منذ أن شرعت "اسرائيل" في قصف غزة وتدمير أبراجها بطائراتها الحربية – ما أسفر عن سقوط المئات من الضحايا المدنيين، ضمنهم أطفال ونساء – اشتعلت حملات غير مسبقة على منصات التواصل الاجتماعي، تندد بالعدوان الإسرائيلي وتتضامن مع الشعب الفلسطيني، شارك فيها لأول مرة عدد كبير من مشاهير العالم العربي والغربي، من ضمنهم نجوم هوليوود ونجوم الموسيقى والرياضة وعالم الأزياء.
أولهم كان مارك رافالو، المعروف بأداء دور الرجل الأخضر في أفلام «مارفل» والذي أطلق حملة على منصة «تويتر» استنكر فيها تهجير سكان «حي الشيخ جراح» من بيوتهم، حيث كتب في تغريدة: «1500 فلسطيني يواجهون التهجير في القدس. 200 متظاهر أصيبوا بجراح. 9 أطفال قُتلوا. العقوبات على جنوب افريقيا ساهمت في تحرير السود، آن الأوان لفرض عقوبات على إسرائيل من أجل تحرير الفلسطينيين. انضموا إلي لتحقيق ذلك».
رافالو، الناشط سياسياً واجتماعياً وبيئياً، قام بحملة مشابهة عندما اندلعت حرب غزة عام 2014، لكنه لم يجد من يسانده آنذاك، بل واجه هجوماً شرساً من مؤيدي إسرائيل، الذين اتهموه بالعداء للسامية. وقد كشف لي في ذلك الوقت أنه لم يواجه مثل ذلك الهجوم الشرس في أي من نشاطاته الأخرى. «ليس عجباً أن أحداً في هوليوود لا يتجرأ على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي»!
نجمات مثل ريهانا وسيلينا غوميز، أُجبرن على محو تغريداتهن أو تعديلها لتبدو محايدة بعد أن واجهن استنكاراً من مؤيدين لإسرائيل، وضغطاً من قبل مدراء أعمالهن وتهديداً بخرق عقودهن مع شركات التوزيع الضخمة. وخلال مقابلة مع ريهانا، سألتها عن سبب تصرفها بهذا الشكل، فتدخلت وكيلة علاقاتها العامة ومنعتها من الإجابة وطلبت مني عدم سؤالها عن الموضوع، بينما بقيت ريهانا ساكتة ومرتبكة أمامي ولم تحرك ساكناً.
محاولاتي لانتزاع تصريحات أو تعليقات من نجوم آخرين حول استهداف مستشفيات الأطفال في غزة آنذاك باءت بالفشل، إذ كانوا يراوغون أو يتأسفون أو يمنعهم مدراء علاقاتهم العامة من الرد. كما أن سفيرة اليونيسيف للنوايا الحسنة، ليف تايلار، وهي نجمة ناشطة جداً، رفضت الرد وأبت أن تندد أو تعلق على قصف مستشفيات الأطفال عندما سألتها عن رأيها.
أنجلينا جولي كانت الوحيدة التي وافقت على التعليق، مستنكرة قصف غزة وقتل الأبرياء، دون أن تسمي إسرائيل بالاسم، مؤكدة أنه سلامة الناس تأتي قبل أمن الدول.
مقدم برنامج «دايلي شو» الكوميدي اليهودي جون ستيوارت، أيضاً كشف لي عندما التقيت به في حفل هوليوودي، عن تعرضه لضغط هائل من مسؤولي شبكته الإعلامية واستنكار من قبل جمعيات يهودية اتهمته بكراهية الذات. وهمس في أذني قائلا إن هناك قوى إعلامية ذات نفوذ هائل في الولايات المتحدة تحتكر السرد حول الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني وتغطي على انتهاكات الحكومة الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين.
النجمة الهوليوودية والناشطة سوزان ساراندون أيضاً انتقدت استخدام الإعلام الرسمي مصطلحات وكلمات مثل «الصراع» و»المواجهات» و»القصف المتبادل» التي توحي بتكافؤ في القوة العسكرية بين إسرائيل والفلسطينيين وإلى تعرض المواطنين في كلا الجهتين لخطر مماثل، إذ أن المواطن الإسرائيلي يسمع صافرات الإنذار قبل وصول الصواريخ، ويمكنه الاختباء في الملاجئ، كما أنه يحصل على الدعم المادي والتأمين وأرقى الخدمات الصحية، بينما ليس للفلسطيني مفر، فهو لا يعلم متى وأين سيقع الصاروخ الإسرائيلي، وإن عرف فليس هناك ملجأ يحتمي به، ولا يسعه سوى انتظار الموت المحتم.
الوضع تغير هذه المرة
لكن يبدو أن الوضع تغير هذه المرة، وذلك بفضل منصات مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت أكثر نفوذاً وتأثيراً من وسائل الإعلام الرسمية، التي كانت تحتكر الحقائق وتبث السرد الإسرائيلي دون منافسة. فصور تدمير المباني وقصف الأحياء السكنية المكتظة في غزة وصراخ الأطفال المصدومين أو المصابين بدأت تبث بشكل حي عبر السوشيال ميديا إلى كل أرجاء العالم، فتخطت بذلك رقابة وحواجز الإعلام الرسمي.
تلك الصور أثارت مشاعر الجماهير العالمية، الذين صاروا يتبادلونها عبر الإنترنت، وعززت من وعيهم تجاه مأساة الشعب الفلسطيني، الذي كان يطرح في الإعلام الرسمي كالجانب الشرير، فاندلعت حملات الاستنكار، التي جذبت إهتمام النجوم العالميين ودفعتهم إلى اتخاذ مواقف شجاعة وحاسمة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
فمنذ اندلاع الأزمة الأخيرة، نشرت النجمة الهوليوودية الحائزة على الأوسكار، فيولا ديفيس، صورة على حسابها في إنستغرام، حيث علقت تحتها شارحة لمتابعيها خلفية أحداث «الشيخ جراح». ولقيت دعماً من النجمة الهوليوودية الإسرائيلية، ناتالي بورتمان، المعروفة بمواقفها اليسارية والمناهضة لممارسات الحكومة الإسرائيلية، فقد عبرت لي في لقاء تلفزيوني قبل عامين عن غضبها تجاه سن قانون الدولة اليهودية، الذي يفضل اليهودي على العربي في إسرائيل، ووصفته بالعنصري.
نجوم آخرون مثل ممثل فيلم «الفهد الأسود» مايكل بي جوردان، والممثلة الأمريكية الإيرانية تالا آش والممثلة الأمريكية من أصول عراقية، عالية شوكت، أيضاً عبروا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.
لكن النجوم البريطانيين كانوا أكثر صرامة في استنكارهم للاحتلال الإسرائيلي، إذ صرحت الممثلة بوني رايت، التي لعبت دور «جيني ويزلي» في سلسلة «هاري بوتر» أن «ما يحدث في فلسطين ليس معقداً: إنه استعمار وتطهير عرقي»!
بينما ناشد الممثل ويل بولتر من على منصة تويتر الحكومة البريطانية استنكار الجرائم وتهجير سكان الشيخ جراح الفلسطينيين. أما ممثلة «لعبة العروش» لينا هيدي، فقد نشرت تغريدة كتبت فيها: «أنقذوا الشيخ جراح من الفصل العنصري الإسرائيلي الصهيوني».
عدد من نجوم عالم الموسيقى مثل «ذي ويكيند» وزارا لارسون وهالسي وكيلاني وتيناشي، أيضاً عبروا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ونشروا تغريدات و هاشتاغات «فلسطين حرة» بينما أثار سكوت منتج الموسيقى الفلسطيني الأمريكي، دي جي خالد، غضب معجبيه وطالبوه بالتضامن مع أبناء شعبه، فرد بنشر صورة للمسجد الأقصى ملحوقة بتغريدة بعث فيها الحب والصلوات لإخوته وأخواته الفلسطينيين ولكل شخص في العالم، مضيفا «أدعوا إلى السلام والمحبة للعالم كله ولكل شخص».
أما عائلة الأمريكي الفلسطيني، محمد حديد، الشهيرة فلم تتردد في دعمها للشعب الفلسطيني عبر مواقع التواصل الإجتماعي. فقد قامت ابنتاه عارضتا الأزياء الشهيرتان بيلا وجيجي، وابنه أنور وصديقته المغنية دووا ليبا بحملة صاخبة ناشدوا فيها العالم بحماية الفلسطينيين من العدوان الإسرائيلي ومنحهم حقوقهم الشرعية. ومرة أخرى واجهت ريهانا انتقادات لاذعة على الـ«سوشيال ميديا» بعد نشرها تغريدة عبرت فيها عن حزنها تجاه العنف القائم بين إسرائيل وفلسطين، مضيفة «يصعب علي مشاهدة أطفال إسرائيليين وفلسطينيين أبرياء يختبئون في الملاجئ». فسخر منها متابعوها، الذين ذكروها أن الفلسطينيين لا يمكنهم الاختباء لأنهم لا يملكون الملاجئ مثل الإسرائيليين.
لكن الاستنكار الأعنف وجه تجاه النجمة الإسرائيلية، غال غادوت، بعد نشرها صورة على حسابها في إنستغرام أرفقتها بتعليق عبرت فيه عن حزنها تجاه الحرب في وطنها وقلقها على أقاربها وأصدقائها. «إسرائيل تستحق العيش بحرية وبأمان، جيراننا أيضاً يستحقون نفس الشيء». دون أن تذكر الفلسطينيين بالإسم.
غادوت واجهت استنكاراً مشابها عندما نشرت تغريدة بعثت فيها حبها وصلواتها للجيش الإسرائيلي خلال حرب غزة عام 2014. لكن منذ ذلك الحين، غيرت نبرتها وصارت تتحدث عن تحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين. حملات الـ«سوشيال الميديا» الداعمة للجانب الفلسطيني استلهمها مروجوها من حملات «حياة السود مهمة» التي اشتعلت بعد مقتل الأمريكي-الأسود جورج فلويد على يد شرطي أبيض الصيف الماضي. ويذكر أن الكثير من الشباب الفلسطينيين الأمريكيين ساندوا وشاركوا في حملات «حياة السود مهمة» وطبقوا ما فعلوه هناك في معركتهم لدعم أبناء شعبهم في فلسطين.
زعزعة السرد الإسرائيلي
ويبدو أن حملات السوشيال ميديا زعزعت السرد الإسرائيلي لأول مرة الذي يهيمن على وسائل الإعلام الرسمي التقليدي، التي صارت توازن السرد الإسرائيلي مع السرد الفلسطيني كي لا تخسر مصداقيتها، وتقدم مداخلات مع خبراء مؤيدين للفلسطينيين للرد على طرح الخبراء المؤيدين لإسرائيل. وهكذا لم يعد الفلسطينيون مجرد أشرار يرغبون بالموت وقتل الإسرائيليين الأبرياء، ولم تعد إسرائيل ملاكاً يحمي أبناء شعبها من إرهابيين متوحشين.
رغم نجاح الحملات الفلسطينية على مواقع التواصل الإجتماعي، إلا أن الطريق لتغيير النظرة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي طويلة، فما يقارب 70 في المئة من الشعب الأمريكي ما زالوا متعاطفين مع الجانب الإسرائيلي. لكن حتى مؤيدي إسرائيل بدأوا يدركون أن الشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال ويقرون أن من حقه العيش بحرية مثل غيره من الشعوب. حقيقة يقر بها أيضا رئيسهم، جو بادين، المعروف بتأييده الراسخ لإسرائيل.
حسام عاصي – القدس العربي
