بقلم: حلمي موسى
تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أخطر أزمة مالية في تاريخها، تضعها، وفق مديرها العام ماتياس شمالي، أمام «تقليصات كبيرة ستطال البرامج الأساسية في التعليم والصحة». ولم يفلح مؤتمر التعهدات للدول المانحة في توفير مبلغ العجز في ميزانية «الأونروا» السنوية البالغ 250 مليون دولار ما قاد إلى الإعلان عن فصل موظفين وتقليص خدمات إغاثية ونشوء اضطرابات إدارية وإضرابات عمالية.
واضح أن هذه الأزمة نشأت لأسباب سياسية حيث تتطلع الإدارة الأمريكية، وهي أكبر ممول ل«الأونروا»، إلى تحطيم هذه المنظمة الدولية خدمة لمصالح دويلة «إسرائيل» في إنهاء حق العودة وإزاحته عن طاولة المفاوضات.
ورغم أن «الأونروا» التي أنشئت كوكالة دولية متخصصة تابعة للأمم المتحدة في العام 1949 لرعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة، واجهت طوال تاريخها مشاكل مالية، لكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه خطرا وجوديا.
فالإدارة الأمريكية التي تبنت الموقف «الإسرائيلي» الأشد يمينية عمدت في الآونة الأخيرة إلى إزاحة قضايا الحل النهائي عن طاولة المفاوضات واحدة بعد الأخرى. وقبل الاعتراف بالقدس عاصمة لدويلة الاحتلال وإثارة الشكوك حول حل الدولتين وتمييع الموقف من خطوط يونيو/حزيران 67 كان الموقف من «الأونروا» بوصفها عنوان الاعتراف الدولي بحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وليس صدفة أن الموقف من «الأونروا» كان بين مواقف الضغط على السلطة الفلسطينية للتساوق مع ما بات يعرف بـ"صفقة القرن".
وبديهي أن قرار الإدارة الأمريكية بتقليص تمويلها لـ«الأونروا» تمهيدا لإلغاء هذا التمويل يغدو عديم النفع إن كانت دول العالم ستسارع إلى سد العجز. ولذلك فإن امتناع الإدارة الأمريكية عن التمويل ترافق مع ضغوط لثني الدول الواقعة تحت النفوذ الأمريكي عن تقديم الدعم الواسع ل«الأونروا» تسهيلا لتحقيق الغاية الأساسية وهي تحطيم هذه المنظمة خدمة لأغراض سياسية. وهكذا، رغم رفض الكثير من دول العالم القرار الأمريكي إلا أن هذه الدول لم تسارع لتغطية العجز الكبير وهذا ما أظهر الأزمة الحقيقية لـ"الأونروا".
ومن الجائز أن خطاب مدير عمليات «الأونروا»، ماتياس شمالي، في مؤتمر التعهدات كان الأشد وضوحا في تحديد المشكلة. فقد أعلن أن الأزمة بدأت تلوح في الأفق قرب نهاية العام الفائت من دون أن يشير إلى تهديدات كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية وهو أمر معهود في تقارير «الأونروا». وقفز عن الإشارة لهذه الإدارة حين قال إنه مع مطلع العام الجاري «أصبح الوضع المالي كارثيا بحق. فالخسارة المفاجئة لمبلغ 300 مليون دولار من التبرعات الطوعية من أكبر الجهات المانحة الفردية كانت تعني أن تمويلنا الرئيسي قد انخفض بحوالي 32% وأن تمويلنا للطوارئ قد انخفض بحوالي 75%".
وبعد أن أشار شمالي إلى الدول التي تبرعت قبل مؤتمر التعهدات وشكرها، شدد على أن «عجزنا الحالي لا يزال يزيد عن 250 مليون دولار، ولا يزال أمامنا مهمة كبيرة. وفي هذه اللحظة، فإنه ليس لدينا - وأكرر بأنه ليس لدينا دخل لضمان أن المدارس ستفتح أبوابها في الموعد المحدد في آب/ أغسطس. وفي غياب تمويل جديد كبير، فإنه سيتوجب علينا البدء باتخاذ تدابير صعبة للغاية في تموز/ يوليو من شأنها أن تؤثر على مستوى خدماتنا، علاوة على موظفينا».
وخلص شمالي إلى أن «الوضع سيكون حرجا للغاية بالنسبة لعمليات الطوارئ في الضفة الغربية وغزة. إن توفير الغذاء لما مجموعه مليون لاجئ في قطاع غزة هو عرضة للخطر، علاوة على الدعم النفسي والاجتماعي للأشخاص وتحديدا الطلاب في غزة، إضافة إلى الغذاء والمال مقابل العمل والمساعدة الأساسية لما مجموعه 100,000 شخص في الضفة الغربية. وبالإجمال، فإن الخدمات في كافة أقاليم عملياتنا سوف تتأثر، بما في ذلك ما له علاقة بتعليم 526,000 طالب وطالبة".
ومن المؤكد أن أزمة «الأونروا» ليست «مسألة إدارية» وإنما هي قضية سياسية وطنية وإنسانية كبرى على أكثر من صعيد. فـ«الأونروا» تقدم خدماتها لحوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في الدول المضيفة لهم خارج وطنهم، الأردن وسوريا ولبنان فضلاً عن اللاجئين في الضفة والقطاع. ومن المؤكد أن تقليص خدمات الوكالة يؤثر بشكل كبير على استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في أماكن تواجدهم. وهذا ما يدفع الكثيرين إلى محاولة تجنب الأزمة المقبلة من خلال إيجاد مخارج مؤقتة لتقليص الأضرار المحتملة.
وكما هو واضح، لم تحقق «الأونروا» في مؤتمر التعهدات هدف سد العجز القائم إلا جزئيا. ولكن ما هو أهم من ذلك أن النقاشات التي رافقت هذا المؤتمر أظهرت أن ما هو ممكن حله اليوم سوف يكون من الصعب جدا حله في المستقبل. فالكثير من الدول ترى تراكم الأزمات العالمية وخصوصا في المنطقة العربية جراء الحروب الداخلية والمآسي الاقتصادية وتشعر أن الأعباء عليها تزداد. ولهذا السبب ظهرت على الفور بوادر الأزمة في «الأونروا» خصوصا في غزة بتحذير اتحاد الموظفين فيها إدارة الوكالة من إجراءات نقابية غير مسبوقة إذا لم تسحب قرارها بوقف عقود 400 موظف. وكان مدير عام الوكالة قد أبلغ اتحاد الموظفين أن الأزمة المالية ستقود إلى إلغاء عقود حوالي ألف موظف يعملون ضمن ميزانية الطوارئ. وأشار الاتحاد إلى عدم وجود ضمانات بفتح العام الدراسي الجديد في سبتمبر/أيلول المقبل ما يهدد مستقبل ربع مليون من التلاميذ في القطاع.
وبديهي أن هذا يزيد الوضع البائس أصلا في قطاع غزة بؤساً ويدفع بسرعة إلى انفجار لا أحد يعرف مداه. وربما أن هذا ما يدفع حكومة «إسرائيل»، قبل غيرها، إلى مطالبة الإدارة الأمريكية بالعمل على محاولة معالجة الوضع في قطاع غزة ومنحه أولوية على سواه.
وتحاول الجامعة العربية والسلطة الفلسطينية حث الأسرة الدولية على مواصلة رعايتها ل«الأونروا» باعتبار ذلك التزاما عالميا بالسعي لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل ومنصف. وهناك إيمان لدى العديد من الدول بأن بقاء «الأونروا» أمر ضروري لإبقاء المسألة الفلسطينية ومنع تصفيتها بما يتناقض مع الحق ومبادئ العدالة. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن محاولة الإدارة الأمريكية والحكومة «الإسرائيلية» تحطيم «الأونروا» وإزاحة قضية اللاجئين وحق العودة عن دائرة الاهتمام الدولي مصيرها الفشل.
فالشعب الفلسطيني الذي لجأ في السنوات الأخيرة إلى أسلوب مسيرات العودة في سبيل تأكيد حقه في أرضه ورفض مخططات التصفية نجح في إعادة المسألة إلى رأس الاهتمامات الدولية. وغدت مسيرات العودة، على حدود قطاع غزة أسلوب حياة ينبئ بأنه ما ضاع حق وراءه مطالب، وأن «الأونروا» على أهميتها الميدانية والدولية، ليست بديلا عن فعل فلسطيني وعربي لاسترداد الحق ومحاولة تغيير موازين القوى. ومن الطبيعي القول أنه حتى إذا أفلحت المساعي الأمريكية في التضييق على «الأونروا» وتحطيمها فإن الحق الفلسطيني سابق على «الأونروا» وغير مشروط بها.