بعد أيام من انطلاق ثورة الغضب الشعبي العفوي العارم لوفاة الطفل محمد وهبي ابن الثلاث سنوات، والتي تجاوزت مخيم نهر البارد، إلى ساحات وشوارع بعض المدن اللبنانية بخاصة في عكار وطرابلس وبيروت، لا يزال ملف الإهمال وتراجع الخدمات الصحية والاجتماعية في الوسط الفلسطيني، ودور وكالة "الأونروا" التي قلصت خدماتها إلى حدودها الدنيا؛ ومسؤولية السلطات اللبنانية، التي تحرم اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم المدنية والإنسانية، بعد سبعين عاما من اللجوء، لا يزال هذا الملف مفتوحا، بالرغم من محاولات البعض، ومن بينها وسائل إعلامية "تسييس" التحركات الشعبية النابعة من عمق المأساة التي وحدت بين الفلسطينيين واللبنانيين، وأخذها في اتجاهات ومناحٍ لا تمت إلى الحقيقة بصلة، في مسعى مشبوه لإحباط التحرك الشعبي، ولفلفة قضية الطفل الشهيد، دون إجراء تحقيق شفاف بهذه الجريمة التي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، في هذا المسلسل الدائم الذي يوحد بين وجع الفلسطينيين واللبنانيين، الذين يفقدون فلذات أكبادهم ومرضاهم أمام أبواب المستشفيات، وغلاء الأدوية وفقدانها من دون أن يرف للمعنيين جفن.
ان مساعي وكالة "الأونروا" للتبروء من مسؤوليتها في هذه الجريمة، والحديث الممجوج عن توفر "التحويلات" والتغطية المالية، لا يعفي الوكالة من مسؤوليتها المباشرة، لكونها المؤسسة الدولية المعنية بشكل مباشر بـ"إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين". وبدلا من أن توفر الوكالة المستشفيات المتخصصة والمجهزة بأحدث الألات والمعدات والأطقم الطبية لتوفي العلاج للاجئين في المخيمات اللاجئين، كافة، تراجعت خدماتها وبشكل متدرج إلى الحدود التي باتت محصورة بعيادة هنا ومركز هناك، وبتغطية جزئية لبعض الحالات، وبخاصة الأمراض المستعصية التي تحتاج لعلاج دائم وأدوية باهظة التكاليف. وستبقى الوكالة ملاحقة بمطالب اللاجئين حتى تعود عن إجراءاتها المرفوضة جملة وتفصيلا.
أما السلطات اللبنانية، فالمسؤولية تلاحقها باعتبارها البلد المضيف، الذي يتحمل دوليا تبعات ومسؤولية كل المقيمين على الأرض اللبنانية، بخاصة وهي الموقعة على المواثيق الدولية التي تعطي لكل إنسان مقيم على أرض معينة الحق في العلاج والطبابة والاستشفاء، ناهيك عن رفض هذه السلطات إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية التي تكفل لهم الحق في العمل والسكن بما يليق بالانسان، بالرغم من المناشدات والمطالبات والتحركات الشعبية الدائمة، وإقرار لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بضرورة وأهمية إعطاء اللاجئين هذه الحقوق.
ان الشرارة التي أشعلت اليوم نار الغضب ووحدت وجع اللبنانيين والفلسطينيين، ودفعتهم إلى الشوارع والساحات في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والمدن وصولا إلى قلب العاصمة اللبنانية، بيروت، إستنكارا وتنديدا بهذه الجريمة الموصوفة، أعطت صورة ناصعة لتلاحم الشعبين اللبناني والفلسطيني، لا علاقة له من قريب أو من بعيد بدهاليز السياسة المحلية، وبالاصطفافات الداخلية، وبالاستحقاقات الآنية... ان هذه الشرارة قد تتجدد مع جريمة أخرى مشابهة، لا يتمناها أحد، وساعتها سيكون للشارع كلمته وموقفه، ولن تستطيع كل الاتهامات الجاهزة والفبركات، وعنصرية بعض الصحف ووسائل الإعلام، من تشويه صورتها أو حرفها عن مسارها أو وضع حد لها قبل أن تتحقق المطالب المحقة التي تكفل عدم موت أي مريض أمام أبواب مستشفى، أو مستوصف فاقد للأهلية.