جاء اتفاق العار والخيانة بين دولة الإمارات وكيان العدو الصهيوني، الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا، تتويجا لمسار تاريخي، لا يعني فقط دولة الإمارات التي أسسها البريطانيون، بل كافة الدول العربية التي انبثقت عن تصارع الدول الإمبريالية على الوطن العربي في بداية القرن الماضي. لقد جزأت الدول الغربية الوطن العربي وسلّمت الحكم، في أغلب الأقطار التي لم تحارب لنيل حريتها، الى طواقم تابعة لها وتحمي مصالحها، بهدف حماية المشروع الصهيوني أولا ثم جعله يسيطر على كل محيطه ويلغي فكرة وحدة الأمة واستقلالها.
لم تنتج تجزئة الوطن العربي تلقائيا ومباشرة تيار التطبيع مع الكيان الصهيوني أو الحركة الصهيونية، بسبب وجود تيار وحدوي شعبي واسع على امتداد الوطن، واجه النخب المتسلطة، فنجح أحيانا وفشل أحيانا أخرى، وحاول التخلّص من التبعية السياسية للدول الغربية الاستعمارية، دون الالتفات الى أهمية التبعية الاقتصادية والفكرية، التي كبّلته وأوصلته الى مأزق.
رغم وجود هذا التيار الوحدوي المتجذر في الأمة والمتواصل الى الآن، بسبب شرعيته التاريخية والجغرافية والثقافية، تكرّست التجزئة السياسية بحيث باتت الدول العربية تتوهم بأنها تبني دولا سيادية ومستقلة، الى جانب الكيان الصهيوني، ودون العمل من أجل تحرير فلسطين. وبدلا من توحيد جهودها والتقارب من بعضها البعض وإقامة مشاريع مشتركة، إقتصادية وحيوية تواجه بها الغرب الامبريالي الناهب لخيراتها وتحرّر أرضها المحتلة، ترسخّت التجزئة بسبب تبعية معظم الدول العربية للأجنبي الذي فرض شروطه وتدخّل في الحكم وأبعد فلسطين، الجزء المغتصب من الوطن، من أولوياتها. فلم تعد فلسطين إلا إحدى القضايا العالقة التي لم تحلّ، بالنسبة لمعظم هذه الدول، التي باتت تجتمع، بين الحين والآخر، لإصدار بيان تأييد للشعب الفلسطيني وإدانة الممارسات الصهيونية، كما تفعل أي مؤسسة دولية "محايدة".
بسبب موقعها الجغرافي المجاور لفلسطين المحتلة، اضطرت بعض هذه الدول الى الدفاع عن نفسها وربط مصيرها بمصير فلسطين، ما تسبّب بأزمات سياسية داخلية عميقة، إذ رفضت بعض نخبها الحاكمة ما اعتبرته "تورطاً" في القضية الفلسطينية، ولم تنظر الى كيان الاحتلال إلا كدولة "مجاورة" تختلف معها حول "الحدود"، كما يعبّر بعض إعلامها، الذي يتبنّى تعابير المؤسسات الدولية للحديث عن الصراع، ظنا منه أنه يصبح أكثر مصداقية، وليس ككيان معادي جلب الدمار والموت وعدم الاستقرار الى المنطقة، بعد احتلاله فلسطين وتشريد شعبها.
لقد هيّأت التجزئة والتبعية للأجنبي الأرضية للتطبيع مع كيان العدو، إن كان تطبيعا من قبل دول أو أفراد أو مؤسسات، باعتبار أن الصراع لا يعني إلا الفلسطيني، وأن "إسرائيل" أصبحت أمرا واقعا، وإن كان مفروضا بالقوة العسكرية. لقد ضغطت الدول الأجنبية الغربية، ومؤسساتها التمويلية، على الدول العربية، لفك ارتباطها بفلسطين والقضية الفلسطينية، قبل أن تضغط عليها لتباشر بإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، لأن "العالم أصبح قرية". وتحت ستار العولمة و"السلام" و"الأخوة" و"نبذ الكراهية"، فُتحت بعض أبواب التطبيع مع القتلة الصهاينة، واعترفت "منظمة التحرير الفلسطينية" بوجود الكيان الصهيوني على 78% من أرض فلسطين، ما سمح للدول العربية المستعدة والمهيأة للتطبيع العلني بالإختباء وراء "السلطة الفلسطينية"، التي اعتُبرت ممثلة عن القضية وعن الشعب الفلسطيني، لإعلانها الموافقة على الاعتراف بالكيان الغاصب، بشرط "حلّ عادل" للقضية الفلسطينية، وهو المصطلح الذي يردده كل من يريد منع الشعب الفلسطيني من مقاتلة العدو وإزالة كيانه.
ولكن، بسبب صعود المقاومة ضد هذا الكيان الغاصب، في لبنان وفلسطين (التحرير عام 2000، انتفاضة الأقصى، الاندحار من قطاع غزة، وفشل الحروب على المقاومة في لبنان وفلسطين)، حيث تآمرت أنظمة عربية مع العدوان وشاركت بتأجيجه، من خلال علاقاتها مع الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ربطت بعض الأنظمة العربية مصيرها بمصير الكيان الصهيوني، وأقامت معه علاقات أمنية واقتصادية سرية، ثم شبه سرية، الى أن تم الإعلان عنها في السنوات الأخيرة في اللقاءات الثنائية والمؤتمرات والزيارات والمناورات العسكرية المشتركة.
رافق هذا التوجه التطبيعي مع الكيان موجة تطبيعية ثقافية وإعلامية هدفت الى كسر المناعة العربية والإسلامية، المبنية على التاريخ والعقيدة والشعور الإنساني الفطري، الرافضة لوجود كيان غاصب وعنصري وإرهابي، يسعى الى إلغاء الأمة وشعوبها. رغم الضجيج الإعلامي الكبير والضغوط الدولية على المؤسسات الشعبية والمدنية (شروط تمويل جمعيات المجتمع المدني على سبيل المثال)، ومشاركة مثقفين تابعين ومموّلين من قبل الغرب وممثليه، الذين باتوا خارج التاريخ والجغرافيا والانتماء، حافظت الشعوب العربية والإسلامية على انتمائها لفلسطين والأمة، بسبب الجرائم الصهيونية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، وصعود المقاومة المسلحة والشعبية ضد العدوان والظلم، وتنامي التيار العالمي الشعبي الداعم لفلسطين وشعبها.
لقد حسم صعود المقاومة ضد العدو وأعوانه في المنطقة الأمور بالنسبة لبعض هذه الأنظمة، التي اختارت التحالف مع الصهاينة ضد أمتها وشعوبها، خشية من سقوطها بسبب ارتباطها العضوي بالمصالح الغربية. فتبنّت "صفقة القرن" الأميركية – الصهيونية وقدّمت خطة لتمويلها، وربطت بلدانها بالمشروع الصهيوني والهيمنة الأميركية على المنطقة.
لم تكن خطوة الإعلان عن الإتفاق بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني مؤخرا خطوة تطبيعية كسائر خطوات التطبيع التي سبقت، أي الاعتراف بوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، بل الإعلان عن تحالف أمني وسياسي لمواجهة المقاومة المشروعة، وبالتالي مواجهة الحق الفلسطيني والعربي، بل دعم آلة القتل والدمار الصهيونية ومسار التهويد للمقدسات ولفلسطين.
انتقل النظام الإماراتي، من الدعم المالي والسياسي "لإخواننا الفلسطينيين" لإعادة إعمار ما دمّره الاحتلال (مخيم جنين مثلا عام 2002)، عبر "المجتمع الدولي" وآلياته، الى "الدعم الإنساني" عبر المحتلين الصهاينة، كما حصل لدى وصول مساعدات طبية إماراتيه بسبب جائحة كورونا الى مطار بن غوريون، دون التنسيق مع "السلطة الفلسطينية"، للتأكيد على انخراطه ب"صفقة القرن" والمشروع الصهيو-أميركي في المنطقة. أسقط هذا الانخراط الطروحات "المعتدلة" حول القضية الفلسطينية، التي تم تداولها منذ سبعينيات القرن الماضي والتي كان يراد منها ترويض الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ليقبلوا بوجود الكيان المحتل على أرضهم وعدم البحث عن حلّ جذري ينهي حالة التبعية والتجزئة.
أمام هذا المشهد الذي يتوضح يوما بعد يوم، لم يعد من طريق أمام الشعوب العربية إلا الالتفاف حول الحق الفلسطيني والعربي الخالص بأرضه ومقدساته، وحول المقاومة الفلسطينية، الممثلة الفعلية لطموحات الشعب الفلسطيني والمدافعة عن حقوقه، الى جانب الدعم الإعلامي والمعنوي والمادي لها، وتحشيد شعوب العالم لدعمها. وذلك بموازاة العمل الجاد للتخلص من تبعية بلدانها للدول الإمبريالية ومن نفوذها، إن كانت تبعية سياسية أم عسكرية أم إقتصادية أم فكرية.