/مقالات/ عرض الخبر

قوانين الاستعمار الاحتلالي

2018/07/07 الساعة 02:11 م

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

قبل أيام، صادق "الكنيست" الصهيوني على مشروع قانون يتيح السطو على أموال السلطة الفلسطينية، المخصصة لذوي الشهداء والاسرى والجرحى الفلسطينيين، بحجة أن هذه الأموال تشجع الفلسطينيين على مقاومة الاحتلال وتدعم "الإرهاب". لا شك أن هذا القانون الاستعماري الجديد يهدف الى تجريم المقاومة والمقاومين، كما أكد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع، وأنه عملية قرصنة، كما وصفه أقطاب السلطة الفلسطينية، ولكن من المفيد التذكير أن ممارسات العدو الصهيوني منذ إقامة كيانه على أرض فلسطين، ليست إلا سرقة وهدم وقتل وتهجير، إضافة الى تزييف التاريخ.

منذ عام 1948، يواصل الاحتلال سرقة كل ما يلزم الشعب الفلسطيني للبقاء في وطنه. سرق منه الأرض والبيت، وأثاثه ومقتنياته، بما فيها المكتبات التي ضمها إلى مكتبته "الوطنية"، خلال أطول عملية سطو عرفها التاريخ الحديث. ثم باشر بسرقة المياه والحجر والشجر، وتدمير ما لا يستطيع سرقته، مخترعاً الحجج تلو الحجج لشرعنة جرائمه. في المناطق المحتلة عام 1948، جرّد العائلات الفلسطينية والأوقاف الإسلامية، من معظم أملاكها، واستولى على الأراضي العامة وجعلها خاصة بالمستعمرين اليهود، لمشاريعهم الاستيطانية. استولى على الكنائس والمساجد والمقابر، وحوّل معظمها إلى متاحف ومطاعم أو حظائر لحيواناته، ويجرّم إلى اليوم كل من يتجرأ على إعادة ترميم مسجد أو كنيسة أو مقبرة تدلّ على الوجود العربي الفلسطيني في البلاد قبل بداية الغزو الصهيوني.

واصل العدو عمليات السرقة الممنهجة بعد احتلاله الأراضي الفلسطينية عام 1967 كافة: سرقة الأرض والبيت والمياه والمال، لإرغام الفلسطيني على الرحيل عن وطنه. ما يميّز السرقات الرسمية عن تلك التي يقترفها جنود العدو أو مستوطنيه عند اقتحامهم بيوت المواطنين في البلدات والمدن الفلسطينية وعلى حواجز الضفة الغربية، هو شرعنة الأولى من خلال قوانين تسنّها مؤسساته. فالشرعنة تطال أيضاً عمليات الهدم والقتل والتهجير. وفي السجون، تهدف قوانينه وممارساته "غير القانونية" إلى إذلال الأسير وتحويل حياته إلى جحيم، لكسر إرادته ونفي إنسانيته.

أصدر العدو قوانين بعد إقامة كيانه مباشرة للسطو على أملاك الفلسطينيين، تحت مسمى "أملاك الغائبين" (وإن كانوا حاضرين)، و"المناطق العسكرية المغلقة" (يستولي اليوم على أراضي الأغوار بجعلها "مغلقة")، وغيرها لتشمل أكبر مساحة من الأراضي وأكبر عدد من الأملاك العقارية. في مدينة القدس، يطبّق القوانين الخاصة بالأراضي والأملاك، وقوانين أخرى خاصة بالمقدسيين لتهجيرهم، أضاف إليها أوامر إدارية لهدم منازلهم أو تسليمها للمستوطنين، وطردهم من مدينتهم تحت ذريعة أنهم يشكلون "خطراً أمنياً"، ما يعني أن الأوامر الإدارية جاهزة لدى أجهزة الكيان عند غياب القانون. فالمهم هو شرعنة الممارسات الإحلالية والتطيهر العرقي والديني حيثما استطاع، كما يحصل حالياً في المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية على نطاق واسع.

لقد شرّع الاحتلال مؤخراً بقوانينه وأوامره الإدارية هدم منازل الفدائيين، في الضفة الغربية وفي الداخل المحتل عام 1948، ومنع تصوير جنوده وهم يقتلون الفلسطينيين، وهدم قرى بأكملها في النقب وهدم المنازل الفلسطينية "غير المرخصة"، وهي تفوق العشرة آلاف منزل مهدد اليوم. يشير رئيس مجلس عارة- عرعرة المحلي، المحامي مضر يونس إلى أن "هناك ما يزيد عن ألفي بيت غير مرخص في وادي عارة" وحده، وأن قانون "كمينتس" الإحلالي شرعن منع "البناء على أراضينا و(هدم) بيوت عربية فلسطينية، و(بناء) بيوت للمستوطنين على الأرض المسلوبة من الفلسطينيين". أشار الباحث برهوم جرايسي أن الكيان أصدر 72 قانوناً خلال عامي 2015 و2016 يستهدف الفلسطينيين، أرضهم وبيوتهم ودينهم وثقافتهم ولغتهم وعملهم ودراستهم، إلى جانب قراهم ومدنهم ومناطقهم في الداخل المحتل عام 1948 أو الضفة الغربية ومدينة القدس. فقد توّج هذه القوانين الإحلالية مؤخراً بما يسمى "قانون القومية" الذي يؤكد على "الهوية اليهودية للدولة" الذي تم التصويت عليه بالقراءة الأولى بداية شهر آذار / مارس الماضي.

منذ إقامة الكيان الصهيوني عام 1948، لم يصدر أي قانون لصالح المجتمع الفلسطيني العربي في الداخل المحتل عام 1948، ليس لأن العدو عنصري فحسب، بل لأنه يهدف من خلال قوانينه وممارساته إلى تقليص الوجود الفلسطيني والتضييق عليه قدر الإمكان أيضاً، رغم اعتبار فلسطينيي الداخل مواطنين في كيانه، ولكنه يعتبر هذا الوجود "خطأ" اضطر إليه مؤقتاً. والقرارات التي قد تصدر عن جيش الاحتلال أو مؤسسات صهيونية أخرى لصالح بعض القرى الفلسطينية غير المعترف بها أو الأحياء المهددة بالزوال في مدن فلسطينية ليست إلا قرارات مؤقتة يمكن نقضها عند اللزوم، أي عندما تقرر مؤسسة ما إقامة مشاريع استيطانية مكانها، ما يعني أن القوانين تثبت الحالة النهائية لدى الكيان الصهيوني، هي دائماً لصالح المستوطنين اليهود، كما يتطلبه المشروع الصهيوني في فلسطين.

يحتاج الاحتلال الى شرعنة ممارساته الاستعمارية الإحلالية لمواجهة المساءلة والملاحقة التي قد تصدر من داخل المجتمع الصهيوني، من قبل الذين لا يؤيدون كل الممارسات القمعية التي ينتهجها كيانهم. ولكنه يحتاج أيضاً إلى شرعنة ممارساته لمواجهة الشعب الفلسطيني وإخضاعه، حيث يظن أن شرعنة سرقة الأرض قد تحمي مستوطناته ومستوطنيه من إعادة الأرض إلى مالكيها الحقيقيين أو أن شرعنة التهجير قد تقف في وجه عودة اللاجئين والمبعدين. يظن العدو أن كيانه شرعي وقانوني، وفقاً للقوانين الدولية، ويحاول عبر تشريعاته، إرغام الفلسطيني والعربي على الاعتراف به، كأمر واقع لا يمكن إزالته، تمت حمايته بمنظومة قانونية. ولكن يقول النائب أحمد الطيبي لهؤلاء الذين يسنّون هذه القوانين: "بإمكانكم أن تسنوا كل ما يخطر في بالكم من قوانين عنصرية متطرفة، وبإمكانكم أن تسلبوا الحقوق وتغتصبوا الأرض وتحرقوا أطفالنا، ولكننا نذكركم بقولنا وموقفنا، لن تتمكنوا يوماً من كسر إرادة الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال والطامح للحرية".

كما يسعى الكيان إلى تجميل صورته أمام المجتمع الدولي وإظهار أنه دولة يحكمها القانون، كسائر دول العالم، وإن كانت هذه القوانين تشرعن القتل والنهب ونفي الحق الفلسطيني على أرضه. عندما تقدم مجموعة من المستوطنين العنصريين والفاشيين على سنّ قوانين تعبّر عن كراهيتها للحضارة الإنسانية ولا يتبعها أي تعلّيق أو إدانة من أية دائرة من دوائر المجتمع الدولي، فهذا يعني أن هذا المجتمع الدولي يشارك في الجريمة ويتواطأ مع المحتلين، وأن نظرته إلى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية لا تختلف كثيراً عن نظرة الكيان العنصرية، وأنه تبنّى أساطير وروايات مشوّهة شكّلت أرضية لسنّ هذه القوانين الإجرامية، وخاصة من قبل الدول الغربية التي تدّعي احترام العلم والقانون وحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، تتحمل الدول والمجموعات العربية والإسلامية التي تطبّع علاقاتها مع العدو، مسؤولية كبيرة في مواصلة الإجرام الصهيوني، لأنها تسعى إلى إخفاء حقيقتة وتاريخه وتجميل صورته بين الشعوب.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/128096

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة