بقلم: راغدة عسيران
هل سيطبّع السودان علاقاته مع كيان العدو الصهيوني؟ منذ أسابيع وهذا السؤال يطرح كلما التقت أنظمة التطبيع مع المسؤوليين الأميركيين أو الصهاينة، وكلما خرجت مظاهرة شعبية مندّدة بالتطبيع أو ألقى مسؤول سوداني تصريحا في هذا الشأن. يطرح مثال النظام السوداني سؤال حول ما هي أنظمة التطبيع؟ هل هي أنظمة ديمقراطية تأخذ بعين الاعتبار طموحات شعوبها وإرادتها؟ أو أنظمة تدافع عن استقلالها ونمو بلدانها وشعوبها وترفض التبعية للغرب الصهيوني – الإمبريالي؟ ما هو دور المجتمع الدولي الغربي الصهيوني في مسار تطبيع العلاقات بين دول عربية وكيان العدو ؟
طبيعة أنظمة "التطبيع"
لا شك أن قرار التطبيع مع كيان الاحتلال ليس قرارا شعبيا، بل يعتبر خيانة عظمى بنظر الشعوب العربية كافة، وبنظر أحزابها الوطنية إن وجدت وسُمح لها بالتعبير عن رأيها. مهما اختلفت أنظمة التطبيع حول طريقة إدارة شؤون البلاد، أن كانت جمهورية أو مملكة أو إمارة.. فقرار التطبيع هو قرار السلطة الأعلى، الحاكم أو الرئيس أو الملك أو الأمير، دون التوجه الى البرلمان لاستشارته، إن وجد أصلا، لأنه لا يحق له التدخّل بهذا النوع من القرارات العليا، ودون النظر الى إرادة الشعب، الذي لم تعبر دائما هذه البرلمانات عن آرائه وطموحاته، كونها محكومة من الأعلى.
يدرك الصهاينة أن قرار التطبيع معهم ليس شعبيا، ويدركون جيدا أن كيانهم غير مرغوب به في المنطقة، وأنهم بنظر الشعوب العربية والإسلامية هم غزاة همجيين جاؤوا من وراء البحار، كما جاء سابقا الفرنجة، ومصير كيانهم الاستيطاني الى الزوال، كما زالت ممالك الفرنجة. أنهم يدركون أنه لولا اندماجهم في المنظومة العالمية تحت سيطرة الولايات المتحدة وباقي دول الغرب الصهيوني الإمبريالي، لن ينظر اليهم أحد، ولن يهرول للتطبيع معهم أحد، لأنهم جمعوا في كيانهم عنصرية وجشع الغرب الإمبريالي ووحشية التعاليم الصهيونية والأكاذيب التلمودية.
"التطبيع" من موقع القوة!
لذلك، اعتبر الصهاينة أن القوة التي يتمتعون بها هي التي تجذب الأنظمة الى التطبيع معهم، لكون كيانهم "قوة عظمى في مجالات التكنولوجيا والاستخبارات" كما وصفه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، قائلا: "ان السلام الحقيقي لن يتحقق إلا من موقع القوة وليس الضعف".
لا يثق الصهاينة بالأنظمة التي تطبّع وتوقّع على معاهدات "سلام" معهم، كما كشفت مسألة بيع طائرات أف 35 الى الإمارات ثم الى قطر، كما جاء في الصحافة الصهيونية، لأن هذه الأنظمة هشة، تستمد قوتها من علاقاتها مع الغرب، وليس من شعبها. قد تسقط هذه الطائرات في أيادي معادية يوما ما، أي في أيادي الشعوب الثائرة، وتسقط هذه الأنظمة كما سقط النظام الشاهنشاهي قبل 40 عاما في حين كان يعتبر من الأنظمة الدموية الأكثر ميلا للولايات المتحدة في المنطقة.
ترتبط الأنظمة المطبّعة بالغرب الإمبريالي الصهيوني بشكل وثيق، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وأحيانا ثقافيا. فالغرب الإمبريالي يدافع عنها ويحميها ضد شعوبها أولا، بحجة الدفاع عنها ضد دول إقليمية أخرى. ودخول هذه الأنظمة الى نادي النظام العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة جعلها فريسة هذا النظام الذي أرغمها على تطبيع علاقاتها مع الكيان.
قد حصل ذلك على مدى عقود عدة. إذ تم أولا إنهاء المقاطعة العربية من خلال التهديد الإقتصادي الأميركي ضد الشركات الأجنبية التي تراعي المقاطعة العربية، ثم الدول العربية التي تقاطع الشركات المتعاملة مع الصهاينة. وفيما بعد، تدخلت المنظمة الدولية للتجارة وغيرها من المنظمات الدولية لحثّ الدول العربية على استضافة الصهاينة والتعامل معهم، دون إقامة علاقات ديبلوماسية، في البداية، أو معاهدات سلام. ولأن هذه الأنظمة لا تثق بشعوبها وقدرتها على الإنتاج وحماية الاستقلال، ولم تقدّر ما هي مصلحة شعوبها، التي سُحقت ودمُّرت بعد دخول هذه الأنظمة الى نادي النظام العالمي (العولمة الوحشية)، لقد ربطت مصيرها بالقوى الناهبة والشركات المتعددة الجنسيات ومنها الأمنية، التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني.
تزييف الوعي
فالتبعية العمياء للمصالح الغربية وطبيعة النظام غير الديمقراطي هما الأساس في تطبيع العلاقات بين دول عربية وإسلامية وكيان العدو. التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية للغرب الإمبريالي تضعف الدول التي يتم نهب ثروتها الطبيعية وإعاقة نموها وقمع شعوبها، ومن خلال تدخلها في التعليم والصحافة والمراكز البحثية، عبر الجوائز والتمويل و"تبادل الخبرات"، تسعى الدول الامبريالية وما يسمى المجتمع الدولي (هذه الدول والشركات العالمية والمنظمات الدولية) لاستبدال وعي الشعوب بوعي مزيّف من صنع الغرب الصهيوني.
يستغلون الأزمات الحياتية لدى الشعوب العربية التي تسببوا بأغلبيتها، لفرض سياستهم ونظرتهم الى الأمور، من خلال التمويل المشروط لمشاريع غير تنموية وغير مفيدة لاستقلال البلاد. يستغلون الأزمات السياسية في بعض البلدان غير المطبّعة مع الكيان الصهيوني، وأكثريتها من صنعهم المباشر أو غير المباشر، للإيحاء بأن الدخول الى النادي الدولي الى جانب كيان العدو والتفاهم معه قد يجنّب البلاد الكوارث أو على الأقل يجلب له فوائد كبيرة (نادي الغاز مثلا).
كما يفعل الكيان الصهيوني مع السلطة الفلسطينية، حيث يمنع عنها "المقاصة" ويبتزها برواتب موظفيها (باستثناء قواتها الأمنية التي ما زالت صالحة لحماية الكيان)، لإرغامها على التفاوض معه والقبول بـ"صفقة القرن"، تبتز الولايات المتحدة الأنظمة العربية لإرغامها على التطبيع، كما يحصل مع النظام السوداني الذي ينتظر الأموال الخليجية (التي لن تقدم إلا بموافقة أميركية صهيونية)، وسحب تهمة "الإرهاب" عنه، بعد تغيير النظام. والشرط الأميركي الصهيوني واضح: الأموال وسحب تهمة "الإرهاب" مقابل التطبيع، يعني الإذلال والخضوع مقابل التطبيع.
هذه هي "القوة" التي يتحدث عنها نتنياهو، والتطبيع بالقوة هو عنوان المرحلة، وطالما لم تنظر الأنظمة العربية الى حقّ شعوبها الأصلي في الأمان والحرية، والى حق الشعب الفلسطيني الخالص في وطنه، ولم تنظر الى قوة شعوبها المستعدة للتضحية من أجل حريتها واستقلالها وتنميتها الحقيقية، ستنزلق الى التطبيع وستبيع ثروات شعوبها وبلادها الى "الخواجا".
التطبيع ليس فقط خيانة
اشتد الضغط على الأنظمة العربية لـ"إدخال المنطقة العربية بتاريخها وحضارتها بيت الطاعة الإسرائيلي"، كما قال القائد المجاهد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، في يوم الإنطلاقة الجهادية. التطبيع ليس فقط خيانة الشعب الفلسطيني وتاريخه النضالي وإنكار حقه في وطنه، بل هو أيضا خيانة الشعوب العربية والإسلامية لأنه إنكار لهويتها وتاريخها وحضارتها، وتزييفها لصالح رواية كاذبة وقيم ساقطة يراد منها أن تكون عالمية، كحرية النهب والإفقار والاستغلال والبتزاز والظلم والقتل وتفتيت المجتمعات، بحجة التقدم والتنمية والتسامح والديمقراطية والسلام.
"إنهم يريدون بناء هذه المنطقة على أساس من المصالح، يكون العدو الصهيوني القوة الأساسية المهيمنة فيها، والقوة المركزية التي تتفاعل مع كل طرف وحيداً، والتي تشرف على إعادة تشكيل المنطقة" كما نبّه القائد النخالة. المدخل هو سيطرة ما يسمى "المجتمع الدولي" على بلداننا وخيراتها وشعوبها ومستقبلها. قد تتصورالشعوب أنها عصية على التطبيع وترفع الشعارات المنددة بالمطبّعين، لكن مواجهة التطبيع يبدأ برفض إملاءات المجتمع الدولي ومؤسساته للتخلّص من الأزمات وجعل من فلسطين وتحريرها البوصلة التي من خلالها تحفظ المجتمعات العربية هويتها واستقلالها.
