/مقالات/ عرض الخبر

انتخابات في ملعب العدو: حول المجالس المحلية في الداخل (1)

2018/11/26 الساعة 11:18 ص

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

شهدت نهاية شهر تشرين الأول / اكتوبر 2018 انتخابات المجالس المحلية في الأراضي المحتلة العام 1948، والتي سعى المحتل الى إجرائها في المناطق المحتلة في العام 1967 التي ضمها إلى كيانه، أي الجزء الشرقي من القدس والجولان. لكنه فشل، حيث قاطع المقدسيون هذه الانتخابات، وثار أهل الجولان ضد سياسة الإحتواء الصهيونية. في المقابل، شارك، ويشارك، منذ إقامة هذه المجالس فلسطينيو 48، وبشكل كثيف، حيث وصلت نسبة التصويت إلى 80% كما أشارت له المعطيات شبه الرسمية.  يقدر الباحث أسعد غانم (2009) أن نحو ثمانين في المائة من فلسطينيي 48 يعيشون في مناطق نفوذ سلطات محلّيّة عربيّة؛ أمّا المتبقّون، فيعيشون في قرى لا يعترف بها الكيان، أو في مدن "مختلطة" ذات أكثريّة يهوديّة. يقدَّر عدد أصحاب حق الاقتراع في البلدات العربية بنحو 750 ألف شخص، موزّعين على 82 قرية وبلدة ومدينة في الجليل والمثلث والنقب، إلى جانب مدن الساحل، حيث يتشارك الفلسطينيون مع المستوطنين اليهود في انتخاب المجالس البلدية فيها، والمجالس الإقليمية التي تضم عدة قرى وأحيانا مستوطنات، على مجموع 197 سلطة محلية و54 مجلساً إقليمياً.

رغم تموليها الجزئي من قبل السلطة المركزية، تعتبر المجالس المحلية في معظم الدول التي أقامتها، الحيّز الأمثل لمشاركة المواطنين في تدبير بعض أمور حياتهم، بعيداً عن السلطة المركزية، حيث ينتخبون أعضاء ورؤساء هذه المجالس، بشكل مباشر، لتولي مسؤولية بعض المهام الخاصة بالبلدة، كالبنى التحتية والبناء والاقتصاد والثقافة. تتسم عادة انتخابات السلطات المحلية بتراجع دور الأحزاب الوطنية لتحلّ مكانها اللوبيات المختلفة (الصيد أو التعليم الديني على سبيل المثال) والجمعيات المحلية والتكتلات العائلية و"القبلية". وترتبط هذه المجالس بالسلطة المركزية، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، لا سيما في المسائل الأمنية والمالية.

في الكيان الصهيوني، المجالس المحلية والبلدية مرتبطة مباشرة بوزارة الداخلية، التي تطبّق المشروع الصهيوني الاقتلاعي، كلما استطاعت، من خلال التمويل والتمييز بين البلدات والمدن العربية من جهة والمستوطنات اليهودية من جهة أخرى، ومن خلال إجراءات إدارية تمنع أي تطوّر حقيقي يميل إلى شكل من الاستقلال عن المركز والإدارة الذاتية. تتميز العلاقة بين السلطة المركزية الممثلة بوزارة الداخلية الصهيونية وبين السلطات المحلية العربية بعلاقة التبعية والتمييز العنصري والتهميش، بحيث اعتبر عدد من الباحثين أن السلطات المحلية العربية تقوم بدور الوكيل للأجهزة الصهيونية في القرية والبلدة والمدينة التي تديرها. يرى الباحث نبيه بشير، مثلاً، أن "من أهم الأهداف السلطوية التي تحقّقها السلطات المحلية العربية، تحمّلها المسئولية بدلاً من السلطة المركزية وتخفيف الأعباء عنها؛ بما أن السلطة المحلية جسم نظامي، بات عليها الالتزام بوصفها أداة بأيدي السلطة المركزية في تنفيذ القرارات الحكومية وتطبيق القانون، حتى وإن كان يعمل ضد مصلحة السكان أنفسهم" (فصل المقال، 5/2013).

من غير الممكن الفصل، في حال الكيان الصهيوني، بين مشروعه الاستيطاني الإقتلاعي من جهة وعلاقته مع ما يسميه "الأقلية العربية" من جهة أخرى، أي الفلسطينيين المرابطين على أرضهم وفي وطنهم المحتل العام 1948، لا سيما بعد إصدار "قانون القومية" الأساس الذي يدعى أن فلسطين هي "أرض إسرائيل"، الخاصة باليهود فقط، ويشرعن بالتالي الممارسات الإجرامية كافة بحق الشعب الفلسطيني (قتل وتدمير واقتلاع وتهميش وعنصرية)، في الماضي والحاضر والمستقبل. لهذه الأسباب، لا يمكن أن تكون العلاقة غير علاقة صراع وجود بين الشعب الأصيل وبين المستوطنين ومؤسساتهم، رغم محاولات المحتل لإيجاد صيغ مشاركة "المواطنين العرب" في إدارة حياتهم في المستوطنة الكبرى، ومنها إتاحة لهم الفرصة لانتخاب المجالس المحلية والبلدية وأعضائهم في "الكنيست".

بخلاف الاستعمار الاستيطاني في أماكن أخرى من العالم، لم يتمكن الاستعمار الصهيوني من عزل المجتمع الفلسطيني في معازل مغلقة، كما كان الوضع في جنوب إفريقيا، تديرها نخبة موالية للحكم الاستعماري على أجزاء من الوطن المفتت، ذلك لأن الصهاينة يسعون إلى الاستيطان في كل الوطن وليس على جزء منه، ولأنهم مارسوا سياسة التطهير العرقي إزاء الفلسطينيين، ويتّبعون - لأسباب أمنية - المركزية المفرطة في كل أمورهم؛ بل يفضّلون اتباع استراتيجيات أخرى إزاء من يعتبرونهم "أغياراً" (دينياً) و"قنابل موقوتة" (سياسياً واجتماعياً)، تتمثل في ضبطهم من جهة، وتهميشهم من جهة أخرى، وتمكينهم من دخول اللعبة "الديمقراطية" دون السماح لهم بتجاوز خطوط معينة، منها العلاقة بالشعب الفلسطيني والأمة، ووحدتهم ووحدة مجتمعهم من خلال النضال من أجل استرجاع أرضهم المسلوبة وقراهم المهدّمة أو المهوّدة، كما تتمثل في محاولات تفتيتهم إلى أقليات ضمن "الأقلية" (الدروز والشركس والبدو والعرب) وإثارة النعرات الطائفية وإشعال الفتن وتشويه التاريخ والتساهل مع حوادث القتل وترويج المخدرات داخل المجتمع الفلسطيني.

رغم تبعية السلطات المحلية والبلدية للسلطة المركزية الصهيونية، التي تسرق الأرض وتهدم البيوت وتقمع التطلعات التحررية الفلسطينية، يشارك فلسطينيو 48 بكثافة في انتخاباتها، يتنافسون في قوائم انتخابية ويطمحون إلى إدارتها، ويطلقون الشعارات الطنانة لجذب الناخبين، ويعدون بتحسين ظروف حياتهم، خلافاً لانتخابات الكنيست الصهيوني، حيث لا تتجاوز نسبة المقترعين في المجتمع العربي 50%، وخلافاً أيضاً للمستوطنين الذين لا يبالون كثيراً بمجالسهم المحلية، إلا عندما ينافسون القوائم العربية على تمثيل المدن "المختلطة". لماذا يصرّ فلسطينيو 48، إذن، على المشاركة الواسعة في انتخابات المجالس المحلية والبلدية، علماً بأن وضعهم يزداد سوءاً بالمقارنة مع مجتمع المستوطنين، وعلماً بأن السلطة المركزية حريصة على عدم تجاوزهم خطوطها. هل يطمحون إلى تغيير المعادلة مع دولة الاستيطان وتطوير قدراتهم الذاتية من خلال الحصول على موطئ قدم في السلطة، وإن كانت محلية؟ وهل هذا ممكن في كيان استعماري استيطاني يسعى إلى التخلص من الفلسطينيين ومن القضية الفلسطينية؟ يتساءل عوض عبد الفتاح، الرئيس السابق للتجمع الوطني الديمقراطي، على سبيل المثال: "هل واقعنا المعيشي التابع لاقتصاد المستعمر، يسمح بإحداث تغيير داخلي جذري، دون الخوض في معركة بناء اقتصادي حديث ومستقل نسبيا؟ "وهل هذا ممكن في الوضع القائم؟".

تشير الدراسات الخاصة بالمجالس المحلية العربية إلى أن للسلطة المركزية الحق في خلع رئيس المجلس المنتخب وتعيين موظّف مكانه بحجة "عدم النجاعة الاقتصادية والإدارية الناحجة". وفرضت على السلطات المحلية منذ سنوات وظيفة محاسب مرافق، تختاره وزارة الداخلية الصهيونية لردع ما تعتبره "التسيب المالي والتجاوزات الإدارية"، وشكّلت لجاناً معينة من رجال السلطة المتقاعدين لإيجاد فرص عمل لهم دون الاكتراث بظروف واحتياجات البلدات العربية" (جدل 2010)، وأدخلت عدة مجالس في "خطة الإشفاء"، أي التهديد بالحلّ في حال لم تسدّد "إلتزاماتها" المالية، في الوقت الذي يسيطر فيه الحكم المركزي "على موارد الأرض وعلى إدارته وتخطيطه. وزير الداخلية هو الذي يقرّر منطقة نفوذ البلدية ويقرّ الخارطة الهيكلية. وسياسة السلطة المركزية هي تقليص الحيّز الذي تديره وتخطط له السلطة المحلية (بروفيسور راسم خمايسي). ويشير د. ثابت أبو الراس إلى أن "الحكومة المركزية لم تسمح بشمل أراضي السكان العرب جميعها داخل مناطق نفوذ البلدات العربية. فأجزاء من هذه الأراضي شملت ضمن حدود البلدات اليهودية المجاورة، ومن هنا فإن أصحاب العقارات العرب يدفعون في بعض الأحيان الضرائب للسطات المحلية اليهودية" (2002)، وتهدم البيوت بحجة عدم ترخيصها، إضافة إلى أن "معظم السلطات المحلية موجودة خارج خارطة مناطق الأفضلية القومية ما يمنع عنها بعض الهبات المحفزات والميزانيات التطويرية" (ركاز 2014).

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/133529

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا