بقلم: راغدة عسيران
شهدت مدينة القدس في الآونة الأخيرة، تصاعد الاعتداءات الصهيونية على المقدسيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وعلى ما يسمى الوصاية الأردنية على القدس والمقدسات. الى جانب التصريحات، كتصريح الوزير جلعاد أردان قبل إيام مطالبا بتغيير "الوضع القائم" في مدينة القدس، أو تصريحات بعض المنظمات الصهيونية المطالبة بإعادة النظر بـ"استئجار" المسجد الأقصى الى الأردن، بعد رفض الأردن تمديد استئجار أراضي الغمر والباقورة للكيان قبل عام، فكانت الممارسات الصهيونية اليومية تؤكد نيّة العدو في سحب "الوصاية الأردنية" عن المقدسات في مدينة القدس: لقد تم اعتقال رئيس مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالقدس، فضيلة الشيخ عبدالعظيم سلهب، ونائب مدير عام دائرة الأوقاف ناجح بكيرات، بعد هبّة باب الرحمة في شباط/إذار (فبراير/مارس) 2019، ويتم اعتقال وإبعاد بشكل مكثّف حراس الأقصى، وهم من موظفي الأوقاف الأردنية، كما تتدّخل قوات الاحتلال بتعيين أو رفض تعيين بعضهم، وتمنع عمال الأوقاف من إدخال المواد اللازمة لترميم وصيانة بعض الأماكن في المسجد الأقصى. وفي شهر رمضان الفائت، منعت نصب الشوادر التي اعتادت الأوقاف على نصبها في المسجد الأقصى لحماية المصلين من أشعة الشمس.
لم تبدأ هذه الاعتداءات على الأوقاف مع "صفقة القرن" الأميركية – الصهيونية، بل هي مستمرة منذ عقد من الزمن، لكنها تصاعدت بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مدينة القدس "عاصمة الكيان الصهيوني".
ماذا تعني الوصاية الأردنية أو "الهاشمية" على المقدسات ؟
وفقا للأدبيات المختصة، تعود الوصاية الأردنية على المقدسات الى العام 1924، عندما "عقدت البيعة للشريف حسين للوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس". بعد 1948 وضمّ الضفة الغربية والجزء الشرقي من القدس الى المملكة الأردنية، استمرت هذه الوصاية، التي لم تنقطع مع احتلال كل الأراضي الفلسطينية في حزيران/يونيو 1967. "وبعد مرور مدة قصيرة من سيطرة "إسرائيل" بالقوة على الحرم القدسي، تم نقل السيطرة الى الأردن مجددا" (عبد الله كنعان، الوصاية الهاشمية، من منشورات اللجنة الملكية لشؤون القدس).
لقد تم التأكيد على الوصاية الأردنية للمقدسات في مدينة القدس (الجزء الشرقي فقط) في اتفاقية "وادي عربة" الموقعة بين المملكة الأردنية والكيان الصهيوني في العام 1994، وإعلان واشنطن حيث تعهد كيان العدو احترام "الدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الاسلامية في القدس".
لم تنته هذه الوصاية مع فك الارتباط بين الضفة الغربية والأردن عام 1988، حيث "استثنيت القدس من قرار فك الارتباط القانوني والإداري حفاظا على أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية" (عبد الله كنعان). وقد تم تكريس هذه العلاقة في "اتفاقية الوصاية" الموقعة يوم 31 آذار/مارس 2013 من قبل الملك الأردني ومحمود عباس، كرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس السلطة الفلسطينية.
لقد اعترف المجتمع الدولي بالوصاية الأردنية على المقدسات في مدينة القدس، بما فيها مؤسسات الأمم المتحدة ومنها اليونسكو، والدول العربية والإسلامية، من خلال جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
تشمل الوصاية الأردنية على المقدسات في الجزء الشرقي من القدس العناية بحوالي 144 معلم ديني إسلامي، بما فيه معالم المسجد الأقصى المبارك، مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته، بالتعاون مع الأوقاف الفلسطينية. كما تشمل العناية بالمقدسات المسيحية وأوقافها، وقد "أشار الناطق الرسمي باسم بطريركية المدينة المقدسة أن رؤساء الكنائس أعلنوا مبايعة جلالة الملك عبد الله الثاني بالوصاية على المقدسات المسيحية بالقدس".
إضافة الى العناية بالمقدسات، تشرف وزارة الأوقاف الأردنية على غالبية موظفي المسجد الأقصى ومرافقه، وقد بلغ عدد موظفي أوقاف مدينة القدس 938 موظفا، كما صرّح الاستاذ عبد الله كنعان، أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس في تموز/يوليو 2019، منهم الحراس والعمال، الذين يتقاضون رواتبهم من موازنة وزارة الأوقاف الأردنية.
تتولى الوصاية ما يسمى "الإعمار الهاشمي" الذي بدأ في العام 1922، أي إعمار المسجد الأقصى، من ترميم وصيانة وإزالة آثار إحراق المسجد الأقصى الإرهابي في آب/أغسطس 1969. شمل الإعمار الخامس (1999 حتى الآن) إعادة بناء منبر نور الدين زنكي (منبر صلاح الدين)، وترميم الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى، ونظام الإنذار وإطفاء الحريق، وترميم الأعمال الفنية في مختلف مرافق قبة الصخرة المشرفة، وغيرها من الأعمال. يضيف الاستاذ عبد الله كنعان أن الملك تبرّع في نيسان/ابريل 2016، "وعلى نفقته الخاصة"، لترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة.
تعني الوصاية الأردنية أيضا العمل السياسي والديبلوماسي لحماية المقدسات في مدينة القدس، في المحافل الدولية، ومنها اليونسكو، وفضح الاعتداءات الصهيونية عليها وعلى المقدسيين، علما أن الموقف الأردني الرسمي من القضية الفلسطينية يقتصر على الدعوة الى الانسحاب الصهيوني من الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية، عاصمتها "القدس الشرقية"، الى جانب دولة كيان العدو، أي أنه يدعو الى تطبيق "الشرعية الدولية". شملت أيضا الوصاية الأردنية منح جواز السفر الأردني للمقدسيين، الذي اعتبره الشيخ ناجح بكيرات "خطوة مهمة جاءت في خضم تخلي العرب عن القدس، وتعبّر عن الرعاية الأردنية للمقدسيين"، مضيفا أن الوصاية الأردنية هي "الحل الأمثل في ظل وجود الاحتلال".
"صفقة القرن" والأردن ومسألة المقدسات في القدس
رغم ما يمثله النظام الأردني في الاستراتيجية الغربية العدوانية إزاء شعوب المنطقة وحركاتها التحررية، اصطدمت الإدارة الأميركية بالموقف الأردني الرسمي المناهض لـ"صفقة القرن" والمساند للسلطة الفلسطينية. أبدى النظام الأردني انزعاجه من الخطوات الأميركية التي سلّمت مدينة القدس للكيان الصهيوني واعتبارها عاصمة له، وافتتاح السفارة الأميركية في القدس. فسارع الى المشاركة في مؤتمر اسطنبول المندّد بالاعتداء الأميركي على المدينة المقدسة، وتوالت التصريحات الملكية والحكومية للدفاع عن مكانة القدس العربية والإسلامية، ورفض الاحتلال وكافة اعتداءاته على الأوقاف وموظفيها خلال السنوات الماضية.
لم يشارك الأردن رسميا في المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية التي تروّج لها الإدارة الأميركية والتي تبنّتها بعض الأنظمة العربية، بل التزم بموقف السلطة الفلسطينية، رغم الضغوط السياسية والمالية التي مورست عليه، وذلك لأنه يدرك أن مسألة القدس تبقى مسألة حيوية لاستمرارية نظامه، بسبب العلاقة التاريخية والديمغرافية التي تربط الأردن بفلسطين، وبسبب المزاج الشعبي الداعم لعروبة فلسطين.
في خضم جولات المسؤولين الأميركيين الى المنطقة لتدبير كيفية القضاء على فلسطين والفلسطينيين، أثيرت مسألة استبدال الوصاية الأردنية على المقدسات في القدس، بالوصاية السعودية، التي قد تكون متعاونة أكثر مع المحتل الصهيوني، غير أن المخاوف الاردنية والفلسطينية، الرسمية والشعبية، من تلك الاقتراحات، تبدّدت بسرعة بعد الوقوف الحازم والصريح للنظام الأردني حيال هذا الموضوع.
يؤكد الاستاذ عبد الله كنعان أن لا "قدرة" للسعودية على الحلّ مكان الأردن، في مسألة الوصاية، لأنها "ضمن معاهدات واتفاقيات دولية، لا أحد يستطيع نزعها وأن أي محاولة ستبوء بالفشل"، كما صرّح الشيخ ناجح بكيرات، وقد طلبها الفلسطينيون أنفسهم.
بعد النفي السعودي الرسمي لمحاولة سحب الوصاية من الأردن، وتراجع التصريحات بهذا الشأن، يبدو أنها كانت محاولة صهيونية أميركية للضغط على الأردن مجددا، بالتلميح بامكانية سحب الوصاية منه وتسليمها لدولة عربية أخرى، منافسة له تاريخيا، إن لم يرضخ لـ"صفقة القرن".
رغم الطمأنة الأميركية حول استمرارية الوصاية الأردنية، يواصل العدو الصهيوني اجراءاته العملية ضدها، باستهداف مديرية الأوقاف في القدس، من خلال منع الترميم والصيانة في المسجد الأقصى، والمطالبة بإذن مسبق للعمل أو إدخال المواد اللازمة اليه، ومحاولة إخضاع الأوقاف للمحاكم الصهيونية، والاستيلاء على الأوقاف المسيحية التي ترعاها الأردن، بالحيل والتزوير، وتوقيف وإبعاد حراس الأقصى.
تدلّ هذه الاعتداءات الصهيونية على القدس، ومنها على مديرية الأوقاف، أن كيان العدو لا يحترم الاتفاقيات الدولية ولا الاتفاقيات الثنائية، لا سيما وأنه يتلقى الدعم الكامل من الولايات المتحدة، ولا ينتظر أي ردود فعل على ممارساته من الجانب العربي والإسلامي، الرسمي أو الشعبي.
الى أي مدى تحمي الوصاية الأردنية المقدسيين ومدينة القدس المحتلة من الاعتداءات الصهيونية المتكررة ومن الهجمة التهويدية؟
يعتبر عدد من المحلّلين والسياسيّين أنها لم تعد تكفي، لا سيما وأنها مهدّدة أيضا بالإزالة، إن لم يتخذ الأردن مواقف أكثر صلابة، ولم يعوّل كثيرا على المجتمع الدولي والتصريحات الديبلوماسية. غير أن هذه الوصاية التي تفصل أساسا بين أهل القدس وضواحيها والمقدسات المتمثلة بـ"القدس الشريف" ليس باستطاعتها حماية المقدسيين من تدمير وسرقة المنازل وتهجير سكانها، ومنع تهويد المناهج والمدارس والزحف الاستيطاني المستمر.
تؤمن الوصاية الأردنية الحد الأدنى من الحماية للمقدسات في الجزء الشرقي من القدس، في ظل التخلي العربي الرسمي عن فلسطين والقدس، وتواطؤ بعض الأنظمة العربية مع العدو، والضغوطات المالية والسياسية على الأردن. يحاول النظام الأردني الموازنة بين الضغوطات الخارجية التي يؤيدها بعض المتنفذين، والمدّ الشعبي العام المؤيد لفلسطين والقدس، والذي لا يمكن لأي نظام في الأردن تجاهله. فهو من جهة، يحمي المقدسات ويقدم بعض الدعم لأهل القدس، ولكن من جهة أخرى، يحذف من المناهج التعليمية المواد المتعلقة بالحق الفلسطيني والعربي بكل فلسطين، كما يطالب به المجتمع الدولي، من "أجل السلام"، كما أنه يوافق على صفقة الغاز مع كيان الاحتلال، التي ستضع الأردن ومواطنيها في قبضة الابتزاز الصهيوني وستؤمن للعدو الأموال لمواصلة السيطرة والنهب وتهجير الفلسطينيين.
بدلا من الاعتماد على الانتماء الشعبي الأردني الى فلسطين والقدس، والذي يعتبر مصدر قوته الحقيقية ويؤمن له الموقف الصارم لمواجهة العدو وأعوانه، يعتمد النظام الأردني على القوى الدولية الموالية للصهيونية التي تضعف قراره الوطني، ما يجعله يعاني من أزمات متعددة، أهمها الثقة الشعبية به، ومن تناقضات متشعبة في كافة المجالات.
الأردن ليس البلد العربي والإسلامي الوحيد الذي يعيش هذا التناقض بين الانتماء الشعبي للقضية الفلسطينية وبين التبعية للأجنبي الذي يملي عليه الاصطفاف الى جانب العدوان الصهيوني، بحجة "السلام العالمي" و"رفض العنف" و"التقدم والازدهار" والشعارات الفارغة الاخرى. التخلّص من التبعية "للخواجا" والالتفات الى هموم المواطنين المعيشية والوطنية هو الذي يحمي الأردن وغيره من البلدان من الضغوط الخارجية والعدوان الصهيوني الدائم.
