"كيف لذاكرتي يمكن أن تنسى بلدتي الخالصة ، وما تعرضت له من اعتداءات يومية من قبل العصابات الصهيونية، المدعومة من القوات البريطانية ، وكيف يمكن أن أنسى أيام الخير والعز في وطني".
بهذه الكلمات بدأ محمد علي عيسى (90 عاماً ) ، الذي يعيش في المجمع بحي البستان في مخيم عين الحلوة حديثه لـ"وكالة القدس للأنباء" عن تلك المرحلة التاريخية وما رافقها استتبعها من نضالات ومعاناة .
يقول عيسى : "الإنكليز كانوا يسيطرون على المرتفعات المحيطة بقريتنا الخالصة من كل الجهات، وكانوا يسلحون ويدربون ويسهلون غزوات العصابات الصهيونية للقرية، وبقية القرى والبلدات المجاورة، حيث ترتكب المجازر ، وذلك لدب الرعب بقلوب الناس، ودفعهم للرحيل، لكن شباب هذه القرى كانوا يواجهون هذه العصابات ويكبدونها خسائر بشرية ومادية".
وأضاف : "كلما كانت الكفة تميل لصالح أبنائنا، يسرع الإنكليز لنجدة الصهاينة، فيقصفوا القرى ويحرقوا المحاصيل كنوع من الضغط،وأخيراً سلم الإنكليزمواقعهم لهذه العصابات، فاضطررنا إلى مغادرة قريتنا وقتها إلى الأراضي اللبنانية، مع عدد من العائلات، ووصلنا إلى قرية مركبا اللبنانية المحاذية للحدود الفلسطينية، وفيها استقرينا لمدة عامين، وعشنا مع سكان القرية اللبنانيين في الزراعة، وعاملونا معاملة الأهل لأبنائهم ".
وحول المراحل التي مروا بها بعد ذلك،أوضح عيسى : "تنقلنا بين بلدتي حبوش والكفور في جنوب لبنان، إلى أن قامت الأونروا بجمع اللاجئين في مخيم النبطية، الذي تم تدميره بالكامل عام 1974 إثر سلسلة من الغارات التي بدأت عام 1969، بعد استهداف بعض مواقع الفدائيين الفلسطينيين في المخيم".
توقف قليلاً وكأنه يقلب صفحات ذكرياته، ثم تابع: "تمت الغارة الأولى أثناء عقد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، اجتماعاً لقيادة حركة فتح في مقرها في المخيم، قبل أن تتوالى الغارات في السنوات اللاحقة، ما ألحق ضرراً ودماراً جزئياً في المخيم؛ لكن في العام 1974 دمرته الطائرات الإسرائيلية عن بكرة أبيه ".
توزع أبناء المخيم بعد تدميره في عدة مناطق، منها مخيم تل الزعتر ومخيم البداوي في شمال لبنان، وشحيم في قضاء الشوف، علاوة على مناطق في صيدا ومخيم عين الحلوة وبلدة النبطية."
واستعرض واقع قرية الخالصة هو يتكئ على عكازه، فبين أنها تقع على الحدود اللبنانيه الفلسطينية واضاف هي قرية فلسطينية تقع على مساحة 28 كم الى الشمال الشرقي لصفد، وتبعد عنها 40 كم، وفي عام 1948 قام الاحتلال الإسرائيلي بتشريد سكانها وتدميرها وأقام على أنقاضها مستعمرة كريات شمونه، ومعظم سكانها من عرب عشيرة الغوارنة، وعوائل الحمايدة، الدوالي، لفريجات، رميح، العيسى، لويس وأحمد، ومارسوا فيها حرفة الزراعة جنباً إلى جنب مع حرفة الرعي وتربية المواشي".
ووصف مبانيها بأنها مصنوعة من حجر البازلت، في مساحة بلغت 20 دونماً. وتحيط بالخالصة من الجهتين الشرقية والجنوبية آثار تدل على أن الموقع كان معموراً منذ زمن قديم، وكان السكان يعتمدون في معيشتهم على تربية المواشي.
أما مساحة الأراضي التابعة للخالصة فتبلغ حوالي 11،280 دونماً، منها 507 دونمات للطرق والأودية. وتتوافر مياه الينابيع حول القرية، وتهطل الأمطار عليها بفصل الشتاء بكميات كافية لنمو المحاصيل الزراعية.
وشيدت في الخالصة مدرسة ابتدائية للبنين، وكانت مركزاً تجارياً، بالإضافة إلى كونها مركزاً تعليمياً لأبناء المنطقة المجاورة. وكان سوق الخالصة يقام كل يوم ثلاثاء، وويتم فيه التجارة بالسلع الواردة من الإقليم المحيط بها في شمالي فلسطين، ومن منطقة الحدود السورية واللبنانية.
وقال عيسى :" كنا نبيع في السوق كل ما تنتجه أرضنا وقضائنا والأقضية الأخرى: حيفا ويافا وطبريا وعكا والجولان، ومن درعا السورية، كما يباع فيه البقر والماعز والغنم والجمال، وكانت الشحنيات والسيارات والخيل والدواب تدخل السوق محملة بالحمضيات بكل أنواعها وما ينتجه الفلاح الفلسطيني بكل فصول السنة ونبيع ونشتري".
وأشار إلى أن والده وجده في فلسطين كانوا يملكون أرضاً بمساحة 5 دونمات، وكانوا يستعملونها لزراعة القمح والشعير والذرة البيضاء والصفراء والسمسم، والكرسنة واللوبية والبندورة، "كنا نزرع أرضنا بكل فصول السنة، نحرث ونزرع ونحصد، كما كان لدينا مزرعة مكونة من ٣٥ رأساً من الغنم الحلاب، وفي قضائنا مطحنتين للقمح والشعير والذرة، نطحنهم لإنتاج الطحين والسميد والبرغل بكل أنواعه".
وأكمل عيسى كلامه والحسرة تكاد تخنقه: "عشنا أفضل أيام عمرنا براحة بال في قريتنا، كنا نعيش على ما كانت تجنيه أرزاقنا في الزراعة وبيع حليب الغنم، لم يكن احد من ابناء القرية بدون عمل، فكل واحد كانت له أرض للزراعة ".
أنهى عيسى الحديث بالقول : " الحق لا يمكن أن يضيع، وإذا كنا تعرضنا لمؤامرة في السابق، فإن أملنا بالله بالمقاومة كبير للعودة إلى ديارنا".