وكالة القدس للأنباء - ملاك الأموي
شهاب قواسمي (٦١ عاما).. فنان فلسطيني تشكيلي، ولد وترعرع في سيدة المدن.. القدس المحتلة، لذلك قرر أن يكون له نصيب من ذاكرة مدينته، وهذا ما فعله، ليترك بصمة فنية جميلة، ويجسد جمالها الحقيقي الخالي من أي أثر للاحتلال، فرسم المسجد الأقصى وشوارع القدس، قبل 100 عام، بهدف إظهار كل تفاصيل المدينة، قبل التغييرات التي طرأت عليها بعد الاحتلال الصهيوني الغاصب، الذي زيف شوارعها وأزقتها وزواياها.
وتحدث شهاب لـ"وكالة القدس للأنباء"، عن شغفه في الرسم، واكتشاف موهبته، قائلا: "اكتشفت موهبتي منذ الصغر، في المرحلة الابتدائية حين لاحظ معلم التربية الفنية مستواي المتقدم، فكان يوكل لي بعض المهمات في رسم اللوحات البسيطة للمدرسة، وفي المرحلة الإعدادية والثانوية كنت أنضم إلى دورات الرسم التي تقيمها المدرسة في النشاط اللامنهجي بعد الدوام الرسمي، وأشترك في المعارض التي كانت تقام بين المدارس العربية في القدس"، مبيناً أنه " كنت دائماً أرسم مدينة القدس في كل المعارض التي أشارك بها، بغض النظر عن عنوان المعرض، ثم التحقت بمعهد "بيت الفنانين"، في القدس الغربية، وحصلت على دبلوم التربية الفنية، وأنا ما زلت في الصف الحادي عشر، إذ كنت أدرس الرسم في الفترة المسائية، وقد أرسلني المعهد في بعثة قصيرة الى النمسا وفرنسا لاكتساب الخبرة وذلك في العام ٧٧٩١، ومن هنا كانت بدايتي في الرسم كرسام متقدم المستوى".
وأوضح أن "الفن بشكل عام، والرسم بشكل خاص، هو لغة عالمية تفهما جميع الشعوب، ولا تحتاج للترجمة، لذلك فقد عملت كل جهدي منذ البداية لتسليط الضوء على مدينتي، التي ولدت في إحدى حاراتها، "حارة السلسلة القريبة من باب السلسلة" وهو أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك، حيث ولدتُ في هذه الحارة في البلدة القديمة عام ٩٥٩١، أي قبل الاحتلال الصهيوني للقدس وفلسطين، وبعد الاحتلال انتقلتُ وعائلتي للسكن خارج أسوار البلدة القديمة، بعد أن قامت سلطات الاحتلال بهدم جزء كبير من حارتنا، لتوسيع منطقة حائط البراق، لإفساح المجال لليهود للصلاة في هذا المكان، الذي أصبح ساحة كبيرة تعرف اليوم بما يسمى "حائط المبكى".
وأشار إلى أنه "كأحد أبناء مدينة القدس، فأنا أتوجه كثيراً للبلدة القديمة، وإلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة، وأحيانا أسلك طريق بيتنا القديم الذي أصبح مكانه ساحة تتوسطها نافورة مياه من صنع بلدية الاحتلال، حيث راعني هذا المنظر، ورجعتُ بذاكرتي إلى الوراء، وتخيلت نفسي مع أولاد الحارة، ونحن نلعب بين الأزقة، وتحت الأقواس، وفوق المصاطب .. فعدت إلى مرسمي، وبدأت في رسم أولى رسوماتي التوثيقية للبلدة القديمة، منطلقاً من حارتي، "حارة السلسلة"، وذلك عام ٤٨٩١، كنت أبحث عن الصور القديمة للقدس، وأقوم برسمها كما كانت أيام الآباء والأجداد، وأقارنها كما هي اليوم، واكتشف يوماُ بعد يوم الفوارق الهائلة بين الفترتين، حيث يتم تهويد الأمكنة وطمس معالمها العربية، لذلك قمتُ بتجسيد هذه الأمكنة من خلال الرسم وتوثيق التاريخ الحقيقي للقدس".
وأوضح قواسمي أنه، "أرسم أهم المعالم التاريخية والدينية والأثرية، كالمسجد الأقصى المبارك، وما يحتويه من معالم معمارية، ابتدأت منذ فجر الإسلام الأول، وبصمات الأمويين، والعباسيين، والفاطميين، والأيوبيين، والمماليك، والعثمانيين، وأيضاً أهم المعالم الدينية المسيحية، ككنيسة القيامة، التي تعتبر أهم معلم مسيحي في العالم، بالإضافة إلى شوارع القدس العتيقة، وأسواقها التاريخية، وحاراتها، وبيوتها، وقبابها، وأزقتها، وأرسم سورها العظيم وبواباتها التي تحيط بها بل حتى أرسم رائحة التاريخ المعتقة في أرجائها".
القدس كنز لا ينضب
وبيّن أنه "ليس هناك مكان محدد يركز على تجسيده، فالقدس وما تحتويه، عبارة عن كنز لا ينضب، ولكن أجد نفسي منحازاُ لمكان مولدي، "حارة السلسلة"، إذ رسمت هذه الحارة أكثر من خمس لوحات من زوايا متنوعة، وعلى فترات زمنية مختلفة"، مشيرا إلى أن "عدد اللوحات التي رسمتها للقدس هي أكثر من ٠٤٢ لوحة، معظمها عن القدس، كما كانت قبل ٠٠١ عام، بعيداً عن دنس الاحتلال الصهيوني"، مبيناً أنه "أقمت بهذه اللوحات معارض شخصية كثيرة في القدس، وجميع المدن الفلسطينية، وخارج البلاد في العاصمة الأردنية عمان، وفي اسطنبول، وأنقرة، وفي موسكو، ومدينة سانت بطرسبورغ، وشاركت في معارض جماعية مع فنانين فلسطينيين وأجانب في فلسطين والخارج".
وقال: إنه "بعد كل هذه المعارض، قمت بتوثيق هذه الرسومات وتجميعها في كتابي الأول، بعنوان "كان يا مكان - القدس قبل مئة عام"، وهو كتاب باللغتين العربية والإنكليزية، يتحدث عز تاريخ القدس منذ نشأتها الأولى قبل ٦٠٠٠ عام على يد اليبوسيين والكنعانيين، ويضم الكتاب ٧٠ رسمة، كما يبيّن عمليات التهويد التي تقوم بها سلطات الاحتلال الصهيونية لأهم معالم المدينة المقدسة، فالعدو يحاول جاهداً طمس معالم مدننا وسرقة تراثنا".
وأكد أن "مدينة القدس تتعرض منذ احتلالها، لأشرس هجمة صهيونية استيطانية احتلالية، تهدف إلى طمس وإلغاء هويتها العربية الإسلامية والمسيحية، وجعلها عاصمة أبدية للدولة اليهودية، وتحاول تشريد السكان المقدسيين، واستبدالهم بمستوطنين يهود، لذلك فإن دور الفنان لا يقل أهمية عن دور السياسي أو القيادي الذي يقود سفينة الحرية، فأنا كفنان لا أرسم القدس كمكان لإظهار جمالياته، أو الحنين إليه، أو التغزل به فقط، إنما أرسم القدس العربية الأصيلة، كاستنفار للذاكرة التي تتشبت بالمكان، من خلال تدوينه وحمايته من المحو والإندثار والسرقة والتدمير، أرسم بما يتعلق بوجدان الناس وذاكرتهم، وتوثيق هذه الذاكرة، وهذه الأماكن للجيل القادم، الذي لم يرَ جمال القدس الحقيقي على زمن الآباء والأجداد".
وفي نهاية حديثه، أشار إلى أن "الفنان الفلسطيني عمل جاهداً من أجل الحفاظ على التراث، وأذكر في سبعينات القرن الماضي، كيف كانت" إسرائيل" تصادر اللوحات الفنية، وتتلفها، وتعتقل الكثير من الفنانين الفلسطينيين، بتهمة التحريض والمقاومة، وكانت تنظر إلى اللوحة بيد الفنان، كما تنظر إلى البندقية في يد المقاوم، لذلك يجب علينا أن ندوّن ونوثّق تاريخنا بأيدينا، لأن التاريخ البصري اليوم هام جداً في تثبيت التاريخ والتراث كما هو حال التاريخ المكتوب".