بقلم: راغدة عسيران
قبل عقود، انتقد المفكّر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي عودة الجزائريين الى "الزردة"، الوليمة الجماعية التي كانت تقيمها الطرق الصوفية لاستقطاب الناس، ولكن بصيغة وعناوين جديدة، لتعبئة الجماهير من أجل المشاركة في الانتخابات التشريعية التي نظّمها الاستعمار الفرنسي في العام 1936، بعد وصول "الجبهة الشعبية" الفرنسية (الحزبان الاشتراكي والشيوعي) الى الحكم.
يتحسّر بن نبي على مسار الحركة الوطنية الجزائرية في تلك الفترة، لا سيما بعد الصحوة الإسلامية التي أرساها الشيخ العالم عبدالحميد بن بديس وغيره من العلماء الإصلاحيين، والتي قضت على "الزردة" وعلى مفاهيم وتقاليد أخرى، استغلها الاستعمار الفرنسي وشجّعها لإطالة سيطرته على العقول قبل الأرض، وأسست لحركة نهضوية إصلاحية في الجزائر، تمثلت بافتتاح المئات من المدارس القرآنية في أنحاء الجزائر والتصدي للنفوذ الفرنسي الفكري والسياسي. ولكن سقطت الحركة الوطنية الجزائرية، ومن ضمنها تجمّع العلماء الجزائريين، عندما وافقت على المشاركة في الإنتخابات التشريعية، على أساس أن الحكم قد تغيّر في فرنسا وأصبح تقدميّا وأقل عنصرية. فأحيت الأحزاب المشاركة في الانتخابات هذه "الزردة" حول المساجد والأماكن العامة ودوّنت لائحة الحقوق التي تطالب السلطات الاستعمارية الفرنسية بتلبيتها.
بالتأكيد، لم تتجاوب السلطات الاستعمارية مع أية من هذه الحقوق، بل اشتدّ القمع، رغم وصول بعض الجزائريين الى المجلس التشريعي الفرنسي، وتوالت المجازر، الى ان اندلعت الثورة الجزائرية في تشرين الثاني / نوفمبر 1954، التي قادتها جبهة التحرير الوطنية، والتي حرّرت البلاد في العام 1962.
"الزردة" في الحالة الفلسطينية هي المفاوضات برعاية الولايات المتحدة، التي تراجعت عنها "السلطة الفلسطينية" في أيام الرئيس دونالد ترامب، وعادت اليها بكل "عنفوان" قبل تسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن الحكم، دون التمعنّ بالتاريخ والفكر السياسي الذين يحكمان الولايات المتحدة، والعلاقة العضوية التي تربط الإدارة الأميركية بالكيان الصهيوني، ودون مراعاة تطلعات الشعب الفلسطيني الذي انتظر طويلا طيّ صفحة المفاوضات واتفاقيات أوسلو الكارثية، ودون سابق إنذار للدول التي كان محمود عباس يحشدها لتنظيم مؤتمر دولي يراد منه التأكيد على "حلّ الدولتين" تحت الرعاية الدولية. تظنّ السلطة الفلسطينية أن الإدارة الأميركية قد تستجيب لبعض المطالب الفلسطينية رغم صهيونيتها المتأصلة. فباشرت بفتح خطوط التواصل معها من أجل العودة الى المفاوضات برعايتها.
وكما كانت العودة الى "الزردة" في الجزائر أيام الاستعمار كارثة على الشعب الجزائري كونها أجّلت معركة التحرير لعقود من الزمن، وكلّفته مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، قد تكون العودة الى "الزردة" الفلسطينية كارثة مؤكّدة، في ظلّ الهجمة الصهيو-أميركية بمشاركة عربية، على حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي السياق ذاته، واصل المفكّر الجزائري انتقاداته للذين استبدلوا واجب النضال لاسترداد حقوقهم بمطالبة الاستعمار أن يمنحها لهم، واستبدلوا واجب العمل الجاد والطويل من أجل دحر الاحتلال، فكريا وسياسيا وعسكريا، بالتوجّه الى الاستعمار ومطالبته بحقوق منقوصة ومجزأة، ظنّا منهم أن الأنظمة الاستعمارية قد تتخلّى عن مصالحها وقد توافق على مطالبهم إن استكانوا و"تفرنسوا" واستخدموا الأدوات التي تتحكّم بها.
اعتبر هؤلاء الجزائريون أن طريق المطالبة بحقوقهم الشرعية من الاستعمار يغنيهم عن القيام بواجبهم، أي توعية الشعب والعمل للنهوض الفكري والسياسي وسلك طريق التضحية وانتزاع هذه الحقوق، وهو طريق شاق ولكنه الأجدى، وقد سلكه الشعب الجزائري فيما بعد، وطرد المستعمر المحتل عن أرضه.
في الحالة الفلسطينية، ما زالت قيادة السلطة الفلسطينية، المنبثقة عن اتفاق أوسلو الكارثي، تنتظر استعادة بعض حقوق الشعب الفلسطيني، وهي التي تخلّت عن معظمها (الأرض والعودة ووحدة المصير)، باستجداء الدول الغربية والمجتمع الدولي، وتصفّق لكل بيان يصدر عن أي دولة أو هيئة دولية يدعم "حلّ الدولتين"، في حين لم تعد تسيطر، إن سيطرت يوما، على أي شبر من الضفة الغربية، إلا بموافقة الصهاينة.
كارثية اتفاق أوسلو على الشعب الفلسطيني لا تكمن في التخلي عن الحق الفلسطيني الكامل والمقدّس فحسب، بل في مساعي صنع "فلسطيني جديد" من قبل المؤسسات الدولية ومنظماتها غير الحكومية، التي موّلت برامج عدة لإبعاد الفلسطيني عن النضال والمقاومة لانتزاع حقه بقوة السلاح والحجارة، وحثّه على سلوك طريق الاستجداء والمطالبة بحقوقه بطريقة "شرعية"، أي عبر المجتمع الدولي المتآمر مع الكيان الصهيوني، في حين يواصل العدو إرهابه المنظّم، بالقتل الجماعي والاعتقال، وينهب الأرض ويخطط للاستيلاء على المقدسات وتهويدها.
يبدي الشعب الفلسطيني استعداده للقيام بالواجب يوميا، في مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة، وفي القدس والبلدات المحيطة بها، ويطمح الى المواجهة مع الغزاة لحماية الأرض والبيوت وللدفاع عن الأسرى وحقوقهم ولاستعادة جثامين شهدائه. فتشهد حملة الاعتقالات اليومية التي تشنها قوات العدو على هذا الاستعداد الشعبي. لكن تخشى السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية الحريصة على عدم استفزاز الاحتلال بأن تفلت الأمور عن سيطرتها، وأن تعّم الانتفاضة الشاملة التي قد تستخدم كل أنواع الأسلحة المتاحة ضد الغزاة المحتلين. فلذلك، تراقب المقاومين والمناضلين وتلاحقهم وتستدعيهم مخابراتها بين الحين والآخر، وخاصة المحرّرين منهم من سجون الاحتلال، بحجة المحافظة على الأمن الداخلي.
وفي الوقت ذاته، بالكاد تهتم بما يقوم به المستوطنون ضد الفلسطينيين، من قتل ودهس واعتداءات وحشية، وقطع أشجار وحرق محاصيل، والقتل شبه اليومي على حواجز الموت الصهيونية، والانتهاكات الخطيرة ضد المقدسات واقتلاع المقدسيين من مدينتهم، لكنها توثّق هذه الجرائم في تقارير ترسلها الى هيئات المجتمع الدولي المختصة أو تعدّدها في خطابات مسؤوليها، ملتزمة حرفيا بشروط المجتمع الدولي الذي سلّمها إدارة أجزاء من الضفة الغربية مقابل بعض الأموال، وهي حفظ الأمن الصهيوني في "المناطق المحتلة" ومنع المساس به.
يدرك الشعب الفلسطيني أنه لن ينال حريته وحقه بفلسطين كاملة ومقدساتها إلا عن طريق النضال والتضحية، وهذا ما أكّده المجاهد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قبل إيام، بقوله : "واجباتنا اليوم على أرض فلسطين، أرض الرباط المقدس، وفي كل مكان، أن نفعل كل ما نستطيع فعله، فليست عواطفنا ومحبتنا للقدس وفلسطين ستفعل فعلها فقط، ولكن تضحياتنا واستعدادنا المستمر للتضحية، هي الطريق الوحيد لوقف هذا العدوان علينا وعلى أمتنا، ونحن على يقين بوعد الله لنا بالنصر، ومستمرون معًا - إن شاء الله- نحو القدس ونحو فلسطين".
