بقلم: راغدة عسيران
يخوض الأسير عماد سواركة (37 عاما) من أريحا الإضراب عن الطعام منذ 48 يوم، رفضا لاعتقاله الإداري. اعتقلته قوات الاحتلال في تموز/يوليو من العام الماضي (2020)، وقد أمضى في سجون العدو ما يقارب العشر سنوات، معظمها تحت بند الاعتقال الإداري.
قبل أيام، نقلته إدارة السجون من زنازين العزل في سجن عسقلان الى ما يسمى "عيادة" سجن الرملة، بعد تدهور حالته الصحية. وكانت قد نقلته من سجن النقب الى زنازين عسقلان بعد 25 يوما من شروعه في هذه المعركة التي يخوضها الأسرى المعتقلون إداريا، منذ إضراب الكرامة التي خاضه الأسير المحرّر الشيخ خضر عدنان في العام 2012.
الأسير عماد سواركة متزوج وأب لخمسة أطفال. يفيد جاد الله، شقيق الأسير، أن الحالة الصحية لأخيه عماد تدهورت بشكل خطير في الفترة الأخيرة، كما أكّد له المحامي الذي زار أخاه عماد، الذي حضر على كرسي متحرك للزيارة بسبب ضعف جسده بعد 40 يوما من المعركة، وفقد ما يقارب 18 كيلوغراما من وزنه.
وكان الأسير عماد سواركة قد قرّر الشروع في معركته القاسية بعد تمديد الاعتقال لأربعة أشهر للمرة الثالثة، فاعتبر أن التمديد المتواصل لاعتقال غير مبرّر لا يسنتد على أي سبب سوى أهواء الشاباك الصهيوني، سياسة ظالمة بحقه وبحق الشعب الفلسطيني. فقرّر الإضراب عن الطعام، وهو السلاح الوحيد الذي يمتلكه لمواجهة أشرس احتلال في العالم.
لكن الإضراب عن الطعام في السجون الصهيونية يعني، بالنسبة لإدارة السجون، حالة "تمرد" رفضا للواقع ويعدّ مواجهة سيطرة العدو على حياة الفلسطينيين بشكل عام وحياة المعتقلين خصوصا. والعدو الذي يحاول كسر معنويات الشعب الفلسطيني البطل، في السجون وخارجها، لا يتحمّل مجرّد إضراب عن الطعام لأنه يعني رفض سيطرته وتحكّمه بحياة الناس. فيقوم بعزل الأسير ونقله من سجن الى سجن للضغط عليه وزيادة حدة آلامه. يقول أخوه جاد الله أن الاحتلال يريد كسر إرادة عماد والضغط عليه الى أقصى حدّ لمنع تكرار المعارك المستمرة التي يخوضها المعتقلون الإداريون، في سجون العدو منذ سنوات، والتي يتمكّن الأسير من خلالها تحرير ذاته أو على الأقل تحديد مدة الاعتقال وعدم تمديده.
لم يترك العدو للأسير المعتقل الإداري إلا وسيلة واحدة لمواجهة سياسته الإرهابية الممنهجة في السجون، وهي الإضراب عن الطعام. ذلك لأن لا أحد يضمن عدم تمديد هذا الاعتقال الى ما لا نهاية، كما حصل مع أكثر من أسير بقي في المعتقل لسنوات.
الاعتقال الإداري ظلم مزدوج، بحق الأسير الذي يُنتزع من بين أهله ليزج في السجن، دون أي سبب، وبحق عائلته التي تعيش على أمل الإفراج عنه، وتنتظره دون معرفة متى سيفرج عنه، بسبب التمديد المتواصل. فهو أيضا إرهاب منظّم من قبل العدو، الذي يزج في سجونه من يريد إبعاده عن أهله ومجتمعه، لأنه يخاف من تأثيره السياسي والمعنوي، ولأنه يخشى هبّة أو انتفاضة أو ثورة، فيعتقد أن اعتقال بعض الشخصيات المؤثرة قد تمنحه بعض الهدوء والوقت لمواصلة جرائمه بحق الشعب الفلسطيني. لكن، وكما أكد شقيقه، الاسير عماد سواركة صامد ومعنوياته عالية رغم ضعفه الجسدي، وقد صمّم على مواصلة المعركة حتى النهاية "لأن أي انسان لا يقبل الإهانة"، والاعتقال بحد ذاته هو إهانة بحق الأسير وعائلته وبحق شعب بكامله.
لقد أكد نادي الأسير الفلسطيني، أن الاعتقال الإداري، خلال هذه الفترة التي يخشى فيها العدو انتفاضة الشعب الفلسطيني ضده، يطال الأسرى المحررين أولا، مثل الصحفي علاء الريماوي (43 عاما) الذي دخل أيضا في معركة الأمعاء الخاوية مباشرة بعد اعتقاله قبل أسبوعين، والأسيرة المناضلة منى قعدان من عرابة جنين (50 عاما)، التي اعتقلها العدو قبل ثلاثة أسابيع، ومدّد اعتقالها مرتين، وأبقاها في تحقيق سجن الجلمة، لمجرد أن مخابراته اعتبرتها تهديدا لسيطرته.
الاعتقال والملاحقة والاستدعاء ممارسات يومية مرتبطة بالاحتلال ومشروعه الإلغائي للشعب الفلسطيني. يعتقل العدو العشرات من المواطنين الفلسطينيين يوميا، والمئات في الحالات الثورية، ويستدعي آخرين لمراجعة مخابراته، وخاصة الأسرى المحررين من سجونه، كي يؤكد على مدار الساعة أنه المسيطر وأنه الحاكم. من خلال هذه الأساليب الإرهابية، يريد تعطيل حياة الفلسطينيين ومنع استقرارهم، كوسيلة لتشجيعهم على النزوح من قراهم ومدنهم وتركها للغزاة. فاخترع العشرات من الأساليب والآلات لمراقبتهم وتقييد تحركاتهم لبث الرعب في قلوبهم وجعلهم يتكيّفون مع سلب حريتهم الشخصية وحرية شعبهم ومجتمعهم.
لكن إصرار البقاء لدى الفلسطينيين، رغم المعاناة التي قد لا يتحملها أي شعب آخر، تغيظ العدو وتربكه، لأن هذا الإصرار على البقاء والصمود في البلاد يعني استنزاف قواته على الحواجز وتشتيتها، من شمال الضفة الغربية الى جنوبها، ومن الأغوار الى القدس، ثم من العراقيب ويافا الى أم الفحم وعكا، أضافة الى استنفار جنوده ومستوطنيه على حدود قطاع غزة، حيث تمثل المقاومة المسلحة كابوسا تؤرقهم ليلا نهارا، لمجرد وجودها. هذا الإصرار والصمود، بعد عقود من بداية الاستيطان والغزو المدعوم من قوى الاستكبار العالمي ومؤسساته الدولية، لا يؤشران إلا إلى حتمية انتصار الشعب الفلسطيني، رغم التفوق العسكري لصالح العدو.
فتكفي عملية واحدة، ينفذها فدائي مجاهد واحد، في منطقة واحدة، حيث يتمكن من اختراق أعقد تجهيزاته الأمنية، ليصيب الاحتلال بالجنون ويستنفر قواته العسكرية والمخابراتية (بمشاركة قوات السلطة الأمنية) ومستوطنيه المدججين بسلاح من آخر طراز. أو يكفي رفض الشباب المقدسي للحواجز الحديدية في ساحة باب العامود حتى يستدعي العدو كل ما يمتلك من آليات مصفّحة لترهيب الناس ورشّهم بالمياه العادمة، وجماعاته المسلّحة التي تبدو وكأنها هابطة من كوكب آخر لتقوم بضرب الشباب والمسنين، وتلاحق الأطفال وترعب العائلات، تماما كما يفعله الغزاة عادة بحق شعب تم غزو أرضه ووطنه.
ويكفي أن يقرّر أسير في سجون العدو الإضراب عن الطعام كي تتخذ إدارة السجون كل أشكال الأساليب القمعية بحقه، بعد أن أفقدته إمكانيات الدفاع عن نفسه، إذ لم تترك له شيئا إلا جسده. وبهذا الجسد، يصارع ويتحدى من أجل الحرية والكرامة، له ولشعبه.
لا يمكن الفصل بين وضع الأسير المضرب عن الطعام في سجون العدو، عن المواجهة التي يخوضها الشعب الفلسطيني خارج السجون ضد المحتل الغاصب، إن كان مجندا رسميا في جيش أو شرطة العدو، أم مجندا في المشروع الاستيطاني والمؤسسات المدنية الأخرى الداعمة للغزاة. لكن ما يميّز معركته عن المعارك المتعددة، هو أنه يستخدم جوعه وآلامه لإيصال صوته المتمرد على الظلم والمطالب بالحرية، ويضحي بصحته من أجل توعية البشر وايقاظهم ولفت انظارهم الى الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحقه وحق شعبه.
الأسير المضرب عن الطعام هو فدائي مكافح يضحي بحياته من أجل حرية الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة.
