعم السوق المحلي، بكل ما تحمله هذه الحملة من معاني وطنية في الانتماء والصمود وفي معركة البقاء والوجود.
إستمرار التلاحم مع بوصلة الأمة
س: بعد وقف إطلاق النار، ما هي خطواتكم العملية لمواصلة دعم أبناء القدس المهددون بالتهجير في الشيخ جراح وبطن الهوى وسلوان؟.. والدفاع عن الأقصى بمواجهة استباحته من قبل قطعان المستوطنين الصهاينة؟
كناعنة: هناك إجماع على الاستمرار في دعم القدس، استمرار في التلاحم مع بوصلة الأمّة والبقاء على قيد النضال ضد الاستعمار وممارساته في المدينة. سنستمر في الوقوف مع أهلنا في الشيخ جراح وفي سلوان، في حي البستان وبطن الهوى.. سنبقى نحمل همَّ الأقصى والدفاع عنهُ. سنبقى على عهد قيامة المسيح والذود عنها. قد يكون هناك من لا يريد أن يسمع هذا الكلام وأن لا يرى انتفاضة في الشارع الفلسطيني، لكن الاستعمار يحمل في أحشائه اللعينة كل أسباب الانتفاض على القهر والظلم.
نعم، وجودنا في كل أحياء القدس هو مقاومة، صلاتنا في الأقصى والقيامة مقاومة، تجوالنا في أسواق المدينة وعلى عتباتها هو مقاومة، نضالنا متعدّد الأشكال وسنبقى على قيد عشقِ القدس لأنها قلب فلسطين النابض.
الوحدة الحقيقية تجلت بالشيخ جراح
س: كيف نستطيع حماية الوحدة التي تجلت بانتفاضة الشيخ جراح؟.. وما هي مقاربتكم لتحصين الانتصار الذي تحقق بمعركة "سيف القدس"؟..
كناعنة: الوحدة الحقيقية هي على الأرض، تجلّت في الشيخ جراح وحولها، الوحدة هذه تحتاج الى تغليب الوطني العام على الحزبي الفصائلي الخاص، تتطلّب التمسك بالمشروع الوطني والاستمرار في حمله نحو التحقيق لا نحو المساومة، يجب استبعاد فريق أوسلو من محاولة جني ثمار الانتصار، هكذا سنحمي الوحدة والمشروع الوطني.
نحن أمام جيل لن يهدأ إلا بالتحرير
س: ما هي رسالتكم للواهمين الذين يحاولون سرقة الانتصار وركوب موجته للعودة الى مسار المفاوضات العبثية، الذي بدأت الادارة الأمريكية تلوح به، وتسخر له الدول العربية المطبعة، واستغلال إعادة الإعمار لفرض شروط عجزوا عن تحقيقها بالعدوان والمجازر؟.
كناعنة: منذ البداية حذّرنا من فريق "أوسلو" ومساعيه التآمرية على القضية الوطنية وتحديدًا على المقاومة، هذا النصر لن يكسرهُ الا طريق رام الله واشنطن تل أبيب، فهذا الطريق المدعوم من بعض العواصم العربية المُطبعة يسعى تحت شعار "إعادة الاعمار" الى فرض أجندة تقضي الى تحييد المقاومة لسنوات طويلة على طريق ضربها وابادتها.
رسالتنا الواضحة للواهمين، لن تنالوا من هذا الشعب الذي استعاد وحدتهُ الطبيعية من دونِ اذنٍ من أحد، بل على الرغمِ من كلّ من تآمر على وحدة هذا الشعب. نحن أمام جيلٍ لن يهدأ لهُ بال حتى التحرير.
برنامج تحرير فلسطين
س: ما هي أبرز الإنجازات التي تحققت خلال معركة سيف القدس وما سبقها من تحركات داعمة لأبناء الشيخ جراح وحي سلوان وبطن الهوى، والأقصى ؟..
كناعنة: من أهم إنجازات ما حصل في العدوان الصهيوني على قطاع غزة وفي اعتداءاته المُستمرّة في القدس، وبخاصة في حي الشيخ جراح وحي سلوان والمسجد الأقصى، هو الوحدة الميدانية التكاملية بين مُختلف قطاعات الشعب الفلسطيني، في الضفة الغربية والقدس، في غزة والداخل المحتل عام 48، في الشتات ومخيمات اللجوء، والحركة الوطنية الفلسطينية الاسيرة، رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري...
هذه الوحدة هي الإنجاز وعلى هذا يجب أن نبني أسس الوحدة بين أبناء شعبٍ يحملون قضية واحدة لا قضايا، تختلف الساحات وتجمعنا فلسطين وحق العودة والحرّية والتحرير، وعليه نرى لزامًا بأن يتم القطع بين سلطة أوسلو ومشروع منطمة التحرير الفلسطينية، حيث أنَّها هي السقف الجامع للشعب الفلسطيني ببرنامجها التاريخي والذي قامت من أجلهِ، برنامج تحرير فلسطين.
الحكومات "الإسرائيلية" لا تختلف في الجوهر
س: إلى أين يتجه الوضع الحكومي في الكيان.. وهل سنشهد دخول مجرم الحرب المهزوم نتنياهو الى السجن، على غرار ما حصل مع ايهودا أولمرت المهزوم أيضا أمام المقاومة اللبنانية في العام 2006؟
كناعنة: الماراثون نحو تشكيل حكومة "تغيير" كما يحلو للبعض أن يُسميها، في أوجهِ الآن، المعركة هي على اسم رئيس الحكومة وليس على برنامجها، فالحكومات الصهيونية لا تختلف أبدًا في الجوهر عن بعضها البعض فيما يخص القضية الفلسطينية.
المعركة الراهنة تدور حول هدف واحد، هو اسقاط بنيامين نتياهو من سدّة الحكم في الكيان. هذا الشعار الذي التفَ حولهُ قادة الأحزاب الصهيونية من مشارب ما يسمى باليمين واليسار الصهيوني ومعهم الأحزاب العربية المُشاركة في الكنيست الصهيوني، ورغم وصول المفاوضات الى مرحلة متقدمة لكن ما زالَ بنيامين نتنياهو هو الأقوى. سيناريوهات عدة تُطرح في ظل الواقع الجديد، حيث أنَّ رئيس أصغر حزب سُيكلّف في تشكيل الحكومة القادمة اذا ما نجح في تحييد بعض العقبات التي قد تُطيح بأحلامهِ، فنفتالي بينيت الجنرال المتقاعد، المستوطن في الضفة، فكلهم مستوطنون، قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمهُ بأن يصبح رئيسًا لحكومة الاحتلال، أما الدخول الى انتخابات خامسة، وهذا أمر وارد، فسيُعيد الليكود وبنيامين نتنياهو بقوة الى الحُكم.
أما تشكيل الحكومة وبقاء الليكود في مقاعد المعارضة فسيفتح الباب على مصراعيه لاحتمالين: الأول فوز نتنياهو برئاسة الليكود، وهذا سيجعلهُ يحارب لاسقاط الحكومة الجديدة وأسباب سقوطها كثيرة، والثاني خسارته فيما سيعني اضعاف الليكود وسيصبح بنيامين نتنياهو زائرًا دائمًا في أروقة المحاكم الصهيونية، وقد يصبح وراء القضبان في وقت لاحق.
أجرى الحوار: سمير أحمد