بقلم: راغدة عسيران
قبل أيام، شنّت شرطة الاحتلال هجوما عنيفا على احتجاجات ومظاهرات شعبية في المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948: في مدينة أم الفحم، قمعت القوات الصهيونية وقفة احتجاجية ضد العنف والقتل، هذه الظاهرة المخيفة التي تجتاح الوسط الفلسطيني بدعم من المؤسسة الأمنية الصهيونية؛ وفي الناصرة، تظاهرت الجماهير الفلسطينية رفضا لزيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الى المدينة، ضمن حملته الانتخابية الجديدة. فاعتقلت قوات الاحتلال العشرات من الفلسطينيين خلال هذه المظاهرة، منهم قادة في أحزاب وطنية، كحركة أبناء البلد (محمد كناعنة) والتجمع الوطني الديمقراطي (امطانس شحادة).
للخروج من أزمته العميقة في الشارع الصهيوني، حيث يبدو أن الكل الصهيوني (اليمين واليسار) يسعى الى إسقاطه في انتخابات الكنيست القادمة، وفي محاولة لتجنيد الأصوات من أجل الفوز مجدّدا برئاسة الحكومة، توجّه نتنياهو الى الوسط العربي الفلسطيني، في سياق الترويج للقاح ضد جائحة كورونا. وقد نسي أنه في الانتخابات الماضية، كان قد حرّض على الجمهور العربي باعتباره ليس فقط منافسا له بل تهديدا للمجتمع الصهيوني ومشروعه. فركّز في حملته الانتخابية الحالية على وعود بتسوية ملفات حساسة يعاني منها الوسط الفلسطيني، أهمها: إعاقة تطوير المناطق العربية وهدم البيوت العربية، وتفشي الجريمة المنظّمة التي حصدت مؤخرا أرواح العشرات من الفلسطينيين، في كل مناطق تواجدهم.
يسعى أيضا نتنياهو خلال جولته الانتخابية، كما حلّل بعض الكتاب الفلسطينيين، الى تفكيك "القائمة المشتركة"، تلك القائمة المؤلفة من الأحزاب والقوى الفلسطينية المشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني، والتي حصلت على 16 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، قبل أن تتصاعد الخلافات في داخلها. بالنسبة للصهاينة، ومنهم نتنياهو وأحزاب صهيونية يمينية ويسارية، وجود "القائمة المشتركة" يمثّل بحد ذاته، منافسة انتخابية تعرقل طموحاتهم السياسية.
من جهة أخرى، يسعى حزب ميرتس اليساري الى كسب الأصوات العربية أيضا، رغم أن أعضاءه رفضوا بأكثرية ساحقة تحويل حزبهم من حزب يهودي الى "يهودي عربي" قبل أسابيع، للتأكيد على برنامجه الصهيوني المتمثّل بالدولة اليهودية. لكن لا يمنعه ذلك من محاولة كسب أصوات الفلسطينيين على حساب "القائمة المشتركة" وأحزابها، ما يدلّ على أن الأحزاب الصهيونية كلها تعتبر أن الوسط الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 مجرّد منبع أصوات فردية يمكن تجنيدها، دون النظر الى انتماء هؤلاء الأفراد الى شعب فلسطيني يناضل في وطنه المحتل من أجل حريته، أي أن هذه الأحزاب الصهيونية الراكضة وراء الأصوات الانتخابية العربية غير معنية بالانتماء الوطني والقومي الفلسطيني، بل تحاربه، وتطلب من الفلسطيني الانخراط في المشروع الاستعماري الصهيوني وترك انتمائه الوطني ضمن عائلته وبيته، كما كتبت الباحثة الدكتورة هنيدة غانم في حديثها عن النخبة الفلسطينية المنخرطة في المؤسسات الصهيونية.
بعد عقود من النضال الفلسطيني، وخاصة بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 التي شهدت صعود التيار الوطني الفلسطيني وابتعاده عن الشارع اليهودي الصهيوني في الوطن المحتل عام 1948، بل ومقاطعته، نشهد اليوم عودة الأحزاب الصهيونية الى المجتمع الفلسطيني في محاولة لاختراقه، كما كان الوضع قبل يوم الأرض في 30 أذار/مارس 1976، والتنافس على أصواته لكسب مقاعد في مؤسسة صهيونية أصدرت العشرات من القوانين الاستعمارية التفتيتية العنصرية المعادية للفلسطينيين.
تدلّ ظاهرة عودة الأحزاب الصهيونية الى المجتمع الفلسطيني على أزمة الأحزاب الفلسطينية المشاركة في هذه الانتخابات، كقائمة مشتركة أم تكتّل آخر. يحمّل بعض المحللين مسؤولية ما وصلت اليه هذه الأحزاب الى رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة، الذي ساهم في إلحاق الشارع الفلسطيني بالشارع الصهيوني المنادي بإسقاط نتنياهو، في حين يحمّل البعض الآخر المسؤولية الى منصور عباس، الذي عارض هذا الإلحاق بدعم نتنياهو مقابل بعض الوعود الخاصة بالمجتمع الفلسطيني، في حين اعتبر محلّلون آخرون أن أداء القائمة المشتركة وأحزابها لم تلب طموحات المجتمع الفلسطيني الذي وثق بها، ككتلة قوية يمكنها معارضة المؤسسة الصهيونية في عقر دارها، وإسقاط مشاريع قوانين معادية للشعب الفلسطيني، ومنها القوانين الاستعمارية العنصرية ضد الأسرى.
تحاول الأحزاب الصهيونية تفكيك ما تبقى من القائمة المشتركة التي تصدّعت بفعل خلافاتها حول ألحاقها بأحزاب وشخصيات صهيونية، وعدم وضوح رؤاها السياسية وعدم بلورة مشروع وطني مناهض للقوى الصهيونية، وعدم مشاركتها في المعارك الوطنية في الداخل المحتل عام 1948 وفي المناطق الفلسطينية الأخرى، لا سيما في مدينة القدس. فتصارعت أحزابها لتقاسم الكراسي فيما بينها، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الصهيونية تشنّ هجوما مركّزا على الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة وأسراه، وعلى مقدساته وأرضه.
خلال تواجدها في الكنسيت الصهيوني، لم تقم الأحزاب العربية بدورها ولم تشارك في حماية مجتمعها وتحصينه ضد الأسرلة والصهينة، إلا قليلا، ما لا يتناسب مع الأصوات التى حصلت عليها بعد تأليف القائمة المشتركة. وهذا ما شجّع الأحزاب الصهيونية، ميرتس وغيرها، على اقتحام المجتمع الفلسطيني في محاولة لتجنيده لصالحها من خلال الوعود الكاذبة التي تطلقها.
أمام هذا المشهد الذي قد يذكّر بعقدي الخمسينيات والستينيات حين كانت الأحزاب الصهيونية تتنافس على الأصوات العربية، ولو بوعود أخرى أصبحت أكثر تملّقا وكذبا، لا يمكن الخروج من المأزق الذي وقعت فيه هذه الأحزاب إلا بالإعلان عن مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني القادمة، جملة وتفصيلا، وحثّ الجماهير الفلسطينية على مقاطعتها، والعمل من أجل انتخابات لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، التي تضم الأحزاب والجمعيات والشخصيات الوطنية العربية في الداخل، لجعلها الممثلة الشرعية للمجتمع الفلسطيني في الداخل.
إعلان مقاطعة الانتخابات وتجنيد المجتمع الفلسطيني للمقاطعة من شأنه توضيح ما هو دور المؤسسات الصهيونية الفعلي في تصفية القضية الفلسطينية، ووضع حدّ لأوهام يبثها الصهاينة قبل الفلسطينيين حول المشاركة في القرار والتعايش السلمي بين غزاة همجيين وشعب مظلوم واللعبة الديمقراطية في وطن مسلوب وتحت نظام استعماري استيطاني. لكن يجب أن يكون هذا الإعلان مصحوبا بالتصدي الفعلي للهجمة الصهيونية على المجتمع الفلسطيني، المتمثلة بسرقة أراضيه وتدمير منازله وقراه، والتضييق عليه في كافة الميادين (الصحة، التعليم، العمل، الصحافة وحرية الرأي، الثقافة الوطنية) وتدنيس مقدساته وتحويلها الى مرافق عامة أم حظائر للحيوانات، وملاحقة المناضلين، والسعي لتهجير أبنائه، هذا إضافة الى قتل شعبه وتدمير مقومات الحياة في كافة المناطق الفلسطينية، وإنكار حق عودة اللاجئين الى وطنهم وأرضهم، وتهويد الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس.
التصدي للهجمة الصهيونية، المدعومة من الدول الغربية وبعض الأنظمة العربية، يتطلب التوجه الى بقية الشعب الفلسطيني والمشاركة في تحديد البرنامج الوطني الشامل، بدلا من التوجه الى الأحزاب الصهيونية ومحاولة الانخراط في برامجها أو التفاوض معها من أجل كيان صهيوني إستيطاني معتدل، والغرق في أوهام كوهم الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.
