قائمة الموقع

خاص - الذاكرة الفلسطينية في عيون الأجداد..حنين إلى الماضي الذي لا يتكرر

2021-01-04T09:19:48+02:00
وكالة القدس للأنباء/ سامر الحاج

لكلِّ ماضٍ عريق أجداد يتركون خلفهم عادات وتقاليد تُجسد حضارة الشعب وأصالته، حيث تحرص الشعوب على جمع تُراثها وماضيها لِتضعه بين يدي الأحفاد كي يفاخروا به بين الشعوب.

 ورغم أن العادات والتقاليد التي عاشها الأجداد لا يمكن تطبيقها اليوم بسبب تطور العصر، إلّا أنّه يظل لها ألقاً خاصاً، فالمخزون المعرفي والثقافي لدى الشباب حول هذه العادات قليل جداً، ولعلّ السبب في ذلك يعود لغيابها عن أعينهم وعدم التفات الأهل لأهمية تعريف الأبناء بهذا التراث العريق.

وكالة "القدس للأنباء" استضافت جدان ولدا في فلسطين، لأنهم الكنز والهوية والذاكرة الفلسطينية التي ما زالت حيّة.

بتنهيدةٍ يملؤها وجع السنين بدأ الحاج أبو عاطف حديثه لوكالة "القدس للأنباء"، قائلاً: "جيلنا غير جيلكو بكل شي ياعمي، صحيح طلعنا من بلادنا أولاد، بس ما نسينا وين خلقنا وكيف عشنا وتربينا، الفرق كبير بين أيامنا وهالأيام، بأيامنا كان كبير العائلة يمون وكلمته مسموعة، وما زلنا نذكر حسن أبو دهيس مختار لوبية، وهو بمثابة حلّال المشاكل، وكل كبار القرية بالديوان عنده بشكل يومي بين سهرات وضيافة عربية أصيلة، لِمناقشة مواضيع "الحمولة"، ومن يريد الزواج ومن يريد زراعة أرضه أو حصدها، ومواضيع عديدة تنتهي بالحل والتوافق، وكل هذا بعكس هذه الأيام التي لم تعد تشهد جلسات للعائلة إلاّ في المناسبات".

ويضيف الحاج أبو عاطف أنه هناك بعض العادات والتقاليد التي مازالت حاضرة في يومنا هذا ولكن ليس عند الجميع، خاصة في الأعراس مثل عادة "لصق العجينة"، فقبل الدخول لاكتمال مراسم العرس المعتادة، كان الحضور ينتظر لحظة إلصاق العجينة، حينها تبدو الحياة الزوجية أمراً محسوماً لديهم، ومرتبطاً بتماسك العجينة أو انزلاقها، فتسير العروس بخطى ثابتة، وهي تنظر لخطوات قدميها أثناء السير، دون أن يظهر وجهها للعموم، وتمسك بيدها قطعة من العجين، استعداداً للصقها على باب منزلها، فإن تماسكت العجينة ولم تنزلق استمرت الحياة الزوجية كما يعتقد أهالي القرية، وعاش الزوجين بسعادة، ولكن الكارثة العظمى إن انزلقت حينها يقال لها "فال سيء وقد تنتهي الحياة الزوجية بالطلاق.

يضحك الحاج أبو فؤاد عبد الحليم ويقاطع بالحديث عن "العريس في قسم التعذيب أي "ضرب العريس"، كلها أفعال لن يفر منها العريس قبل حفل الزفاف، وفي "حمام العريس" يباغته أصدقاءه خلسة بحمام من التراب والعصائر، والصابون، وأحياناً يبتكرون خلطة جديدة من البيض والطحين والملح واللبن، وعند انتهاء العريس من جولة "الضحك" التي تلازمه فترة استحمامه بالمسحوق المبتكر، وحلق ذقنه وشعره، يتوجه للبس ثوب العرس الذي اشتراه من محل محمد الفياض بلوبية، وهو عبارة عن القنباز والعباية والحطة والعقال و"الشورة" أي الكفيّة ومن ثم يكمل مراسم الزفاف المعتادة".

ويتابع الحاج أبو فؤاد، نعم ربما تجد عادات قليلة جداً في هذا الزمن كزمن أيّام فلسطين، لكن الإستحالة أن تكون بنكهتها وبساطتها وسعادتها، الزمان تغيّر ولن تعود الأيام التي مضت، نعم كانت أيام لا تُنسى ونحن نَحنُّ إلى تلك الأيام، كانت الحياة بسيطة والناس تحب بعضها البعض، لا يوجد مشاكل ولا غلاء ولا أحداث سيئة مثل هذه الأيام، ولا جرائم أو عقوق أو عداوات.

ٍثم يعود الحاج أبو عاطف ليقاطعه بنبرة مليئة بالحنين لأيّام البساطة ويقول: "يا زلمة كانت الحالة المادية للكثير منا "مستورة"، وفش فلل ولا قصور ولا سيارات فارهة، وفش بقريتنا إلا ثلاث سيارات للمختار أبو دهيس، ولا محلات أو مولات فخمة مثل اليوم". وبرغم ذلك كله فالكثير منا يتحسر ويبكي على تلك الأيام، وحتى الّذين أنعم الله عليهم بالمال والجاه لأنهم غير مرتاحين في عيشتهم، ويحنّون لتلك الحياة البسيطة الجميلة البعيدة عن التعقيدات.

ويقارن الحاج أبو عاطف بين أيام زمان وهذه الأيام من نواحي كثيرة، حيث يقول: "حُب أيام زمان حب صادق ونقي، ليس فيه خداع أو كذب، وينتهي بالزواج، والكثير تزوج حسب اختيار أهله، فأنا على سبيل المثال لم أشاهد خطيبتي ولا أعرفها من قبل، ولم أتحدث إليها إلاّ في بيتي وقت الزواج"، أما الآن فيوجد حُب، ولكنه نادر، وبالنسبة للزواج كانت الأمور أكثر يسراً من هذه الأيام، وكان الزواج مُيسّراً والعنوسة قليلة، بينما اليوم فأمور الزواج أصبحت أصعب من ناحية المهر والتكاليف، والعنوسة أصبحت في إزدياد كل يوم."

ويعود الحاج أبو فؤاد ليضيف "أنّ الجار أيام زمان كان يُحب جاره ويخاف عليه ويحمي عرضه في غيابه، ويتشاركوا في الأفراح والأتراح، وكان ينطبق عليه المثل الذي يقول: "جارك القريب ولا أخوك البعيد"، لأنك تشعر بمحبته لك ووقوفه إلى جانبك،  أما هذه الأيام فجارك لا يشعر بك ولا يهتم لأمرك إلّا ما نَدَر، وأحياناً يؤذيك.

ويتابع؛ "أيام زمان بكل ما فيها حلوة، كانت مليانة بالبراءة والطيبة وحُب الناس لبعضهم البعض، نفرح معاً ونحزن معاً، طعامنا واحد، وكُنّا نجتمع على مائدة الطعام العائلة بأكملها وكُنّا نتجاوز العشرين فرداً بما فينا المتزوجين وعائلاتهم، وأحياناً الجيران، وكنا نكون بقمة السعادة بهذه "اللّمات"، فعلاً كانت أيام خير ومستحيل ترجع".

أيّام زمان.. عنوان الطيبة والحياة البسيطة الهادئة التي كان لكل شيء فيها طعم ونكهة خاصة، بات الكل يتحسر عليها، هل نتذكرها بنوعٍ من الشرود الذهني والغرق في تفاصيلها، وبما كانت تحمله من عنفوان الطفولة وتمرد الصبا وطيشان الشباب.

وأيّام الصِبا.. عندما كنا نعود من مدارسنا ونرمي حقائبنا إن كُنّا صبياناً أو بنات، ونخرج إلى الحارة لنلعب ما نحبه من ألعاب، مثل: الجلول، الطابة والسبع حجار، عالي واطي، شبرة.. قمرة.. شمس.. نجوم، طاق طاق طاقية، الزقوطة، الحجلة، الغميضة والكثير من الألعاب.. هل تأتي على بالنا هذه الألعاب التي غابت عن حياتنا الحاضرة ولم نعد نرى الأطفال يلعبونها، وبات لكل طفلٍ هاتفٍ وآيباد وألعابٍ تحفزه على العنف والجريمة؛ وبعد زمنٍ ليس ببعيد نلوم الزمن والأيّام على تلك العادات..!

اخبار ذات صلة