/مقالات/ عرض الخبر

"قانون القومية" الصهيوني ومأزق الأحزاب الوطنية

2018/08/06 الساعة 08:08 ص
قانون القومية
قانون القومية

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

سنّ الكنيست الصهيوني في 18 تموز / يوليو الماضي "قانون القومية"، وهو "قانون أساس" لدى الكيان، ما يعني أنه "سيضمن دستورياً، لأول مرة، هوية "إسرائيل" كدولة قومية للشعب اليهودي. سيضمن طابعها العرقي – الديني الخالص كدولة يهودية، ويرسخ الامتياز الذي يتمتع به المواطنون اليهود" (مركز عدالة).

يشكل هذا القانون، بعد 70عاماً من إقامة الكيان الإستعماري على أرض فلسطين، وبعد 100 عام من وعد بلفور المشؤوم، تكريساً قانونياً لما ارتكبته وترتكبه العصابات الصهيونية الغازية إلى الآن، أي سرقة الأرض (مع مجال مواصلة السرقة على "أرض إسرائيل") وقتل وطرد أهل فلسطين والتمييز العنصري ضدهم وتزييف التاريخ. وإضافة الغطاء القانوني "الدستوري" على ممارسات الكيان من شأنه أن يزيده شراسة وهمجية في المستقبل القريب.

أثار هذا القانون موجة من الإستنكار، من وجهات نظر مختلفة. رفضت بعض الدوائر الصهيونية عملية سنّ القانون وليس محتواه، لأنها اعتبرت أن "التكريس الدستوري لأمر بدهي ("يهودية إسرائيل") سيشكل رافعة في أيدي القوى المعادية لإسرائيل" أو لأن التركيز على طابع الدولة اليهودي يقزّم طابعها "الديمقراطي"، فيما اعتبر البعض أن القانون يخالف "وثيقة الاستقلال" الصهيونية من ناحية "المساواة" بين مواطني الكيان. طالبت بعض القوى الصهيونية تعديل القانون لإخفاء بنوده العنصرية الفجّة أو لإضافة بعض الحقوق "للأقليات"؛ كما انتقدت بعض الأصوات الصهيونية الليبرالية القانون كونه يشرعن العنصرية إزاء "المواطنين العرب"، في حين وضع الكاتب "الإسرائيلي" الناقد للصهيونية شلومو ساند القانون ضمن مسيرة الحركة الصهيونية وممارساتها اليومية.

رفض الفلسطينيون وأحزابهم وحركاتهم، في الداخل المحتل عام 1948 وخارجه، هذا القانون بمجمله، ووصفوه بالقانون العنصري، كونه يشرعن التمييز العنصري إزاء الفلسطينيين، ويبتلع أرضهم "أرض إسرائيل". ولكن متابعة آراء وردود الفعل والتصريحات الصادرة عن فلسطينيي الداخل (48) وعن أحزابهم وحركاتهم السياسية تلقي الضوء على المأزق السياسي التي تعيشها هذه الأحزاب والحركات، مـأزق لا يقل عمقاً عن الأزمة التي تعاني منها الحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام.

يعترف الكل بأن القانون يمسّ بشكل خطير بوجود المجتمع الفلسطيني، بكل مكوّناته، على أرضه المسلوبة، ولكن يبقى الجدل مفتوحاً بين من يعتبر نفسه جزءاً من "الشعب الإسرائيلي" ("اليهود والعرب" كما يقولون) أو جزءاً من الشعب الفلسطيني، كما كتب رجا إغبارية، العضو في قيادة حركة "أبناء البلد": "فإما الفلسطنة الكلية وإما الأسرلة الذليلة التي تخدم دولة اليهود."

غير أن النقاش الحالي لا يدور على هذه الأرضية، بل على أساس "المواطنة" وحقوق "المواطن" الفلسطيني في دولة الكيان، لا سيما أن هناك أحزاباً عربية مشاركة في الكنيست، قد وحدّت صفوفها لتشكيل "القائمة المشتركة" التي يتزعهما الأستاذ أيمن عودة. لم يثر القانون الإلغائي التساؤل حول جدوى المشاركة في هذا الصرح الصهيوني، بل بقي النقاش حول الاستقالة الجماعية لنواب "المشتركة" أو تجميد عضويتهم، بعد العريضة التي رفعها مثقفون وأكاديميون، مطالبين بالاستقالة من جهة واستقالة زهير بهلول عضو في "المعسكر الصهيوني" رفضاً للقانون من جهة أخرى. فبقيت المسألة ضمن "التكتيك النضالي"، حيث يرى بعض الأعضاء أن المشاركة في الكنيست مفيدة وقدّمت بعض التسهيلات للمجتمع الفلسطيني، في حين يرى غيرهم أنها تشكّل منصة لإبداء رأي المجتمع الفلسطيني ومناسبة للتوجه إلى المؤسسات الدولية والدول الأجنبية بصفة رسمية لطرح وضع المجتمع الفلسطيني في دولة الكيان.

ولكن، قبل موضوع الاستقالة، لاحظ أحد الكتّاب "غياب أي رد فعل حقيقي أو إستراتيجي على قانون يُغيّر من قواعد اللعبة السياسيّة بشكل كلّي... ولم يُقدّم أي طرف في القيادة السياسيّة تصورًا لشكل العلاقة وقواعد اللعبة الجديدة التي سيتّخذونها بعد هذا القانون " (ربيع عيد)، فبدا وكأن المسألة تتعلّق بالتواجد في الكنيست أو عدم التواجد، وهل يجب أن تكون الاستقالة جماعية أم لا، مبنية على مواقف الأحزاب، أو الاكتفاء بتجميد العضوية. أي أن الصراع ضد الكيان الاستيطاني أصبح، منذ فترة من الزمن، ينحصر في أروقة الكنيست وبعض المؤسسات الحقوقية وفي "المحكمة العليا" الصهيونية، حيثما أراد الصهاينة نقل المعركة، ولم تعد المعركة في الشارع وفي البلدات والمدن، إلا نادراً، وذلك بإرادة وهمّة مجموعات شبابية أدركت أن التحدي الحقيقي يتم في الساحات كافة، أهمها في الشارع.  

لكن السؤال الذي يطرح أولاً هو: ما الجديد في هذا القانون؟ أجاب مركزعدالة بالقول إن قانون القومية يطرح لأول مرة منذ إقامة الكيان "هوية" الكيان، أي "يهوديته"، لاغياً بالتالي حقوق المكوّنات الأخرى (غير اليهودية) أي الفلسطينيين أصحاب البلاد الشرعيين. من الناحية القانونية، يعتبر هذا القانون خطيراً لأنه يشرعن ما تم ارتكابه سابقاً ويعطي زخماً قوياً لما قد يرتكب بحق الفلسطينيين لاحقاً.  فهو يتوّج القوانين العنصرية كافة، والإجراءات الإدارية والممارسات الفعلية التي اتخذها الاحتلال ضد المجتمع الفلسطيني، منذ إقامته على أرض فلسطين.

هل يتم الرد عبر النقاش حول العضوية في الكنيست وأعبائها وتحدياتها، أم عبر التوجه إلى المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، في الداخل والخارج، بدلاً من التوجه إلى البرلمانات الأجنبية التي قد تصغي ولا تتحرك، كما اعتاد عليها الشعب الفلسطيني في كل محطات نضالاته؟ لقد أصبح تواجد النواب العرب في الكنيست معركة بحد ذاتها، تسلط الأضواء الإعلامية على تصريحاتهم الوطنية البليغة، وتصرفاتهم ("مسرحية تمزيق القانون"، كما وصفها أحد الكتاب، وقد سبقها "تمزيق" آخر). ولكن ماذا بعد ذلك؟

تصدت الأحزاب العربية لعدد من المشاكل الخاصة بعضويتها في هذا الصرح الصهيوني، بسبب عنصرية الصهاينة، في الوقت الذي كانت تهدم فيه بيوت الفلسطينيين، وتترك الناس بلا مأوى، كما هو الحال في بعض المدن "المختلطة" (يافا)، وكانت قرى تمحى نهائياً (أم الحيران في النقب) بسبب غياب التحرك الجماهيري، وكانت معالم عريقة تختفي أو تهوّد في مدن مثل عكا، دون أي تحرك، إلا من قبل جمعيات محلية تصارع شركات عالمية متواطئة مع الكيان. هل المهم التصدي للقانون والمطالبة بإلغائه عبر التحرك الدولي وإلقاء الخطابات في الدول الغربية وأروقة الأمم المتحدة، أم أن المعركة أكبر من قانون، وتتطلب حشد جماهيري ووضع استراتيجية واضحة لموجهة الممارسات اليومية، القمع والملاحقات وهدم البيوت ومنع الآذان وإلغاء التاريخ والهوية الفلسطينية في المدارس، والدفاع عن القدس والمقدسات في كل البلاد، المهددة بالتهويد، والعودة الى القرى المهجّرة؟

لقد حدّدت لجنة المتابعة العربية برنامج التحرك الجماهيري، الذي يتضمن "تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، ومسيرة مركبات إلى مقر الكنيست، وتنظيم تظاهرات عند مفارق الطرق في بعض البلدات العربية وتوقيع عريضة ونشر وثيقة موقف حقوقي وسياسي، ومؤتمر صحافي في تل أبيب ومظاهرة في تل أبيب". اعتبر البعض أن هذه "النشاطات لا ترقى إلى مستوى التحدي، بل على العكس، ... ما هي إلا استمرار لنفس نهج الاحتجاج المعهود، الذي لا يشكل تحدياً حقيقياً للمؤسسة" (علي حيدر)، وذلك لأن المشكلة الأساسية ليست في القانون بحد ذاته، بل في التهويد المتسارع والزاحف على الأرض والعقل الفلسطيني، وعدم التصدي له عبر أدوات تشمل الكل الفلسطيني، الذي رضي بـ"المواطنة الإسرائيلية" والذي يرفضها، ضمن استراتيجية وطنية واضحة تعيد زخم التحركات الجماهيرية، كما حصل قبل سنوات خلال التحرك ضد مشروع "برافر" الإقتلاعي. الدفاع عن "المواطنة الإسرائيلية" أو عن التواجد في الكنيست لا يوحّد المجتمع الفلسطيني، بل العكس، ما يوحّده في الداخل وفي أماكن تواجد الشعب الفلسطيني كافة هو النضال المتواصل ضد العدو السارق للأرض والمزيّف للتاريخ بالطرق كافة، لأن ما "اوضحه قرار القومية اليهودية لدولة اسرائيل هو إعادة معادلة: إن وطننا هو فلسطين وإسرائيل ليست دولتنا. ومصيرنا مرتبط كلياً مع شعبنا. فإسرائيل اليمينية الفاشية أسقطت قناع التضليل الذي دام سبعون عاماً" (رجا إغبارية).

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/129352

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا