/مقالات/ عرض الخبر

التقدم التكنولوجي كأداة لتفشي الفساد والشر

2020/04/22 الساعة 03:28 م
التقدم التكنولوجي
التقدم التكنولوجي

بقلم: راغدة عسيران

يناقش البروفسور أحمد سعدي في عدد من كتاباته ادعاء الصهاينة بأنهم جلبوا التقدّم والرقيّ الى منطقتنا العربية، وخاصة الى فلسطين، كونهم ينتمون الى الحضارة الغربية ويمتلكون المال. وكانوا قد بدأوا بإشاعة هذه المقولة قبل الاحتلال البريطاني، لإقناع النخبة العربية آنذاك بـ"إيجابيات" الاستيطان الصهيوني في فلسطين.

لم تكن هذه المقولة الزائفة، غريبة عن دوائر الاستعمار العالمي، حيث امتلأت مكتباتها الرسمية والخاصة بمئات الآلاف من الكتب والمراسلات والدراسات، تمجّد بالاستعمار والاستيطان ونهب الشعوب والبلدان، بناءا على تقدّم الغرب العلمي والتكنولوجي، في مواجهة ما اعتبروه ركود وتخلّف الأمم الأخرى في العالم. وقد أثبت الصهاينة، بادعائهم جلب التقّدم الى الشعوب العربية، أنهم فرع أصيل من الاستعمار الغربي المدمّر لحضارات وثقافات العالم.

ولكن الكيان الصهيوني أكثر من استعمار كونه استعمارا إستيطانيا على غرار الاستعمار الاستيطاني في أوستراليا وأميركا، بل أفظع منه لأنه ألغائي، لا يعترف بوجود الشعب الفلسطيني ووحدته، وقد جزّأ فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 الى قوميات وطوائف، وينفي تاريخه وثقافته، وقد زوّرهما في مدارسه وجامعاته.

كما أن الكيان الصهيوني أكثر وحشية من الكيانات الاستعمارية الغربية، لأنه يستخدم التكنولوجيا المعاصرة لقمع وقتل ومراقبة الشعب الفلسطيني، وتشهد تلك التكنولوجيا تطورا يوميا، تفسح له المجال لفرض سيطرته على شعوب المنطقة. فهو بذلك يشبه النظام النازي في ألمانيا الذي استخدم التكنولوجيا المتقدمة في حينه لقتل الملايين من الأوروبيين ومراقبة المجتمعات في بعض البلدان الأوروبية بطريقة علمية وممنهجة، كالدنمارك والنروج، للتحكم بتفاصيل حياتها ومنع أي انتفاضة شعبية ضده، كما ذكر أحد المشاركين في أجهزة التجسس الصهيونية على الفلسطينيين، عزرا دانين.

استمرت مقولة "جلب التقدّم" العنصرية لدى الصهاينة، وتأسست عليها العلوم الاجتماعية في جامعاتهم ومعاهدهم، كما لاحظ د. أحمد سعدي، رغم الدمار الذي ألحقوه بالشعب الفلسطيني منذ إقامة أول مستوطنة على أرض فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر.

منذ إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، لم تتوقف الحروب ضد الشعب الفلسطيني وكذلك ضد الشعوب العربية المساندة له، ما يشير الى أن وجود الكيان الصهيوني بحد ذاته في قلب الأمة يعدّ كارثة لتلك الشعوب، وأهم أسباب تخلّفها وانعدام نموّها، رغم الجهود المبذولة في الميادين كافة.

بغض النظر عن مفهوم التقدّم والتخلّف وما هي مواصفاتهما، إلا أنه يجب الملاحظة أن الصهيونية، كإيديولوجية عنصرية وإلغائية، غير مؤهلة لجلب التقدم والرقي لمن تصنفه بغير اليهود، لأنها تعتبر الشعوب العربية والشعب الفلسطيني خصوصا خداما، بل عبيدا لمشاريعها، ومن أجلها، تقتل وتدمّر وتسرق الأرض والممتلكات، وتسجن وتهدم المنازل، لمن يرفض سيطرتها. ويعدّ الكيان الصهيوني نقيض الرقي والتقدم والإزدهار لأنه يسعى الى تهويد فلسطين، من بحرها الى نهرها (على الأقل)، وتشريد المزيد من الفلسطينيين كلما سنحت له الفرصة، أو نقلهم مرحليا من منطقة الى أخرى، كما يحدث اليوم في الأغوار والنقب والقدس، بالادعاء أنهم غير متجذرين في أرضهم، بعد أن تم نقل آلاف العائلات في الأراضي المحتلة عام 1948 من قرية الى أخرى ومن حيّ الى آخر في المدن الساحلية، لتسهيل سرقة الأرض والممتلكات وزعزعة معنوياتها.

تبنّى البنك الدولي والمؤسسات الدولية والدول الأوروبية المانحة مفهوم الرقي والتقدم الذي روّج له كيان العدو، بعد اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية. بالنسبة للكيان الصهيوني، فتقدّم ورقيّ وازدهار الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يتطلّب فصل مسألة الاحتلال والاستيطان والتدمير الممنهج والتهويد عن المشاريع الاقتصادية وبناء موسسات مهمتها ترويض الشعب (شرطة، أجهزة أمنية مختلفة، محاكم، مجلس نيابي) وايهامه أنه بصدد إقامة دولة سيادية اسمها "دولة فلسطين".

بعد حوالي ثلاثة عقود من الزمن، اتضح أن إزدهار الشعب الفلسطيني مستحيل في ظل الاحتلال، الذي حاول بكل الوسائل المتاحة له (التكنولوجيا المتقدمة والإعلام العالمي وعلاقاته الدولية) الترويج بأن سبب فشل تقدّم ورقيّ الشعب الفلسطيني (والشعوب العربية)، يكمن في عقيدته وثقافته ونفسيته وليس في وجود كيان احتلالي يسرق الأرض والممتلكات (بما في ذلك ممتلكات الأسرى) ويدمّر الشجر والحجر، ويقتل الأجيال الشابة.

ثم جاءت الوثيقة الاقتصادية لصفقة القرن المسماة "من السلام الى الإزدهار" التي صاغها "البيت الأبيض" الأميركي والتي تبناها "مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي" في 25-26 يونيو (حزيران) 2019، لتواصل إنكار تداعيات الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلسطيني وعلى حياته، وتقترح "سلام اقتصادي" على أجزاء من الأراضي المحتلة عام 1967.

لم تترك الوثيقة أي ميدان من ميادين الحياة إلا وتدخلّت فيه لإشاعة ما تسميه الإزدهار في المجتمع الفلسطيني: المشاريع الاقتصادية، حقوق الملكية، الاستثمارات، الأسواق المالية، المنازل والمدارس، التعليم العالي، المستشفيات، الحدائق، المؤسسات الرياضية والمكتبات، إضافة الى الكهرباء والمياه. ثم تضيف أنه "سيتم ربط أسواق الضفة الغربية وغزة بالشركاء التجاريين الرئيسيين، بما في ذلك مصر وإسرائيل والأردن ولبنان". لم تذكر الوثيقة "دولة فلسطين" التي أقامتها اتفاقيات أوسلو، بل تجمعات سكنية فلسطينية (في الضفة الغربية وغزة) كما تم تغييب الاحتلال الصهيوني الذي ينهش الأرض ويسرق المياه ويمد شبكة الكهرباء الاستعمارية كأداة للتوسع الاستيطاني من جهة، ويحاصر ويهدّد مليوني فلسطيني من جهة أخرى. وتشترط أخيرا الوثيقة لإنجاز "أحلام الفلسطينيين" أن عليهم الموافقة على "السلام" لتحقيق هذا الرخاء، أي الاعتراف بـ"حق" الكيان الصهيوني في تهويد فلسطين وتشتيت شعبها.

تؤكد الوثيقة في الخاتمة أنه "من خلال هذه الرؤيا، يمكن للضفة الغربية وغزة أن توفرا مستقبلا من الكرامة.."، معتبرة أن "الكرامة" منفصلة عن الحرية وتنحصر في الرخاء المادي، وفقا لمفهوم الطغاة للازدهار والتقدم، الذين انكروا للشعوب حاجتهم الى الحرية وضرورة التواصل بين ماضيهم ومستقبلهم من خلال معتقداتهم وثقافتهم وأرضهم ومجتمعهم.

يشدّد الطغاة ووكلائهم المحليين على التقدّم التكنولوجي كوسيلة للازدهار، ولكن التكنولوجيا والعلم بيد الطغاة لم تكن يوما إلا وسيلة لبث الشر في العالم، كما تجسّدت الى الآن في السياسة الأميركية والصهيونية وكل الدول الإمبريالية. ثم يجب الإضافة ان التقدّم التكنولوجي والعلمي لا يصنع مجتمعات مزدهرة ومتقدّمة عندما تكون هذه المجتمعات جاثية على أرض الغير وتسكن في بيوت الغير وتستغل موارد الغير، وعندما تكون مركبّة من مجموعات بشرية ذات ثقافات مختلفة ومتناقضة أحيانا، تربطها فقط علاقة وهمية مبنية على اسطورة ومصالح آنية. التقدّم التكنولوجي لا يعوّضها عن عدم انتمائها الى هذه الأرض والى شعوبها العربية، لأن اليهود الصهاينة غزاة وسيظلون غزاة.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/152789

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا