وكالة القدس للأنباء - خاص
لم يردم غبار السنين حنين الذكريات إلى قريتها الفلسطينية المحتلة، فالصور ما زالت تسكن وجدانها، وهي تعود كلما جرى حديث عن تلك الأيام المليئة بالعز والفخار.
"قاومنا ولم نستسلم، ولكن المؤامرة كانت كبيرة على فلسطين، فالإنكليز والعصابات الصهيونية، دمَرت بيوتنا واستولت على أملاكنا، فهجرنا في أرض الشتات في العام 1948، وحَلت علينا النكبة، حيث خرجنا مجبرين ولم ندر ظهورنا لها، وبقيت ذاكرة فلسطين محفورة في عقولنا ووجداننا، ولا يزال حلم العودة يراود صغارنا قبل كبارنا، فالمقاومة اليوم أشد بأساً وفتكاً بالصهاينة، وتبعث الأمل في نفوسنا بأن موعدنا مع التحرير أصبح قريباً جداً، هذا الحلم سيتحقق ونعود لنتنشق هواء ترابك يا فلسطين".
هكذا عبَرت الحجة نايفة محمد سليم أم عفيف ( 87 عاماً) ، واللاجئة في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، لـ"وكالة القدس للأنباء"، عن شوقها وحنينها لبلدتها نمرين -قضاء طبريا في فلسطين المحتلة، وهي اليوم تعيش ذاكرة الحياة اليومية في قريتها خلال الـ17 عشر عاماً التي أمضتها هناك، قبل أن يسلمها وسائر القرى المجاورة الإنكليز وبعض المتآمرين من العرب للعصابات الصهيونية".
معركة وادي الشومر
وعن سقوط نمرين وما حولها قالت الحاجة أم عفيف:"كانت المعارك لِكبيرِة تصيرْ في لوبيا أقرَبْ بلد علينا، وكانوا أهالي نمرين يِفْزَعوا لأهل لوبيا، في المعارِكْ اللي تْكونْ شَرقِيّْ لوبيا على حدود نمرين في وادي الشومَرْ (هذا الوادي كانت تُكْثُرْ فيه نبتِة الشومَرْ). ومَرَّة كانت نِسوانْ بَلَدنا تْمَلّي ميّْ من بيرْ قريب عَالمعرَكِة، ويروحوا يِوَدّوا للمُقاتلينْ .. أجت الرصاصة بِتنكِة المَيّْ على راسْ حَليمِة الخليل، قاموا المقاتلين صاروا يِصَيّْحوا عليها: أُقُعدي بالأرض.. أُقُعدي بالأرض."
غَصت أم عفيف بِالبَكاء وتابعت: "حليمِة الخليل كانت مرة قويّة وشُجاعَة، كانت تفوت عَالمَعركِة وما يْهِمّْها إشي... بْهايْ المعركِة ظلّْ يهودي واحَد بسيارِة شَحِنْ كبيرِة مْصَفَّحَة من قُدّام وتُضرُبْ، انْقَطعْ الرصاصْ مِنّو، وعِرفوا المقاتلينْ إنّو مات، أجا واحد من بلدنا إسمو محمد العَوَضْ سَحب اليهودي من السيارة، وأخَذ بارودْتو الإنجليزيِّة بِدون فَشَكْ.. كانت أيام حَصيدِة، كُنّا الفَشَكْ اللي نْلاقيه مِنْ ورا اليهود بين الحصيد نوخْذوا لمحمد العوض... والله نلاقي وراهُم بكيتاتْ فشكْ مَلانِة".
توزيع المهام في المواجهة
وحول ما حدث في معركة وادي الشومر روت أم عفيف :
"بهايْ المعرَكِة اليهود أجوا من الناحيِة الشرقِيِّة على حارِة العَطواتْ، تَمويه للمُقاتِلينْ في َلوبيا، لكن القُوّة الكبيرة أجت من الناحْية القبليّة عِند حارِة الشَهايْبِة، كانوا ناوْيين يِحتَلّوا البلد.. هذول الشهايْبِة والعَطوات عيلتينْ كبار، كانوا يِتباروا في مقاومِة اليهود.. زَعيم العَطوات قال لَزعيم الشَهايْبِة خَلّيكو بْأرضكو، وكًلْ واحد مِنّا يِحمي حارْتو، هايْ عَلينا وهذيكْ عَليكو.. فَاللوابْنِة طِلعوا شاطرين، أشْطَرْ من اليهود، وفتحوا معارك مع اليهود من كل الجهات، وفي هايْ المعركِة، استشهد واحد من نِمرينْ إسمو إحمد العُفَّري، وواحد من حِطّينْ إمّو يهوديِّة إسِمها بديعَة، وكانوا ينادوه محمد بَديعَة".
الحياة في نمرين
وتقول الحاجة أم عفيف: "عشنا في قريتنا أفضل أيام حياتنا، كان والدي يملك فدانين لزراعة البندورة والقمح والشعير والذرة والكرسنة والفاصوليا، وكان عنا كرم من الزيتون وأربع بقرات، وعدد من رؤوس الماعز، وقُن الدجاج، وكنا نجمع حليب البقر من أجل اللبن والجبن، وكانت عندنا سنينه نضع بها الحليب، ونحركها لوقت معين، لنستخرج منها أفضل أنواع السمن والزبدة والقشطة".
وأضافت: " مختار بلدتنا هو زوج خالتي المرحوم الحاج محمود بكر علي (أبو زكي)، وكان لديه مضافة شاسعة يجتمع بها أبناء القرية بشكل يومي، ويتسامرون فيها الحديث عن شؤونهم، وجدي سعيد ابراهيم كان عنده أهم زريبة للأبقار والماعز والدجاج في القرية، وكانت حياتنا تسودها الراحة النفسية والجسدية، بالرغم من عملنا في الأرض بالزراعة والحراثة، لأن كل واحد منَا يعيش في رزقه مرتاح البال".
وقالت: " أذكرأنني في أحد الليالي كنت نائمة على سطح المنزل، واذ بإحدى الطائرات تقوم بقصف بلدة لوبية القريبة منا، فارتعبنا بشكل فظيع، وكانت هذه أهم لحظات الخوف التي عشناها، حيت شعر الأهالي بخطر كبير وقتها، ومنذ ذلك الحين لم نعش حياة آمنة أو مستقر".
وأضافت: " نمرين من القرى الصغيرِة في قضاء طبريا، يحدها من الجنوب لوبيا، ومن الشمال بلدة عيلبون، ومن الغرب بلدة طُرعان، ومن الشرق حتى الشمال تتصل حْدودها لأراضي حِطّين، وعائلات البلدة هم: عْلَيّانْ، علي، تُرْمالْ، خَليفِة، بْنَيّانْ، سليم".
وأوضحت إم عفيف: "صحيح البلدة كانت صغيرِة، وِالناسْ كانت تعيش في رزقها بس كنّا مكيفين، وِالأراضي واسعة، وعنّا حلال كثير.. كانت البلد عايشة على ميّة لبيارة، ولما تخلص الميّ نروح على عين حِطّين نحمل المَيّ على الدَواب، وحَلالْنا يِرَدْ عَالعين".
وقالت: "ما كان في مشاكِل وخِلافات عالميّ؟..: حسب القانون و بِأيام الإنجليز كان مسموح إلنا شَرعاً نرد على عينْ حِطّين.. جَرَّبوا الحَطاطْنِة مَرَّة يمْنعونا نملّي مَيّ ونِرَدْ عَالعينْ، لكن الحكومِة الإنجليزيِّة أجْبَروهِنْ يِسمَحولْنا نعبي الماء ونسقي الطرش
مَيِّة حِطين وِفرِة وبِتْكَفّي نمرين، وحِطّينْ وعَرب المواسي، وبعِدها عين حِطّين جارْيِة لليوم. بَقوا يِقولوا عَنْ نِمرين (إمْ الذهب) لأنها بلد غَنيِّة".
وأضافت: " لوبيا حَدّْنا كانت بَلدة كبيرِة، بَسّْ نِمرينْ كانت أغنى منها، وأوضاع الناس أفضلْ، بَقوا يِقولوا عَنْ نِمرين (إمْ الذهب) لأنها بلد غَنيِّة، لأنّو الناس كان عِندها أراضي وأملاك وحلال كثير".
تْنَهَّدت إم عفيف وذرفت دمعها وقالت: راحت البلد وراحت الأملاك وراحْ الحلال، وما ظَلّْ إشي، حتى الناس لَمّا فَلَّتْ من البلد في الـ48 ترْكَتْ مَصاريها وذهبها بالأرض.. بَحَشوا بالأرض ودَمَلوا الذهب عَشانْ بَعدينْ يِرجَعوا يوخْذوه."
وختمت أم عفيف وهي تبكي بموال يعبر عن مدى تعلقها بفلسطين:
فلسطين كيف حالك
وأكم بطل استشهد منشانك
